في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد المصري من تدهور حاد يكاد يصل إلى مرحلة الانهيار إذا استمرت جائحة كورونا عدة شهور إضافية، خرج المانشيت الرئيس لصحيفة "اليوم السابع"، المحسوبة على جهاز المخابرات العامة، الأربعاء، ليستفز جماهير الشعب المصري بعناوين تناقض الواقع من الألف إلى الياء، إذ كتبت الصحيفة الأمنجية "هكذا صنعت مصر معجزتها الاقتصادية والتنموية.. 6 سنوات استثنائية تحت قيادة السيسي".. فعن أي معجزة يتحدثون؟ ألا يعيش هؤلاء في مصر ويشاهدون معاناة الملايين من الناس؟ ألا يعلمون أن عشرات الملايين سقطوا تحت خط الفقر في عهد السيسي وأن أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تؤكد أن هناك 34 مليون مصري تحت خط الفقر، بينما تؤكد تقارير البنك الدولي أن أكثر من 60 مليون مصر تحت خط الفقر؟

ألا يعلم هؤلاء أن السيسي اقترض وحده أكثر من "80" مليار دولار في 6 سنوات فقط، وأن حجم الدين الخارجي ارتفع من 43 مليارا في 30 يونيو 2013م إلى أكثر من  125 مليارا حاليا؟ ألا يعلمون أن الدين المحلي ارتفع من 1.3 تريليون جنيه إلى نحو  5 تريليونات جنيه حاليا؟  

وعلى المستوى السياسي، دمر السيسي مؤسسات الدولة وجعلها أسيرة لهواه، وغاب حكم الدستور والقانون، وتحولت مصر إلى غاية يفترس فيها القوي الضعيف وأجهض المسار الديمقراطي بانقلابه المشئوم، ودمر الحياة السياسية وأمم الحريات وكمم الأفواه، وبنى نحو 26 سجنا جديدا في تكريس للسلطوية والحكم الشمولي. ويكفيه أنه مزق المصريين إلى شعبين (احنا شعب وانتو شعب) وكرس الطبقية فباتت شلته ومحاسيبه يرتعون في مال الشعب نهبا وفسادا، وبات غالبية المصريين يموتون من الجوع والحرمان.

في ذات اليوم وفي صحف أخرى تابعة للنظام ابتعدت عن هذه النبرة الاستفزازية وتحدثت عن توجيهات السيسي لحكومته بالعمل على احتواء التداعيات الاقتصادية لكورونا؛ وهو بالطبع انعكاس لحالة الفزع والرعب التي تستحوذ على السيسي خوفا من الإفلاس والفوضى. بل إن مصر تواجه أزمة جوع خلال الشهور المقبلة، لأن الدين الخارجي يمثل حاليا 3 أضعاف قيمة الاحتياطات النقدي من الدولار، ما ينذر بأزمة في توفير السلع الاستراتيجية ما لم تضمن الحكومة بدائل لتوفير الدولار.

ويمكن رصد هذه العوامل والأسباب التي تؤكد رعب السيسي وخوفه من الشهور القليلة المقبلة:

أولا: تهاوي الجنيه وعودة السوق الموازية للدولار بما يعني فشل ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، حيث بدأ الدولار يرتفع في سوق الصرف المصري أمام الجنيه الذي فقد 10 قروش خلال ساعتين فقط من بدء تعاملات اليوم الأربعاء 3 يونيو 2020م.

وصعد سعر العملة الأمريكية 10 قروش في بنكي الأهلي المصري، ومصر عند 16.01 جنيه للشراء، و16.11 جنيه للبيع. وزاد سعر الدولار 10 قروش في بنوك القاهرة، والتجاري الدولي، والعربي الإفريقي، وقناة السويس إلى 16.03 جنيه للشراء، و16.13 جنيه للبيع.

