25% من المصريين يعانون من مرض نفسي، هذه إحصائية سجلها المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، وباتت فقط 18 مستشفى حكومية هي الأشهر لـ«الصحة النفسية» بالمحافظات لا تستوعبهم، فأكبر هذه المستشفيات الكائنة بالعباسية بالقاهرة تستوعب فقط نحو 1500 مريض نفسي متنوعي الدرجات وصولا إلى الحالات الميئوس منها.

كما تشكو مصر عمومًا من قصور واضح ومتعمد لمجال الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية، بخلاف جانب (المعاشات) البعيد عن تناولنا هنا.

الظاهرة التي باتت لافتة هي انتشار واسع للمجانين بالشوارع، منهم عرايا غير عابئين بالأجواء الباردة التي نمر بها هذه الأيام، فضلا عن وجود “فوبيا مجتمعية” تجاه المرض النفسي، والجنون جانب منه.

في الطريق سكارى ومدمنون ومرضى نفسيون ومجانين يفعلون ما لا تُحمد عواقبه فقد تكون أنت الضحية.

تساؤل موضوعي يطرح نفسه: ما هو الحد الأدنى المطلوب من المرضى النفسيين في مصر ليتدخل السيسي وحكومته؟ والذي حاول عدة مرات طردهم من مستشفى العباسية لأن أرضها في موقع مركزي أعجب داعميه الإماراتيين، في وقت تسببت فيه ضغوط الحياة المادية في توسع دائرتهم في ظل الفقر والجهل والمرض.

وفي عنوان شهير نُشر في مارس الماضي، كشف عن أن مستشفيات الصحة النفسية استقبلت ما يزيد على نصف مليون مصري، وتحديدا 654 ألف مواطن خلال سنة، وأنه تم علاج 122 ألف مدمنٍ واحتجاز 5500.

وقال قسم الإعلام بـ”علاج الإدمان”، إن “ضغوط الحياة اليومية ترفع معدلات الاضطراب النفسى”.

حتى إن بعضهم نقل الحكمة من أفواه المجانين، يقول ناشط: “فيه راجل عجوز قاعد على الرصيف في شارع فؤاد بالإسكندرية مفيش على لسانه غير “كله بقى بيكدب.. كله بقي بيخون”.. تفتكروا الراجل ده مجنون!؟”.

وأحيانًا كثيرة تسوء أوضاع هؤلاء المرضى عندما تتعامل معهم الشرطة بمنهجها البلطجي, ونشر نشطاء صورة لشقيقين هما عمرو عبد الرازق ومحمود عبد الرازق، يعانيان من أمراض نفسية ولا يعرفان أي شيء عن نفسيهما، وأنه تم القبض عليهما “تسول”، وتم إيداعهما في حجز شرطة عين شمس بالقاهرة، حتى يظهر من يضمنهما، إلا أنه لم يلتفت لهما أحد أو يسأل عنهما، حتى تطوع أحدهم لإنقاذهما من الوضع السيئ بالقسم، وتم عمل منشور بصورهما على التواصل للبحث عن ذويهما.

ومن بين الحالات المنتشرة غير المستوعبة قصة أحد هؤلاء المجاذيب، وهي “لشاب أحب إنسانة حبا صادقا لمدة سنين، وكان ينتظر اليوم الذي يأتي ويخطبها لأن حالته المادية كانت لا تساعد، فقام يعمل ليلا ونهارا، ويجمع المال من أجل الزواج، وكانت والدته تدعو له بالتوفيق، وذات يوم استطاع أن يكوّن نفسه وراح يخطبها من أهلها وتمت الموافقة، فرح بذلك وقام بتحضير تجهيزات الزواج من أثاث وملبس الزفاف، وجاءه خبر بفسخ الخطوبة من الإنسانة التي يحبها، حيث تقدم لها أحد الأغنياء، وتمت الموافقة، وتزوجت من الشخص الغني، وكانت الصدمة قوية على هذا الشاب، وهو الآن مجنون يهيم في الشوارع، ويرتدي بدلة الزفاف”.

دراسة ومخاطر

وأظهرت نتائج بحث أجراه المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، أن الضغوط الاقتصادية دفعت الكثيرين إلى تعاطي المخدرات من أجل النسيان، بينما اتجه البعض الآخر إلى الانتحار، أو ارتكاب جرائم جنائية خطيرة يعاقب عليها القانون مثل القتل والاغتصاب.

ووفق نتائج البحث، فإن 60% من المصابين بالأمراض النفسية يفكرون في الانتحار، و20% ينفذون عددا من الجرائم الخطيرة.

