لا شك أنَّ مصر في مرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، خطت خطوات واسعة نحو تكريس الحكم العسكري الشمولي بكل أبعاده وخصائصه، وكان الانقلاب في محطة فاصلة لتكريس احتكار الجيش لجميع الأوضاع في مصر، السياسية والاقتصادية والإعلامية.

وقدرت أوساط اقتصادية نسبة اقتصاد الجيش بحوالي 60% من جملة الاقتصاد المصري، فالمؤسسة العسكرية باتت- عبر إمبراطوريتها الضخمة- تبتلع كل شيء في البلاد، وبات الوضع مقلوبًا، فبدلا من أن يكون لمصر جيش، بات للجيش دولة، وحلت المؤسسة العسكرية محل الحكومة فعليًّا، والتي باتت مجرد سكرتارية في بلاد العسكر.

يعزز ذلك تصريحات كبير الباحثين بمركز كارنيجي للشرق الأوسط، يزيد الصايغ، الذي يؤكد  أن مصر، بعد الانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي في منتصف 2013، باتت ملكًا للمؤسسة العسكرية.

وتوقع “الصايغ” أن يتعاظم دور المؤسسة العسكرية سياسيًّا واقتصاديًّا خلال المرحلة المقبلة، وأنها ستصبح طرفًا في صناعة السياسة الاقتصادية وسياسات ضريبية وجمركية؛ بهدف حماية مصالحها الخاصة وإمبراطوريتها الاقتصادية.

وأوضح الصايغ أن الاقتصاد العسكري المصري الرسمي مر بتحول كبير وجذري من حيث حجمه ونطاق عمله منذ 2013، وهو الذي كان متواضع الحجم الإجمالي لسنوات عديدة.

وبحسب الصايغ، خلال مشاركته في برنامج “بلا حدود”، فإن القطاع الخاص في مصر كان المسئول عن الناتج الإجمالي المحلي حتى عام 2013، كما كانت الشركات الخاصة مستحوذة على قطاعات رئيسية، منها قطاعات الإنشاءات أو السياحة، نافيا الاعتقاد السائد بوجود إمبراطورية اقتصادية يملكها الجيش المصري قبل عام 2011 بالتحديد.

الجيش محل الحكومة

وأضاف الصايغ أنه في عام 2013، حدثت نقلة كبرى في الاقتصاد المصري عندما أسندت حصة كبيرة تصل إلى حوالي الربع من إجمالي الأشغال العامة والبنية التحتية والإسكان التي كانت تمولها الحكومة المصرية، إلى الهيئات العسكرية المتنوعة الخاضعة لوزارة الدفاع أو وزارة الإنتاج الحربي وغيرها.

ويرى أن هذه النقلة لم تكن فقط من حيث الحجم بل كذلك من حيث الدور، فقد بدأ يتسع دورها في التدخل وتحديد المعايير الفنية للمشاريع، كما تقوم بصياغة العطاءات وإصدارها، وتختار المقاولين من شركات كبيرة ومتوسطة وصغيرة لتنفيذ المشاريع التي تختارها.

وأكَّد الصايغ أن ذلك الدور الإداري للمؤسسات العسكرية يحل محل الحكومة ووظيفة وزارات حيوية بشكل كامل، موضحا أن تلك الهيئات العسكرية تعفى من دفع الضرائب، كما لا تفتش وارداتها بالموانئ وتحصل على الطاقة بأسعار مدعومة.

واعتبر أن مشكلة “الولاء للرتبة الأعلى” داخل مؤسسة الجيش أدت إلى تقليل الكفاءة المهنية لدى كبار الضباط المصريين الذين تصل نسبتهم 15% من إجمالي ضباط الجيش المصري، وهو الأمر الذي غيّر من العقيدة الأساسية بالجيش.

وقال إن السيسي يسعى لإظهار نفسه داخليا وأمام المستثمرين في الخارج بأنه يخلق نموا اقتصاديا كبيرا، عبر تنفيذ مشاريع اعتبرها “غير مدروسة بشكل جيد”، مثل العاصمة الإدارية الكبيرة وقناة السويس.

وأوضح أن السيسي أصبح رهينة أمام سياسات التحكم وإدارة المصالح بين الشركات العسكرية والشركات الاستثمارية والمؤسسات الخاصة.

