بالرغم من أن رسائل ضرب ناقلات النفط ومنصات النفط في السعودية تشير إلى مصلحة إيرانية وصهيونية، واحتمالات اقتراب الحرب من المنطقة، إلا أن الطرف الذي سيقود الحرب في واشنطن لن يقوم بذلك بالنظر إلى قراءة في فكر ترامب كرجل أعمال يرغب في تحقيق مكاسب عبر الضغوط لا عبر الحرب المكلفة.

فالرئيس الأمريكي ترامب اشتهر كرجل أعمال يسعى لتحقيق مكاسب لبلاده عبر ابتزاز الآخرين، وثوابت تصعيده السابقة مع كوريا الشمالية والصين وغيرها انتهت إلى ابتزاز واضح للحصول على مكاسب لا عبر حرب تكلّفه نفقات وقتلى وارتفاع أسعار النفط، وسبق أن وعد في الانتخابات الأمريكان بأنه لن يدخل بهم في حرب تكلف بلاده الكثير ماديًّا ومعنويًّا.

لذلك فكل ما يفعله ترامب هو السعي للحصول على صفقة أفضل مع إيران، بل ولا يمانع ترامب أن تُرهب إيران وأذرعها (الحوثيين) كلًّا من السعوديةَ والإمارات، أو توجه لهما ضربات غير مباشرة؛ لأنه في النهاية سيقوم بتحصيل مبالغ مالية أكثر منهم بدعوى حمايتهم، رغم أن الهجمات الأخيرة على السعودية أثبتت فشل الحماية الأمريكية.

وخلال هجمات الثلاثاء الماضي، لم يقصف الحوثيون نجران الحدودية ولم يصيبوا هدفا ثانويًا، إنما سافرت طائراتهم المسيرة بعمق 800 كم داخل السعودية، وضربت خطوط النفط التي تمثل شريان الحياة للمملكة، وحقول الإنتاج في شرق البلاد عبر موانئ التصدير على ساحل البحر الأحمر.

وأثار نجاح الطائرات السبع في قطع هذه المسافة دون أي اعتراض من الدفاعات الجوية السعودية، تساؤلات بشأن الحماية الأمريكية المزعومة وجدوى الأنظمة الدفاعية المتطورة التي باعها ترامب للسعودية.

لهذا يقول خبراء، إنه لا حرب قادمة بين أمريكا وإيران وإنما عنتريات سيحصل ترامب بموجبها على صفقة أفضل مع إيران، وبالمقابل على مزيد من أموال الخليج، بعدما ترك الإيرانيين وأذرعهم العسكرية ترعب دول الخليج، ليظهر هو في النهاية ليطلب تحصيل المزيد من الأموال بدعوي حماية الخليج.

رسائل ابتزاز أمريكية

رسالة إيران من وراء ضرب الناقلات ومنصات النفط السعودية واضحة ومفادها: “إذا منع ترامب تصدير نفطنا بتحريض وتمويل من السعودية والإمارات، فسنمنعهما من تصدير نفطهما”، لهذا يرى مراقبون أن ضرْب ناقلات النفط ثم منصات أرامكو مجرد بداية، وأن لدى إيران من وسائل الإيذاء ما يكفي دون حرب.

ولكن هذا لا يمنع أن هناك طرفا آخر خفيًا، هو الدولة الصهيونية، له مصلحة أكبر في جر الخليج وإيران وأمريكا لحرب تنتهي بمكاسب لها، في صورة إضعاف إيران وإنهاء أحلامها النووية، والمزيد من إضعاف دول الخليج ودفعها للتحالف مع إسرائيل ضد إيران، لهذا تصب هجمات الناقلات ومنصات النفط في صالحها بقوة أيضًا.

وبدأ الابتزاز الأمريكي لإيران بالعقوبات النفطية، ثم بيان البيت الأبيض الذي أشار إلى توافق بين واشنطن والرياض وأبو ظبي على تعويض حصة إيران في سوق النفط العالمية بعد 2 مايو، ومن المنطقي أن تعتبر طهران أن القرار العدواني الأميركي يشمل الإمارات والسعودية، كونهما شريكتي الأميركيين في إنجاح هذا العدوان، ومن ثم السعي للإضرار بهما عبر الهجمات الأخيرة غير المباشرة.