وتوقع أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، الدكتور “محمد المهدي”، ارتفاع عدد المرضى النفسيين في مصر إلى 18 مليونا.

وأضاف، في تصريح صحفي، أن تدني عدد الأطباء النفسيين إلى 2000 وارتفاع أسعار الأدوية النفسية، جعل المريض النفسي في كثير من الأحيان غير قادر على شراء الدواء.

وسجلت معدلات المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفاعا، إلى 32.5%‏، وفقا لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2017-2018.

ويزيد عدد الفقراء في مصر عن 20 مليون فقير، بواقع 12.5 مليون في الوجه القبلي، و8 ملايين في الوجه البحري، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

الظلم الاجتماعي

واعتبر الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث، أن إصابة عدد كبير من المصريين بأمراض نفسية أمر طبيعي في ظل الظروف التي تعيشها مصر.

وأضاف، في تصريحات صحفية، أن “الإنسان لا يمكن أن يكون سويًا نفسيًا طالما لم يستطع تأمين مسكن لائق وراتب شهري يكفيه وطعام جيد، وهذه المتطلبات برغم كونها رئيسة في حياة أي إنسان، إلا أنها أصبحت صعبة بالنسبة لمعظم المصريين”. موضحا أن أرقام المرضى النفسيين التي أعلنت عنها وزارة الصحة «غير حقيقية»؛ لأن النسبة تزيد على ذلك العدد، فهناك مرضى نفسيون لم يعترفوا بإصابتهم بالمرض ولا يخضعون للعلاج النفسي.

يذكر أن عدد الأسرّة في المستشفيات النفسية الحكومية في مصر يبلغ حوالي 7 آلاف سرير، وفي المستشفيات الخاصة 1000 سرير.

ومستشفيات الصحة النفسية الـ«18» التى تديرها الأمانة العامة للصحة النفسية، بوزارة الصحة والسكان، تبدأ بالعباسية ومساحتها تبلغ 68 فدانا، وتستوعب 1504 أسرّة، بـ46 قسما فى المستشفى، للرجال والسيدات.

وتستوعب مستشفى حلوان، المنشأة في يونيو 1981، على مساحة 40 فدانا؛ 323 سريرا، وفي شبين الكوم مستشفى أنشئت في 1999، على مساحة 3270 مترا مربعا، وتستوعب 105 أسرّة، وبها عيادة متخصصة للإقلاع عن التدخين، وأخرى لعلاج الإدمان والتعاطي.

وتعتبر مستشفى الخانكة أقدم ثاني “اسبتالية” بعد العباسية، حيث أنشئت في عام 1912، بمنطقة صحراوية على مساحة 570 فدانا، تبقى منها حاليا 180 فداناً، تم ضمها للأمانة العامة للصحة النفسية بتاريخ 21 يناير 1998، وتستوعب 2109 أسرة في 22 قسما.
وفي 1998 أقيمت مستشفى مصر الجديدة ضمن أمانة الصحة النفسية، ويتركز نشاطها على علاج الإدمان، وتستوعب فقط 76 سريرا.

وفي محافظة الشرقية بقرية العزازي مركز أبو حماد مستشفى تستوعب 108 أسرة، وفي أسوان مستشفى تستوعب 60 سريرًا، وفي طنطا ضُمت مستشفى لأمانة الصحة النفسية بتاريخ أول يوليو 2010 وتستوعب 63 سريرًا، وفي بورسعيد افتتحت مستشفى لاستقبال المرضى النفسيين في 2006، وبنيت على مساحة 19 ألف متر مربع، وتستوعب فقط 140 سريرا، وفي سوهاج أنشئت المستشفى فى عام 1962 على مساحة 200 متر مربع.

وفي الإسكندرية تم ضم مستشفى المعمورة لأمانة الصحة النفسية بتاريخ 21 يناير 1997، بعدما افتتحت فى أكتوبر 1967، وهي مقامة على مساحة 52 ألف متر مربع، وتستوعب 948 سريرا.

أما مستشفى الصحة النفسية بأسيوط فتقع بجوار مستشفى الصدر وتستوعب 117 سريرا، وافتتحت مستشفى بنها في 1990 بمساحة كلية 5500 متر، وتستوعب 240 سريرا، وتم ضم مستشفى المنيا للصحة النفسية لأمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان فى أول يوليو 2010، وتستوعب فقط 53 سريرا، هذا بخلاف مستشفى بنى سويف التي أنشئت عام 1984، ومساحتها نحو فدان واحد، وتستوعب 102 سرير.

Facebook Comments