على مدى أسبوع بتمامه عشت أحداث السنوات العشر الأخيرة من تاريخ المسلمين فى الأندلس، وهى ذاخرة بالتطورات، مليئة بالعبر والعظات، من خلال أربعة كتب ضمها مجلد واحد صدر 1925، جمعها أمير البيان شكيب أرسلان، وهى: رواية بعنوان «آخر بنى سراج» ترجمها أرسلان نفسه؛ ثم كتابه الأشهر «خلاصة تاريخ الأندلس» وهو ذيل على الرواية المترجمة؛ وكتاب لمجهول بعنوان «أخبار العصر فى انقضاء دولة بنى نصر»؛ وأخيرًا: «أثارة تاريخية» لأربعة خطابات موجهة من آخر أمراء المسلمين فى الأندلس لقادة النصارى فى الممالك المجاورة له.

أما أحداث تلك السنوات فهى نازفة للدمع مجهدة للقلب لمن قرأها وهو يسقطها على واقع المسلمين المعاصر؛ ذلك أن التاريخ يعيد نفسه ورغم ذلك لم نعتبر، وأن ما وقع فيه الأولون من تنازع وفشل وخيانات يتكرر بحذافيره، وأن الطمع والأثرة والحمق لا تلد إلا الضياع، وأن المسلمين ما ذُلُّوا وانتهكت أعراضهم وسُلبت أرضهم وأموالهم إلا عندما تركوا الجهاد ووضعوا السلاح وغرقوا فى الشهوات والملذات.

يقول التاريخ إن الأندلس كانت حاضرة من أخصب وأغنى وأرقى حواضر المسلمين، وأنها كانت قوية عصية على السقوط بالجهاد وصلاح الأمراء، حتى إذا رق دينهم وقع التنافس على الدنيا فيما بينهم، وساد الترف، وعم الظلم والفساد؛ فتبدلت الأحداث، وانقلب القوى ضعيفًا، وبرزت شوكة النصارى حتى فرضوا الجزية على هؤلاء الأمراء الذين كانوا يدفعونها عن يد وهم صاغرون؛ بل لحماية عروشهم سقطوا -فى مرحلة تالية- فى مستنقع الخيانة إلى حد قتال إخوانهم تحت راية الكافرين.

والمؤلم كما ذكرت هو تطابق تلك الأحداث مع واقع المسلمين المعاصر، فكما نرى اليوم ممالك وحكومات همها الأوحد حماية عرشها أو كرسيها ولأجل ذلك تتنازل وتتنازل على حساب دينها ووطنها؛ فالأمر ذاته حدث فى الأندلس الخضراء على يد أمرائها؛ فمنهم من فتح حصون مدينته لعدوه ليحتلها والناس نيام، ومنهم من تنصر لإرضاء هذا العدو وليبقيه على رئاسة إقليمه أو مقاطعته؛ وهكذا وصلت الأمور إلى درجة من التردى كشفت نقاط ضعفهم وخراب ذممهم ما أطمع فيهم العدو وجعله يسترد أرضهم بثمن بخس لا يزيد على تقريب هؤلاء الخونة منه ومنحهم لعاعة من لعاعات الدنيا، ويا ليتهم نجوا من بطش العدو، بل كانت عاقبتهم خسرًا.

لقد أجلى الإسبانيول/ أى الإسبان عن الأندلس ما يزيد على أربعة ملايين من المسلمين، غادروا إلى إفريقية، ومن بقى تعرض للقتل ولأعتى أنواع الانتهاك والتعذيب فيما عُرف بـ«محاكم التفتيش» التى سبقها إذلال المسلمين وإجحافهم وتمييزهم عن الإسبان باسم «المدجنين» حتى تنصر كثيرون بعدما فُرض عليهم زى معين، وأُرهقوا بالضرائب والمكوس، ومنعوا من مغادرة محلاتهم، وأُعطى للإسبانى الحق فى استعبادهم وقهرهم إلخ؛ وهذا بسبب قعود أمراء المسلمين وحمقهم والحرص على مصالحهم الشخصية دون مصالح المسلمين.

