استنكر حقوقيون مصريون وأجانب اقامة منظمة الأمم المتحدة مؤتمرا إقليميا في مصر حول التعذيب، رغم سجل نظام عبد الفتاح السيسي الحافل بجرائم القتل والتصفية والتعذيب والاخفاء القسرى وغيرها من الجرائم

ويشارك المكتب الإقليمي للمفوض السامي لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المجلس القومي لحقوق الإنسان في تنظيم مؤتمر حول تعريف وتجريم التعذيب بتشريعات المنطقة العربية في القاهرة، يومي 4 و5 سبتمبر المقبل، يفتتحه وزيرا العدل والخارجية بحكومة الانقلاب.

ويحضر المؤتمر 50 مشاركا، من مصر والجزائر والبحرين والأردن والكويت والعراق ولبنان وليبيا وموريتانيا والمغرب وعمان وقطر والسعودية وفلسطين وسوريا والسودان وتونس والإمارات واليمن.

وتساءل حقوقيون عن أسباب قيام المنظمة الدولية باختيار مصر لعقد المؤتمر، رغم أن نظام العسكر بشهادة المنظمات الدولية تتخذ من التعذيب الممنهج أسلوبا لانتزاع الاعترافات، مؤكدين أنه سيكون فرصة لتلميع صورة النظام أمام العالم.

وطالبوا منظمات المجتمع المدني المصري بتقديم وقائع وانتهاكات النظام لمكتب للمفوض السامي، خاصة حالات الإخفاء القسري، والذين قُتلوا جراء التعذيب في السجون ومراكز الاحتجاز وبسبب الإهمال الطبي والنفسي.

كما دعا حقوقيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي جميع المنظمات العاملة بمجال حقوق الإنسان بمصر لإصدار بيان واحد، وتجهيز ملف حقوقي كامل بالانتهاكات التي تحدث، وإرسالها للمنظمة الأممية منذ ثورة يناير 2011 وحتى 2019، موثقة بالصور والفيديوهات، وبأسماء من تم قتلهم بالتعذيب وبمنع العلاج.

وشككوا في أن يقوم المجلس القومي لحقوق الإنسان بعرض حقيقة الأوضاع في البلاد عن التعذيب بكل أشكاله بأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والسجون بحق المحبوسين وأسرهم.

كانت منظمة هيومن رايتس مونيتور قد أصدرت تقريرها في 26 يونيو 2019، تحت عنوان “التعذيب دستور السجون المصرية”، اكدت فيه استمرار وضع حقوق الإنسان في التدهور بشكل يومي بمصر، مشيرة إلى أن التقارير الحقوقية المحلية منها والدولية والإدانات لم تؤت ثمارها في وقف تلك الانتهاكات المُمنهجة، ولا حتى التخفيف منها
وقالت أن النظام يواصل انتهاج سياسة ممنهجة للتعذيب أودت بحياة 493 معتقلا في السجون وأماكن الاحتجاز.

قمة الفجر والعهر

من جانبه أكد الحقوقي أحمد العطار، أن “انعقاد مثل هذا المؤتمر في قلب العاصمة المصرية، التي تشهد سجونها على مدار الساعة ممارسة التعذيب بسلخانات الأمن الوطني، هو أمر مؤسف ومحزن من قبل المنظمة الدولية”.

ووصف الباحث في “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، عقد المؤتمر بأنه “قمة الفجر والعهر من قبل المنظمة الدولية؛ لاختيارها مصر كبلد بشهادة الجميع تتخذ من التعذيب الممنهج أسلوبا لانتزاع الاعترافات”.

وأشار العطار فى تصريحات صحفية إلى ما لهذا المؤتمر من آثار سلبية عكسية؛ حيث إنه “سيعطي السلطات العسكر الشرعية لمواصلة الانتهاكات، وعدم محاسبة المسؤولين عنها”.

واوضح أنه في آخر زيارة له إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان بجنيف، التقى مسؤولين بمكتب المقرر الخاص المعني بالتعذيب، مؤكدا أنهم قالوا له إن سلطات العسكر رفضت 6 طلبات لهم بالسنوات الماضية لزيارة السجون، والوقوف على حالات التعذيب فيها.

وحول نماذج الانتهاكات والتعذيب بحق المصريين، اشار الى حالة المحامي والحقوقي المعتقل عزت غنيم، المدير التنفيذي السابق للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، وكيف أن صورة له تم تداولها كشفت عما تم بحقه من تعذيب نفسي وبدني.

كما أشار إلى حالة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي قضى تعذيبا في مصر بداية العام 2016، متسائلا: “فما بالك بالآلاف غير المعروفين، ماذا يحدث معهم في المعتقلات؟”.

تعذيب بالسجون

وفي توثيق لبعض حالات التعذيب على ايدى ميلشيات العسكر ، كان منها حالة تعرضت للتعذيب الشديد في سجن “العزولي” بمعسكر الجلاء التابع للجيش في الإسماعيلية، حيث تم اعتقاله إثر الانقلاب العسكري منتصف 2013، وإخفاؤه قسريا.

