يمضي نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي على سنة أسلافه الدكتاتور جمال عبدالناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك؛ حيث تشرف أجهزة النظام الأمنية على تصميم وهندسة تشكيل البرلمانات منذ الانقلاب الأول في 23 يوليو 1952م والذي حوّل مصر من ملكية دستورية إلى عسكرية مطلقة. ولم تشهد مصر منذ سيطرة الجنرالات على الحكم منذ سبعين سنة برلمانا انتخبه الشعب بإرادته الحرة دون تدخل من الأجهزة الأمنية سوى برلمان الثورة سنة 2012م، ومن العجيب أنه جرى حله بحكم قضائي بعد ستة شهور فقط بينما البرلمانات التي جاءت بالتزوير تكمل مدتها تحت حراسة الأجهزة التي شكلتها.

وقد أشرفت المخابرات العامة على هندسة وتصميم برلمان 2015 الذي شهد سيطرة أمنية مطلقة بعد إقصاء أكبر الأحزاب السياسية في البلاد (الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين والذي حظي بـ43% من جملة أعضاء برلمان الثورة بخلاف أحزاب أخرى كان لها تمثيل ملموس كأحزاب الوسط والبناء والتنمية وغد الثورة وغيرها)، وكان الناشط السياسي حازم عبدالعظيم قد أكد في مقال له نشره في يناير 2016م بعنوان "شهادة حق في برلمان الرئيس" أن قائمة "في حب مصر ودعم مصر" التي هيمنت على برلمان 2015 قد جرى تأسيسهما داخل غرف جهاز المخابرات العامة وأنه حضر بنفسه اجتماع التأسيس بمبني جهاز المخابرات؛ وهو الاعتراف الذي كلفه حريته وتم الزج به في السجن معتقلا منذ عدة سنوات بتهم سياسية ملفقة.

ومنذ شهور تعكف أجهزة السيسي الأمنية في جهازي المخابرات وأمن الدولة على تصميم وهندسة تشكيل البرلمان المقبل بما يضمن استمرار هيمنة النظام على السلطة التشريعية من الألف إلى الياء كما كان يجري في برلمان 2015 حيث كانت تديره الأجهزة الأمنية بالريموت كنترول.

ويعطي السيسي وأجهزته الأمنية أهمية قصوى لتطويع السلطة التشريعية والهيمنة على البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ؛ وذلك لحرص النظام على تستيف الشكل الرسمي لصناعة القرار حتى لو خلى من أي مسحة ديمقراطية أو مشاركة شعبية حقيقية في صناعة القرار الذي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية كنوع من الوصاية المفروضة بالإكراه على الشعب المصري.

فمهام البرلمان ووظيفته في أي نظام سياسي حقيقي هي التشريع والرقابة على أداء الحكومة، لكن برلمان 2015 الذي شكلته الأجهزة الأمنية لم يمارس أي دور رقابي على الإطلاق على أداء الحكومة ولم يتم مناقشة سوى استجواب واحد انتهى إلى لا شيء، وفي مجال التشريع جرى سن 887 قانونا صبت كلها في خدمة النظام ولم يرفض مشروع قانون تقدمت به الحكومة على الإطلاق وبالتالي فإن القوانين التي جرى تمريرها للأسف لم تحقق مصلحة الشعب والمواطنين بقدر ما كانت تستهدف خدمة أجندة النظام حتى لو على مصالح الشعب كله.

الهدف إذا هو تشكيل البرلمان بما يضمن بقاءه خادما للسلطة ومنصاعا لأجهزتها الأمنية وهو ما يمثل وصاية سلطوية على الشعب مفروضة بالحديد والنار وأدوات البطش الأمني والتخويف والترهيب؛ وعبر ترسانة التشريعات الشاذة جرى تكريس سلطوية النظام واستبداده وتقنين عسكرة الدولة والمجتمع، وتقنين عمليات الجباية والإتاوات الباهظة التي أحالت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق.