لهذا يبدو الوضع في منطقة الخليج عبارة عن ضغوط أمريكية اقتصادية قاسية على إيران، هدفها إعادة التفاوض على برنامجها النووي والصاروخي وتمددها في محيطها، فإن قبلت إيران ذلك سيمثل تنازلا صعبا ومرا، وفي حال عدم امتثال إيران سيعمل بولتون والمحافظون الجدد على إقناع ترامب بالدخول في مواجهة عسكرية محدودة معها، أو التصعيد لحين الحصول على الحد الأدنى من المكاسب في صورة جباية أموال من دول الخليج بدعوى حمايتها بإرسال الأسطول الأمريكي، كخدمة مدفوعة الأجر.

ويرى مراقبون أن هدف ترامب الآن هو كيف يستفيد من الظروف السياسية والاقتصادية في مزيد من حلب دول الخليج، ومن ثم تقديم نفسه للأمريكان داخليًّا في صورة البطل الذي يهدد ويتوعد، وفي الوقت نفسه لا تدفع بلاده شيئا وإنما تجني الأرباح، والهدف هو أن ينجح في انتخابات الرئاسة العام القادم.

ووسط كل هذا لا يبدو سوى حرب كلامية مستعرة بين واشنطن وطهران بشأن العقوبات والوجود الأمريكي في المنطقة، أو “حرب بلا نار”!.

دول الخليج الخاسر الأكبر

أيًّا كانت أهداف ونتائج التصعيد الحالي، فالخاسر الأكبر هي دول الخليج، لهذا يبدو التصعيد والتحريض الإماراتي على الحرب مثيرًا للاستغراب؛ لأنه لو قامت حرب فسوف تؤدي لتدمير دول الخليج وتقضي على أي استثمارات فيها.

فالتصعيد الأخير الكلامي فقط أدى إلى خسائر عنيفة للمستثمرين في البورصة السعودية بلغت نحو 11 مليار دولار، وتراجعت أسهم 145 شركة من إجمالي 192 شركة مقيدة، لتخسر الأسهم نحو 41.5 مليار ريال، طالت الخسائر السعودية، اليوم، سوق أبو ظبي للأوراق المالية، ليهبط بنسبة 2.57 في المائة ويلامس أدنى مستوى له خلال 2019.

وظهرت توقعات بعمليات هروب كبيرة من جانب المستثمرين من أسواق المال، في ظل التوترات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة.

ورغم طبول الحرب التي توحي بحرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران إلا أن الحرب خيار مستبعد لأسباب عديدة، أهمها تحسّب رد الفعل الإيراني، والمستفيد الأول هي الولايات المتحدة وإسرائيل، والمستفيد الثاني هي إيران وحلفاؤها، والخاسر الأول والأخير هم العرب، وفي القلب منهم الخليج.

ومنذ إعادة فرض حظر أمريكي شامل على النفط الإيراني أبريل 2019، وفرض عقوبات على أي دولة تستورد نفطا من إيران، وتهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز (الذي يخرج منه نحو 90% من نفط الخليج المصدر للخارج)، وإشارات الحرب تتصاعد والتجهيزات العسكرية مستمرة، والوضع متوتر في الخليج وأسواق النفط الدولية ولكن بلا حرب فعلية.

سيناريوهان

ليس هناك سوى سيناريوهين متوقعين:

(السيناريو الأول): يتوقع تصعيدا في التهديدات يصل إلى غلق إيران مضيق هرمز بالقوة المسلحة حال وصلت صادرتها النفطية إلى “صفر”، ومواجهات عسكرية بين الأسطول الأمريكي في المنطقة وإيران، قد تصل إلى حرب شاملة في المنطقة كلها وتطال الخليج، وسوريا والعراق، وإسرائيل، وغيرها.

(السيناريو الثاني): يري أن ما يحدث لن ينتهي لشيء، بسبب فشل العقوبات الأمريكية، وعدم وصول صادرات إيران النفطية إلى الصفر، ويعتبر ما يجري “جعجعة بلا طحن”، أو “كثير من اللغط حول لا شيء”، وهو السيناريو الأرجح حتى الآن، ويتناسب مع مصالح أمريكا وإيران، وكلاهما يرغب في الوصول إلى تسوية فيما يخص البرنامج النووي الإيراني.

وكان أبرز مكسب حصل عليه الغرب وإسرائيل من اتفاق عام 2015، هو خفض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها إيران في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وتشغيل 5060 منها فقط، فضلا عن عدم تخصيب اليورانيوم فوق معدل 3.67% لمدة 15 عاما على الأقل، وتقليص مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب البالغ 10000 كيلوغرام إلى 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، بنسبة 3.67% لمدة 15 عاما (وهي نسبة أدنى بكثير مما يتطلبه بناء الأسلحة النووية).