أسرة “ع. غ”، أحد قيادات الصف الثاني لجماعة الإخوان المسلمين وأحد مرشحيها لمجلس الشورى في عهد حسني مبارك، أكدت أنه نتيجة للتعذيب الذي تعرض له من صعق بالكهرباء وضرب مبرح على وجهه ورأسه أصيب بفقدان جزئي للذاكرة.

وأشاروا إلى أن “ما زاد الأمر سوءا هو أنه بعد الإفراج عنه لمدة شهرين إثر نحو 3 أعوام اعتقال بقضية تظاهر، تم توقيفه مجددا لنحو عام آخر تدهورت فيه حالته العقلية؛ لتعذيبه بسجن الزقازيق”.

وختموا بالقول إن السجون “لما تأكدوا أنه لا يدرك أي شيء حوله أطلقوا سراحه ليلا، ولولا أن أحد معارفه رآه يسير على الطريق لكان قد تاه حتى اليوم ولم يصل إلينا”، مؤكدين أن “محاولات الأطباء فشلت في علاجه”.
وأكدت أسرة أحد شباب الإخوان المسلمين الذين تعرضوا للإخفاء القسري من قرية العزيزية بمحافظة الشرقية أن ابنها تعرض لأشد أنواع التعذيب، وأصبح اليوم يعاني من اضطرابات نفسية وعصبية وسلوكية.

غسل سمعة النظام

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، سخر مدير معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، محمد زارع، من تنظم المؤتمر بالقاهرة، مشيرا  إلى أن نظام السيسي منع محامي من السفر، ووجه له تهما تودي به إلى السجن المؤبد، فيما يواجه قاضيان شبح الفصل من الخدمة لمجرد أنهم عملوا على مشروع قانون لمكافحة التعذيب.
واعتبر ان «مثل هذه الفعاليات تستهدف بالأساس غسل سمعة النظام قبل اجتماع آلية المراجعة الدورية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في شهر نوفمبر المقبل

وأكد زارع أن حكومة الانقلاب أغلقت مركز “النديم” الحقوقي؛ لأنه كان يقدم دعما نفسيا لمن تعرضوا للتعذيب، موضحا أن المؤتمر ليس له هدف غير غسيل سمعة مصر بملف التعذيب، وللتباهي في الأمم المتحدة أثناء مراجعة ملف حقوق الإنسان لمصر في نوفمبر المقبل.
وقال أن المؤتمر لن يضع حدا للتعذيب، ولن يفيد الضحايا، معتبرا أن التعذيب سياسة دولة، ومن يقومون به بالقضايا السياسية يتمتعون بحصانة من المحاسبة من أعلى المستويات السياسية.
وطالب زارع المنظمات الدولية والمحلية «بأن تقاطع أي ندوات أو مؤتمرات أو ورش عمل مُتعلقة بحقوق الإنسان ينظمها نظام العسكر، الذي ينتهك تلك الحقوق بشكل يومي».

اجتماعات اللجنة الإفريقية

ويشير إلى التحقيق مع المستشارين عاصم عبد الجبار وهشام رؤوف، بالإضافة إلى المحامي نجاد البرعي، بعد إعدادهم سويًا مشروع قانون لمكافحة التعذيب في أماكن الاحتجاز. وكيف أن المستشارين، اللذين أُحيلا إلى مجلس الصلاحية والتأديب عام 2015، واجها اتهامات بـ «الاشتغال بالسياسة» و«التعاون مع مركز حقوقي غير شرعي». فيما جرى منع البرعي من السفر، وجرى التحقيق معه أمام قاضي تحقيق منتدب لهذه القضية. ورفض مجلس الصلاحية والتأديب إدانة المستشارين بعد 4 سنوات من توجيه الاتهام لهما، بينما لا يزال البرعي ممنوعًا من السفر.

ويذكر زارع  بالدورة الـ 64 من اجتماعات اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التي جرى تنظيمها في مصر في أبريل ومايو الماضيين، والتي شهدت «مهازل وجرى التعدي على بعض الوفود المشاركة».

كانت تلك الدورة من اجتماعات اللجنة الإفريقية قد شهدت «درجات غير مسبوقة من التخويف والمراقبة والقيود من جانب مسؤولي الأمن بنظام العسكر» على ممثلي المجتمع المدني الإفارقة الذين حضروا، ووصل الأمر إلى قيام أحد موظفي المؤتمر بصفع إحدى المشاركات من وفد جنوب السودان. كما رفض مسؤولو العسكر إصدار شارات للتمكن من المشاركة في فعاليات المؤتمر للعاملين في مجال حقوق الإنسان بعدد من الدول، من بينها جنوب السودان والسودان وتنزانيا وأوغندا، دون إبداء أسباب واضحة.

Facebook Comments