وأضاف الصايغ أن الحكومة تخسر أموالًا كثيرة من المال العام؛ دعمًا للشركات العامة والخاصة التي تلجأ لها بعد إغلاقها، وتعرضها لخسارة كبيرة جراء تعدي نفوذ الهيئات العسكرية.

اعترافات بالهيمنة والاحتكار

وكان المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة، العقيد تامر الرفاعي، قد ذكر أن الجيش يشرف على 2300 مشروع قومي بمصر، يعمل بها 5 ملايين مهندس وعامل وشركات مدنية واستشارية، ما يعني أن الجيش يستولي على أكثر من 25% من المشروعات الاقتصادية المختلفة التي تنفذها الحكومة المصرية.

وبحسب المختصين، فإن الهدف من هذه السيطرة هو “الاستحواذ الكامل للمؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد والاستثمار بمصر، وهو ما أثر بالسلب على الاستثمار الداخلي والخارجي”، ما أدى برأيهم لـ”هروب المستثمرين وخاصة الأجانب من ضخ أموالهم في المشروعات التي يعمل بها الجيش”.

وبحسب التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والهيئة العامة للاستثمار، والبيان السنوي للهيئة العامة للاستعلامات عن نشاط الجيش المصري لعامي 2017 و2018، فإن الجيش “يمتلك ما لا يقل عن 200 شركة متنوعة في المجالات الزراعية والمقاولات والحديد، والطوب، والطرق، والنقل، والكباري، والأغذية، واللحوم الحية، والثروة السمكية، والتنقيب، والبترول، والبتروكيماويات، والاستثمار العقاري”.

وفي رصده لأبرز القطاعات التي تسيطر عليها القوات المسلحة، يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أيمن النجار، أن الجيش يعتمد على ذراعين في إدارة مشروعاته الاقتصادية، إحداهما عسكرية خالصة، والأخرى عسكرية في ثوب مدني.

ويوضح النجار أن الذراع العسكرية الخالصة تشمل وزارة الإنتاج الحربي، والتي تضم 20 شركة كانت مخصصة لإنتاج المعدات الحربية والأسلحة والذخائر، ولكنها تحولت مؤخرا للأعمال المدنية المختلفة.

ويضيف: “تضم الذراع العسكرية أيضًا الهيئة العربية للتصنيع التي يندرج تحتها 12 شركة متخصصة في البرمجيات والصناعات الكهربائية”، كما تضم “الهيئة الهندسية للقوات المسلحة التي تعد المسئولة الأولى عن السوق العقارية، وقد أسندت لها الحكومة بالأمر المباشر 48 مشروعًا خلال عام 2017 فقط، إضافة إلى جهاز المشروعات والخدمات الوطنية الذي يندرج تحته عشرات الشركات في مختلف القطاعات” وفق ما ذكر الخبير الاقتصادي.

وفي الجهة المقابلة، تدير الذراع العسكرية بثوب مدني، عدة مشروعات تشمل “الشركات التابعة لأجهزة المخابرات سواء العامة أو الحربية، أبرزها شركات النيل للمقاولات ومستشفى النيل، وشركة إيجل كابيتل المالكة لبريزنتيشن وإعلام المصريين، وهي المجموعة المتحكمة في السوق الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، بالإضافة إلى امتلاك الجيش 51% من أسهم شركة العاصمة الإدارية”، حسب ما عَدّده حجازي.

ويعتقد النجار أن “هناك مؤسسات اقتصادية أخرى لا تندرج ضمن هاتين الفئتين”، منوها إلى المؤسسات التابعة للجيوش والإدارات العسكرية، مثل المشروعات الزراعية والصوب، بقاعدة محمد نجيب العسكرية، وتوشكي والعوينات التابعة للمنطقة الشمالية العسكرية، والمزارع السمكية بشرق التفريعة التابعة للجيش الثالث”.

ويلحق بتلك المؤسسات “سلسلة الفنادق التابعة لإدارات القوات المسلحة المختلفة مثل سلسلة فنادق الماسة وتيوليب، والملاعب الرياضية العسكرية التي تحتكر المباريات المحلية والدولية مثل برج العرب والدفاع الجوي، وإستاد الجيش بالسويس”.

Facebook Comments