الآن أعلنت إيران عن أنها ستجمد بعض بنود الاتفاق النووي، مثل زيادة تخصيب اليورانيوم (تخصيب اليورانيوم بنسبة أعلى من 3.67% المنصوص عليها في الاتفاق النووي)، ما يسمح بتوفيرها يورانيوم أكثر يصلح لبناء أسلحة نووية إن أرادت، ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي على ذلك بقوله: “لن نسمح لها بامتلاك أسلحة نووية”.

عزلة طهران

ويقول مراقبون، إن إدارة ترامب تسعى إلى دفع إيران لخرق بنود الاتفاق، وبالتالي التسبب بانهياره، وهو ما من شأنه أن يفاقم عزلة طهران على الساحة الدولية، لهذا حذر “روحاني” من انهيار الاتفاق النووي وأمهل الدول الخمس شهرين، وأبلغ سفراء كل من بريطانيا وألمانيا وروسيا والصين بوقف بعض التزامات إيران بالاتفاق النووي لعدم التزام أمريكا بالاتفاق بدورها.

لهذا يبدو التصعيد العسكري المتبادل مؤشرًا مقلقًا لاحتمالات الدخول في حرب، بعدما نشرت طهران قواتها في الخليج ومضيق هرمز تحديدًا، وأرسلت أمريكا حاملة طائرات وقاذفات B52 القادرة على حمل رؤوس نووية لردع إيران، وبدأت في إطلاق تصريحات الحرب، بيد أن التصعيد لا يبدو أنه بهدف الحرب وإنما الضغط والابتزاز لتحقيق مكاسب.

لذلك فمقابل سيناريو الحرب الملتهبة التي يجري الحديث عن صعود مؤشراتها، هناك سيناريو آخر يطرحه مراقبون وخبراء في الصراع الأمريكي الإيراني، يركز على أن إدارة ترامب لا تتقن سوى التهديدات، وأنها لا تنفذ ما “تجعجع” بشأنه، بدليل ما فعلته مع كوريا الشمالية والصين وغيرها.

وأن الولايات المتحدة الأمريكيّة فقدت هيبتها في مُعظم أنحاء العالم، ولم يعُد أحد يصدقها، منذ مجيء ترامب، وتهديداتها ليس سوى محاولة لإنقاذ ماء الوجه وتحويل الأنظار عن الفشل في منع الصادرات النفطية الإيرانية بالكامل ووصولها للصفر.

فالتهديد الأمريكي بإرسال حاملة طائرات أمريكية إلى المِنطقة ليس جديدا، والحاملات الأمريكية لم تغادر المنطقة كي تعود لها، كما أن هناك قوات وسفنا حربية أمريكية تجوب المنطقة باستمرار، وهناك تواجد عسكري جاهز في الخليج مثل القاعدة البحرية للأسطول الخامس في البحرين، والقاعدة الجوية في قطر، وغيرها.

مضيق هرمز

والنفط الإيراني لا يزال يتدفق عبر مضيق هرمز ويجري تصديره برغم الحظر والعقوبات الأمريكية، فلماذا ستغلق إيران أصلا المضيق؟، وتهديدات بولتون وبومبيو تبدو أكثر ميلا للضغط وجلب إيران إلى مائدة المُفاوضات على 12 شرطًا أمريكيًّا جديدًا للاتفاق النووي.

وهناك مئات المكاتب جرى فتحها في تركيا وكردستان العراق لتهريب النفط الإيراني، تمامًا مثلما أن معظم الدول المستوردة للنفط الإيراني مثل الصين والهند وتركيا رفضت الالتزام بالعُقوبات الأمريكية.

والأهم أن الأمريكان عرضوا الحوار مع إيران ولقاء الرئيسين بنفس سيناريو التصعيد ثم التبريد الذي جرى مع كوريا الشمالية، وآخرها أثناء انعقاد الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عرض الوسطاء ترتيب لقاء له مع الرئيس ترامب الذي كان يتواجد هناك، ولكنّ الإيرانيين رفضوه لعدم ثقتهم في إدارة ترامب.

وهي مؤشرات لا تشير إلى حرب نارية كما يرى الخبراء، بقدر ما تشير إلى “حرب بلا نار” أو “حرب تصريحات”.

Facebook Comments