تحوّلت الدولة المصرية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، إلى ألعوبة يمارس عليها السيسي مهاراته في التلاعب بالمصريين، مُستهينًا بآمالهم وطموحاتهم المعيشية أو السياسية والاجتماعية.

فمرة يتحدّث السيسي عن وجوب تمرير قانون الإدارة المحلية لإجراء الانتخابات المحلية المقررة دستوريًّا، ومرات عدة يسرب للدائرة الجهنمية التي تدير المشهد تعطيل القانون في برلمان الانقلاب لتفويت الفرصة تلو الفرصة على المصريين لإجراء انتخابات يتعشّم في خوضها كثيرٌ من "عبده مشتاق".

وما بين ألاعيب السيسي، يجد المصريون أنفسهم متأرجحين بين عدم وجود مجالس محلية أو قانون يتيح للسلطة التنفيذية التحكم بكل شيء.

ولعل آخر مرات التلاعب من قبل السيسي، ما ذكره في ختام مؤتمر شبابه السابع بالعاصمة الإدارية الجديدة مؤخرًا، حيث أعرب عن تمنيه إجراء الانتخابات المحلية قريبًا، وهو ما اعتبره مراقبون غير جدي، لا سيما أن أغلبية مجلس نواب العسكر ترفض مناقشة قانون الإدارة المحلية منذ أربع سنوات كاملة، بناءً على تعليمات أمنية، هي رئاسية في الأصل.

وكان السيسي قد وجه مجلس نوابه وحكومته خمس مرات سابقة أمام وسائل الإعلام، بإجراء انتخابات المجالس المحلية في مدى قريب، في وقت يعلم فيه الجميع أن السلطتين التشريعية والتنفيذية تأتمران بأمره، ولا يُمكن أن تنتهج هذه الحالة من التسويف إزاء القانون، إلا بناءً على تعليمات صادرة منه شخصيا.

توجيهات إعلامية

ووجه السيسي مجلس نواب العسكر بمناقشة قانون المحليات في دور الانعقاد المقبل، الذي يبدأ في الأسبوع الأول من أكتوبر المقبل، تمهيدا لإجراء الانتخابات البلدية نهاية العام الحالي، قائلا إن "المحليات تؤدي دورا كبيرا جدا في الرقابة على الأداء الحكومي، ونتمنى عقدها في أقرب فرصة، لأن انتخاباتها مُجمدة منذ نحو عشر سنوات"، وهو ما بات محل تشكيك من قبل خبراء، يرون أن السيسي يخشى انكشاف شعبيته الحقيقية، كما أن السيسي لم يخصص ميزانية لانتخابات المجالس المحلية في موازنة العام المالي 2019-2020، مع العلم أنها تتطلب ترتيبات لوجستية وأمنية، فضلا عن عدم إعداد مشروع قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، الذي على أساسه ستجرى الانتخابات على هذا العدد الكبير من المقاعد في جميع المحافظات والمراكز والمدن والقرى.

ولعل ما يُصعّب قرار إجراء الانتخابات المحلية، أن كافة المحاولات التي بُذلت لخلق "النخبة الجديدة"، بدءا من مشروع الشباب الرئاسي، وأكاديمية إعداد القادة، وغيرها من المشاريع التي أشرفت على تنفيذها أجهزة سيادية، كالاستخبارات العامة والحربية والأمن الوطني، لم تسفر بعد عن العدد اللازم لشغل مقاعد المحليات على مستوى الجمهورية.

وأشارت المصادر إلى وجود تخوفات واسعة داخل أروقة النظام من تسرب عناصر شبابية تحمل أفكارا معارضة للنظام إلى مقاعد المحليات، وكذلك من تسرب عناصر محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، نظرا لأن هناك عناصر تابعة لها في القرى والمراكز لا تزال تحتفظ بسمعة طيبة، وثقة من المحيطين بها، في مقابل تراجع شعبية النظام الحاكم خلال السنوات الأخيرة.

وشهدت مصر آخر انتخابات محلية في العام 2008، والتي هيمن عليها الحزب الوطني المنحل بواقع 90 في المائة إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. غير أن المجلس العسكري الحاكم، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، أصدر مرسوما بتشكيل مجالس محلية مؤقتة إلى حين إصدار قانون المحليات، وهو التشريع الذي يظل يراوح مكانه منذ أكثر من 8 سنوات.

وسبق أن قال السيسي ضاحكا، في منتدى تأهيل الشباب للقيادة قبل ثلاث سنوات، إن "المحليات مليئة بالفساد"، متعهدا بإجراء الانتخابات المحلية قبل نهاية العام 2016، ثم قبل نهاية 2017 في مؤتمر الشباب الثاني الذي عقد في مدينة أسوان، وقبل نهاية العام 2018 في مؤتمر الشباب الذي جرت فعالياته في فندق "ألماسة" التابع للجيش، وأخيراً، وليس آخراً، قبل نهاية العام 2019.

لا أصوات معارضة

فيما يرى مراقبون أنه لن تُجرى انتخابات محلية في البلاد في ظل حكم السيسي؛ لأنه لا يرغب في أي صوت معارض، وحتى وإن كان من داخل منظومة الدولة نفسها، موضحين أن قانون انتخابات مجلس النواب الجديد فُصل خصيصا بنسبة مرجحة لنظام القوائم المغلقة، لقطع الطريق على ترشح أو فوز أي من المجموعة المعارضة الحالية، برغم أن عددهم لا يتجاوز 15 نائبا في أفضل الأحوال.

ومن غير الممكن عمليا إجراء انتخابات محلية على نطاق 27 محافظة، لحسم مقاعد تزيد عن 52 ألف مقعد، مع ضمان موالاة جميع الفائزين للسلطة الحاكمة. فالسيسي و"من معه" يرون أي صوت مخالف لتوجهاتهم هو "رأي مُعطل"، ولا بد من إقصائه، الأمر الذي يظهر بوضوح في إخراس جميع الأصوات المنتقدة، ومنعها من الحديث، سواء في الصحف أو الفضائيات، أو حتى تحت قبة البرلمان، بما يدعم فرضية عدم إجراء الانتخابات المحلية، لأن النظام يرى في أعضاء هذه المجالس أشخاصا معطلين لمسيرة "الإنجازات"، حسب ما يرى.

بينما أوضح استاذ العلوم السياسية د. حسن نافعة، أن "الحكومة والنظام في ظل تراجع شعبيتهما مع الأزمة الاقتصادية لن يتحملا إجراء انتخابات، ولو تمت فسيتم التلاعب فيها أو مقاطعتها من الشعب أو التصويت العقابي لصالح المعارضة، وبالتالي لن تفضل الحكومة هذا المشهد".

وحول التبرير المتوقع، قال نافعة: "الحكومة لا تحتاج أن تقدم تبريرا، ولن تفعل ذلك وهناك قوانين تتجاوزها وتتأخر فيها كحال المشهد الحالي، بتحديد أكثر من موعد للانتخابات المحلية وإخلافها، بلا إنجاز في القانون الخاص بها ولا احترام للدستور".

Facebook Comments