شتان ما بين نظام اعتاد أن يقف شامخا مستشعرًا لذة السيادة، وبين جنرال مستأجر وظيفته التي كُلف بها نزع السيادة عن وطن منكوب بانقلابه، ومن أعمال السيادة ما قالته وزارة الدفاع التركية، اليوم الأحد، بأن ثلاث طائرات روسية تحمل معدات منظومة “إس400” الدفاعية وصلت إلى قاعدة “مرتد” الجوية في العاصمة أنقرة. وأضافت الوزارة، فى بيان لها: “يستمر شحن معدات منظومة “إس400″، وفي هذا الإطار هبطت طائرة سابعة في قاعدة مرتد الجوية بالعاصمة أنقرة”.

ورغم تهديدات واشنطن لأنقرة وفرضها عقوبات، أكدت وزارة الدفاع الروسية اليوم الأحد إيصال المزيد من معدات المنظومة الدفاعية إلى تركيا، وذكر بيان لوزارة الدفاع الروسية أنه “في 14 يوليو، حولت الوزارة طائرات تحمل أجزاء من منظومة “إس- 400″ الدفاعية إلى تركيا، كجزء من تنفيذ روسيا تعهداتها وفق العقد المبرم”.

أما العبيد الذين اشتراهم الغرب ووضعهم في غفلة من شعوبهم على كراسي الحكم، فلم ولن تكون ورشة المنامة الحالة الوحيدة التي فعلوها للسعي نحو التطبيع المُعلن مع كيان العدو الصهيوني، تحت حُجج واعتبارات واهية، ولكن سبقتها محاولات عديدة عبر عشرات السنين، ومن عبيد يدّعون الحرص والحفاظ على ما تبقّى من أرض، ويوهمون أنفسهم بأنهم يسعون للتعامل مع الأمر الواقع، ويخدعون شعوبهم، ويبيعون مقدرات الوطن بثمن بخس!.

نهاية المطاف

لن تكون خيانة جنرال إسرائيل السفيه السيسي، التي ترجمتها تصريحات وزير خارجية البحرين “خالد بن أحمد آل خليفة” الأخيرة؛ التي دعا فيها إلى التطبيع مع إسرائيل والاعتراف بأنها دولة “باقية”، كما قال: “إن لإسرائيل الحق في أن تعيش داخل حدود آمنة”، مؤكدًا أن بلاده ودولاً عربية أخرى على رأسها مصر والسعودية والإمارات تريد التطبيع معها، وذهب أكثر من ذلك بدعوة الإسرائيليين إلى التواصل مع الحكام العبيد، والتوجه إليهم بخصوص أي مشاكل تحتاج حلا!.

ويبدو من هرولة الحكام العبيد نحو التطبيع مع كيان العدو الصهيوني فقدانهم البوصلة تمامًا، وانصياعهم التام لرغبات المحتل، دون أدنى مقابل، فمن مواجهة الاحتلال إلى التطبيع الكامل معه، وهذا يدعونا لطرح السؤال الجوهري: ما الذي يجري ويحدث في المنطقة للتسليم التام لإسرائيل؟!.

وبعد أن طبّعت أنقرة وموسكو علاقاتهما، اتجهت تركيا إلى شراء منظومة “إس 400” من روسيا. جزء من هذا التوجه كان يحمل دوافع عسكرية كما شرحنا لتغطية الثغرة الدفاعية الموجودة وتخطّي الفيتو الأمريكي أيضا، بمعنى آخر كانت تركيا تحاول التخلّص من الارتهان إلى الولايات المتّحدة، ففي نهاية المطاف الصفقة تضمّنت سعرا مناسبا لتركيا مع تسهيلات في عمليّة الدفع، ونقلا جزئيا للتقنية وإنتاجا مشتركا، وكلها شروط مناسبة لتركيا.

لكن من جهة أخرى كان هناك هدف سياسي أيضا في ظل غياب الدعم الأمريكي وهو تحييد المخاطر العسكرية الروسية على الأمن التركي من خلال التقارب مع موسكو. الولايات المتّحدة لم تكن تعتقد أنّ الصفقة حقيقيّة أو أنّها ستتم بالفعل، بل كانت تؤمن أنّ أحد الطرفين الروسي والتركي أو كليهما يراوغان فقط، لذلك لم تتحرّك أمريكا لتزويد تركيا بما يغنيها عن المنظومة الروسية إلى أن أدركت أنّ الصفقة أصبحت أمرا واقعا.

حينها وبدلا من أنّ تقدّم صفقة مغرية لأنقرة، قامت في اللحظات الأخيرة بتقديم عرض سيئ لصفقة باتريوت، هذه الصفقة كانت مرتفعة السعر ولم تشمل نقل تكنولوجيا وحتى لو وافقت أنقرة عليها فإنّ تنفيذها كان سيتطلب سنوات وتستطيع واشنطن خلال هذه الفترة إيقاف الصفقة في أي لحظة أو إلغاءها تماما كما تفعل في صفقة (إف-35) الآن.

السيسي مستأجر

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط، بل هددت واشنطن بفرض عقوبات على أنقرة إذا لم تتخلّ عن الصفقة الروسية، بمعنى آخر، تريد الولايات المتّحدة من تركيا أن تتراجع عن الصفقة دون أن يتم تقديم أي شيء في المقابل، ومن وجهة نظر تركيا، التراجع عن الصفقة في هذه المرحلة يعني أنّها لن تحصل على شيء من الولايات المتّحدة.

وحتى لو حصل على صفقة في المقابل، فلا شيء يستطيع منع واشنطن من إيقافها أو إلغائها أو استخدامها كورقة ابتزاز، فضلا عن ذلك، فإنّ العلاقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ستسوء جدا، على اعتبار أنّ الأخير كان قد تدخّل شخصيا لجعل الصفقة أمرا واقعا، ولتسريع عملية تسليمها، وإذا ما قرر الانتقام من أنقرة، فإنّ وضعها في سوريا سيتدهور سريعا، وقد تجد نفسها قد خرجت من اللعبة بخفّي حُنين في أفضل الأحوال.

ويأمل الجانب التركي ألاّ تؤدّي هذه الصفقة إلى عقوبات أمريكية استنادا إلى اجتماع الرئيسين الأمريكي والتركي على هامش قمّة الدول العشرين التي عقدت في اليابان، لكن وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية والكونجرس يؤكّدون أنّ موقفهم لن يتغير وسيكون هناك عقوبات على أنقرة، كما سيتم إخراجها من برنامج التصنيع المشترك لمقاتلات (إف-35)، وإذا ما حصل ذلك فعلا فقد تصبح صفقة “إس400” مكلفة للغاية سياسيا واقتصاديا، إلا أن تلك التكلفة تتضاءل أمام المكاسب السياسية لأنقرة، وأهمها فرض السيادة التي فرط فيها العبيد العرب وعلى رأسهم السفيه السيسي.

Facebook Comments