أبرز التشريعات الشاذة لبرلمان 2015
وكان برلمان الانقلاب الذي انتهت دورته، قد أوقف بث جلساته مباشرة على الهواء في الجلسة الثانية لانعقاده، على الرغم من نص الدستور على علانية الجلسات، ورفض كذلك الاستجابة لملاحظات مجلس الدولة بشأن مخالفة لائحته الداخلية للدستور، بعدما أدرج موازنته رقمًا واحدًا في الموازنة العامة، لعدم إخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، إلى جانب عدم التزام أغلب النواب بتقديم إقرارات الذمة المالية عند شغل عضويتهم، أو احترام نصوص الدستور بشأن تفرغهم للعمل النيابي.

ويمكن رصد الكوارث التي تسبب فيها برلمان العسكر منذ انعقاده في 10 يناير 2016م:

أولا، تقنين بيع أصول الدولة؛ حيث وافق البرلمان في دور انعقاده الخامس على مجموعة من التشريعات الخطيرة، مثل تعديل بعض أحكام قانون "إنشاء صندوق مصر السيادي"، والذي أجاز لرئيس الجمهورية نقل ملكية الأصول المستغلة المملوكة للدولة، أو غير المستغلة إلى الصندوق، ومن ثمّ إعادة طرحها للبيع أمام القطاع الخاص لصالح الصندوق غير الخاضع لأي شكل من الرقابة، والمعفي من جميع الضرائب والرسوم بموجب القانون. واشترط تعديل التشريع ألا ترفع الدعاوى ببطلان العقود التي يبرمها الصندوق، أو التصرفات التي يتخذها لتحقيق أهدافه، أو الإجراءات التي اتخذت استنادًا لتلك العقود أو التصرفات، إلا من أطراف التعاقد من دون غيرهم، وذلك بغرض تحصين هذه العقود، وما يشوبها من فساد أو عوار، من الملاحقة القضائية، مع إجازة الاستعانة بأحد بيوت الخبرة الدولية لتقييم الأصول المملوكة للصندوق.

ثانيا، الموافقة على قانون الخدمة المدنية، وهو التشريع الذي جمد حوافز الموظفين في جهاز الدولة ارتباطًا بتاريخ 30 يونيو 2014، وتسبب في خفض زيادتهم السنوية إلى نحو 80 في المائة، على الرغم من ارتفاع تكاليف المعيشة، والزيادة المطردة في الأسعار.

ثالثا، الموافقة على التفريط في سيادة مصر على جزء من أراضيها؛ حيث وافق البرلمان على اتفاقية تنازل السيسي عن جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية في جلسة يوم 14 يونيو 2017م، خصوصا أن البرلمان أقر الاتفاقية متجاهلا أحكام القضاء الإداري ببطلان توقيع الحكومة على الاتفاقية، ما دفع ناشطين إلى تداول أسماء النواب المؤيدين للاتفاقية في ما عُرف بـ"قوائم العار".

رابعا، أقر البرلمان زيادة رواتب الوزراء في الوقت الذي جرى فيه فرض رسوم الجباية والإتاوات الباهظة على الشعب، حيث مرر تعديلًا على أحكام القانون رقم 100 لسنة 1987، ويقضي برفع مرتبات نائب رئيس الجمهورية، ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ، ورئيس مجلس الوزراء، ونوابه، والوزراء، إلى ما يعادل الحد الأقصى للأجور (42 ألف جنيه شهريًا)، واستحقاق تلك الفئات معاشًا شهريًا يُعادل 80 في المائة من راتب أو مكافأة كل منهم في تاريخ انتهاء شغل المنصب.

خامسا، وافق البرلمان على قانون التصالح في مخالفات البناء والذي منح سلطات الانقلاب صلاحيات هدم منازل المواطنين والمساجد والعقارات بدعوى أنها مخالفة؛ وتضمن القانون إتاوات باهظة لتقنين مخالفات البناء وبما يرهق كواهل جميع الأسر المصرية والتي تبدأ بعشرات الآلاف وتصل إلى ملايين بحسب مساحة العقار وحجم المخالفة. وتسبب هدم السيسي لمئات المنازل وعشرات المساجد في تصاعد موجات الغضب بين المواطنين خصوصا وأن حجم المخالفات يصل إلى 20 مليون وحدة سكنية وهو ما يهدد ملايين الأسر بالتشرد بإزالة منازلهم أو دفع إتاوات باهظة لا يقدرون على سدادها.

Facebook Comments