 وبحسب مراقبين ومحللين فإن ثلاثة شهور من بدء أزمة كورونا كانت كفيلة بعودة السوق الموازية للدولار، وقفز سعر الدولار في البنوك بعد عيد الفطر إلى 15.81 جنيها، بينما قفز في السوق السوداء إلى 16.70 جنيها، بفارق كبير عن السعر الرسمي، مع توقعات بزيادة الفجوة بين السعر الرسمي ونظيره الموازي خلال الأسابيع المقبلة.

ثانيا: حالة اللا يقين التي تسود السوق المصرية، بعدما كشفت بيانات البنك المركزي، منتصف مايو الماضي، ارتفاع حجم الديون الخارجية إلى 120.4 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البلاد، بعدما ضربت أزمة كورونا قطاعات حيوية تمثل مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، مثل السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، دون توفير الحكومة مصادر نقد بديلة سوى الاقتراض.

ثالثا: مع  انحسار موارد النقد الأجنبي وعجز حكومة الانقلاب عن توفير مصادر بديلة،  يقف النظام بين خيارين؛ فإما استنزاف مزيد من احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، التي تقف بالفعل عند أدنى مستوياتها في أكثر من عامين، أو إبرام اتفاقات لتلقي مزيد من القروض بمليارات الدولارات.

وقد لجأت حكومة الانقلاب في البداية إلى الحل الأول وفق تقدير مفاده أن أزمة كورونا ستكون محدودة الأثر والمدة، وتراجع الاحتياطي النقدي فعلا من 45,5 مليار دولار إلى 37.5 مليارا؛  لكن خطأ هذا التقدير ألجأها لاحقا إلى العودة مجددا إلى طلب الاقتراض من صندوق النقد الدولي،  حيث بدأ النظام في اقتراض 9 مليارات دولار من صندوق النقد وجهات تمويل أخرى وطرح أكبر سندات في تاريخ إفريقيا بـ5 مليارات دولار لمواجهة هذه الأزمة؛ وهو ما أثر سلبا على رصيد الاحتياطي وحجم الدين الخارجي معا.

رابعا: أظهرت بيانات البنك المركزي أول من أمس الاثنين، أن المستثمرين الأجانب سحبوا نحو 21.6 مليار دولار من مصر خلال شهري إبريل ومارس، في أكبر موجة هروب للأموال الساخنة من مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م.

وكشفت بيانات البنك المركزي عن انخفاض فائض صافي الأصول الأجنبية الإجمالي للشهر الثاني على التوالي، ليبلغ 3.04 مليارات دولار بنهاية إبريل الماضي، مقابل نحو 25 مليارا بنهاية فبراير الماضي.

وتواجه البنوك مأزقا كبيرا، في ظل الطلب المتزايد من المستثمرين الأجانب على الدولار بهدف الخروج من السوق، الأمر الذي دفعها نحو رفع سعر الدولار أمام الجنيه بشكل كبير خلال الأيام الماضية بهدف جذب حائزي العملة الأمريكية من خارج البنوك.

خامسًا: يفاقم الأزمة اقتراب استحقاق سداد نحو 11 مليار دولار من فوائد وأقساط الديون خلال العام الجاري، يرى متعاملون في سوق الصرف أن القروض، التي حصلت عليها السيسي، لن تكون كافية لسد النقص المتوقع في العملة الأجنبية.

ورغم أن سلطات الانقلاب اعتادت إعادة الاقتراض بآجال قصيرة لسداد أقساط وفوائد ديون أخرى، إلا أن تراجع أسعار النفط عالميا وتآكل الاحتياطيات النقدية هي عوامل تقلل من فرص مصر في جذب المزيد من أموال الدائنين، حسب تأكيد الخبير الاقتصادي المصري "ممدوح الولي"؛ بما يعني أن البنك المركزي أمام خيارين أحلاهما مر؛ أحدهما ترك قيمة الجنيه للانخفاض مجددا أمام الدولار أو السماح بعودة السوق السوداء.

وتخشى الحكومة من انهيار قيمة الجنيه مجددا أمام الدولار، مع ما قد يصاحب ذلك من أزمات اجتماعية جراء ارتفاع الأسعار في بلد يعتمد بشكل رئيس على الاستيراد لتوفير احتياجاته الأساسية.

Facebook Comments