لا يزال جيلُنا يذكر ذلك الزخم حول ما يسمى “ثورة يوليو المجيدة!”، فى المدارس، والمناهج، والإعلام، والمحافل الشعبية والمنتديات، كنت أينما يممت وجهك تسمع حديثًا عن هذه “الثورة!” ومنجزاتها وأهدافها التى كنا نحفظها عن ظهر قلب، وقد حفلت كتب التاريخ بدروس كُتبت بأيدى الموالين للنظام الجديد عن المستعمر البغيض، والإقطاعى العميل، وعن مستقبل مصر الزاهر بعد تحريرها بأيدى أبنائها الشباب، مجموعة الضباط الأحرار.

حدثونا كثيرًا عن الرخاء، وعن التقدم الحضارى، وعن مصر الرائدة الشامخة، وكم أشعلوا حماسنا بخطب السادة المسئولين وحِكَمِهْم ومواقفهم، وعن “كاريزما” الزعيم، وعبقريته، وتفرده وشجاعته.. فكان منا “الثوار!” الذين اتبعوا خطوات “القائد الملهم” فهتفوا باسمه، ونادوا بمطالبه ومنها القضاء على الرجعية “الإسلام” والتحرر من قيود الدين؛ لأنه أفيون الشعوب، وبناء مصر الحديثة على أسس علمانية عصرية..

ولا زال هذا النهج ساريًا حتى هلك الزعيم، وانفض سامرُه، وانكشف واقعنا المرّ بعد ما ظهرت مصر على حقيقتها بعد نحو عشرين سنة من الخداع والتزييف، ظهرت مصر حقيرة مستضعفة لا مكان لها بين الكبار، بل وصفت تجميلاً لتخلفها ورفع الحرج عن بنيها بأنها “دولة نامية”، فقدت خلال السنوات العشرين أرضها ومكانتها وكرامتها، وصارت تابعة ذليلة ترضى بمليار وربع المليار دولار معونة سنوية من البيت الأبيض ليفعل زعماؤها المتعاقبون من العسكر أفعال “القرد ميمون” لقاء هذه الدولارات، وقد فقدوا العزة، ورضوا بالدون، ولم يشأوا أن يكون طعامهم من فأسهم ورأيهم من رأسهم.

أما المحنة الكبرى التى تعيشها مصر الآن فأساسها ومبدؤها ذلك اليوم (23 من يوليو 1952)، الذى يحتفلون بذكراه كل عام كأنه عيد قومى وذكرى انتصار، وفى الواقع هو يوم ابتلاء عظيم فقدت فيه مصر حريتها، واستوطنها التخلف فلم يرض بالجلاء، وكيف يغادرها ولا زال الحكم متوارثًا فى تلك الطائفة التى أتت به؟ وإلى اليوم نعانى المعاناة نفسها التى عاناها آباؤنا، بعدما قنن العسكر الفساد والاستبداد، وداسوا على القانون والدستور، وكفروا بالديمقراطية، واعتبروا مصر معسكرًا مفتوحًا يفعلون به ما يفعل ضابط الحرب بجنوده المتمردين.

ويسأل سائل: ألم يكن المصريون على علم بما سيفعله هؤلاء بهم؟ ولماذا لم يمنعوهم من التمادى فى هذا الخراب؟ وأقول إنهم انخدعوا مثلما انخدع قطاع كبير منهم بالعسكر لما أطاعوهم صيف عام 2013 وثاروا على رئيسهم الشرعى بعدما وعدوهم المنَّ والسلوى، وها هم يأتون لهم بـ(قعر الزبالة) كما يقول المثل، بل كان المنخدعون فى 1952 أكثر بكثير من المنخدعين عام 2013؛ ذلك أن الحركة (الثورية!) بدت وطنية شبابية طاهرة سالمة من التبعية، وقد أتت بعد معاناة مع المحتل، ثم مع الملك، وحصلت على تأييد جميع القوى السياسية والاجتماعية؛ لنبل أهدافها وسمو أغراضها.

لكن لم يمض العام الأول على هذه “الثورة” حتى ظهر الخداع جليًّا، لكن ما باليد حيلة أمام المدفع والدبابة، ثم سرعان ما دبَّ الشقاق بين الرفقاء، منهم من يريد مصلحة الوطن ومنهم من يريد مصلحته ومصالح شركاء الخارج، وفى النهاية حُسم الأمر لصالح الأخيرين، الذين تلاعبوا بالدستور مدعين حماية الثورة، ثم تطور الأمر إلى الاستخفاف بالشعب والذهاب به إلى مدى من الفساد والاستبداد لم يُسمع به من قبل. وهكذا تحول الملائكة إلى شياطين، ومن كان بالأمس يزعم أنه جاء لغرض العدل والسير بالقسط بين الناس، ظهر سلوكه الشاذ فى الانتقام ممن أسماهم “الإقطاعيين” وسرقة قصورهم، وتحول الانتقام بشكله السادى إلى عموم المجتمع، فصار الناس فى خوف، وكلٌ لزم داره يبغى السلامة والنجاة من العسكر، إلا الإخوان المسلمين الذين عارضوهم، ووقفوا لزعيمهم وقفة المصلح أمام الفرعون الطائش، فنالهم من أذاه وبطشه ما سمع به أهل المشرق والمغرب، ثم تعدى أذاه إلى من يعملون للإسلام، فصاروا مادة سخرية وهزء، وقد أغلق مؤسساتهم وتحفظ على دورهم وجمعياتهم، ولم تنج من هذا الأذى كذلك مؤسسات إسلامية رسمية كالأزهر، والمحاكم الشرعية والأوقاف وغيرها..

هذه ليست ثورة، وليست مجيدة كما يزعمون، بل انقلاب عسكرى ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، تصاغرت مصر إبان سنواته السبعين فلم تدخل حربًا إلا خسرتها،. وما بدأت نهضة إلا أنهتها، وها نحن اليوم تمتد أيدينا بالسؤال إلى الأبيض والأسود رغم ما حبانا الله من نعم وثروات.. إنه الظلم الذى حرمنا التطور، وأبقانا فى دائرة مفرغة من الضياع لا حول لنا ولا قوة، والعالم من حولنا يتغير كل ساعة فلم يعد الضعيف ضعيفًا ولا الفقير فقيرًا -إلا نحن لا زلنا فى ضيق وفقر، وضعف وضياع لإصرار العسكر على إبقاء المحروسة “مملكة عسكرية”.

Facebook Comments