وما نراه اليوم من جور فى بلادنا حتى ظهر الفساد فى البر والبحر، وُجد مثله فى بلاد الأندلس؛ حيث كثرت المظالم والمغارم، وانشغل الناس بأحوالهم البئيسة، وعمت الفوضى، واشتد الصراع على الملك حتى قاتل الأخ أخاه، والولد والده، وحتى فضل أحدهم الهزيمة أمام عدوه لئلا يُمكَّن أمير آخر من السيطرة على جهة أو إقليم مجاور، ناهيك عن «التفاهات» التى انشغلوا بها وكانت سببًا فى انتقاص أرض المسلمين وانتكاس رايتهم، كالذى ضاع عرشه (أبو الحسن على) بسبب صراع زوجتيه على من يتولى الإمارة من أبنائهما من بعده، وكانت إحداهما حرة (ابنة عمه) والأخرى إسبانية كانت يومًا إحدى محظياته. وكان هذا سببًا فى ضياع كثير من المدن والإقاليم؛ إذ هرب أولاد ثريا (ابنة عمه) من قصر أبيهم وعقدوا ألوية الحرب عليه، فى الوقت الذى كان فيه فرديناند وإيزابلا يعدان العدة ويزيلان ما بينهما من خلافات لاسترداد أراضى المسلمين التى سقطت تترى فى (سيناريو) عجيب لم نسمع بمثله من قبل.

وكما يجرى الآن من انكفاء كل رئيس من روساء المسلمين على نفسه وعدم اهتمامه بما يجرى للمسلمين حوله ولو قُطِّعوا وذُبِّحوا، كذلك ضاعت الأندلس ولم تأتها نجدة من المسلمين، ولم يُرسل إليها بعثٌ من شمال إفريقية والمسافة قريبة واللسان واحد، إنما تخاذل الجمع لانشغالهم بشئونهم الخاصة وعروشهم المضطربة فلم يلبوا صريخ إخوانهم الأندلسيين فى غرناطة وملقة وبسطة التى كانت تحترق تحت مدافع الإسبان الذين نهبوا أموال المسلمين وسبوا نساءهم.

أما الإسبان -كما اليهود الآن وغيرهم من أعداء المسلمين- فكانوا على قلب رجل واحد، وقد اعتزوا بنصرانيتهم، وألحقوا بصفوفهم الرهبان والقساوسة، يحمّسون الجنود ويعلون الصليب، وقد أبدى الزوجان فرديناند وإيزابلا إخلاصًا منقطع النظير لصليبهم ووطنهم؛ إذ رغم أنهما ملكان مبجلان لإقليمين كبيرين فإنهما ظلا لنحو عقد لا ينامان الليل حتى غادر المسلمون الأندلس، فامتاز فرديناند بذكائه السياسى وحنكته فى إدار شئون مملكته، وامتازت إيزابلا بالك
ياسة ورجاحة العقل وإخلاصها لدينها؛ فنُقل أنها باعت مجوهراتها وكل ما غلا ثمنه فى قصرها لحرب المسلمين، وكانت تبيت فى المعسكرات لتحميس الجنود مصطحبة أبناءها معها، وكانت لا تؤخر أى جهد فيه غلبة قومها على عدوهم. وكان الأمراء و(الأقناد) كذلك؛ إذ اعتبروا حربهم تلك حربًا مقدسة، حتى قيل إن عشرة أمراء من عشيرة واحدة ومن خيرة فرسانهم قُتلوا تباعًا، وكان أحدهم يوصى من يأتى بعده بحرب المسلمين وإجلائهم.

وكما نرى الآن من نفور شعوبنا من حكامهم لفشلهم وفسادهم وخطيئتهم فى استبعاد الكفايات وتقريب النفايات ورفض الجهاد وموالاة الأعداء؛ فهكذا كان الواقع فى السنوات الأخيرة فى الأندلس فى نهاية القرن الخامس عشر؛ إذ كان عامة المسلمين متعطشين للجهاد، رهن إشارة من يحملهم إليه، وكان أحب الأمراء إليهم من يدعوهم لحمل السلاح، وركوب الخيل، وقد ضربوا الأمثلة الرائعة فى الدفاع عن دينهم وشرفهم فى حصار غرناطة ومالقة وغيرهما، وظهر قواد شجعان ثاروا على الأمراء وحمسوا الشعوب للجهاد، وحققوا انتصارات رائعة مثال موسى بن أبى الغسان فى غرناطة الذى دوخ جيوش النصارى وأضج مضاجعهم لولا الخيانات التى وقعت من أمراء البلد فجعلته يهيم على وجهه حتى عثروا عليه قتيلًا وقد جندل عددًا من الإسبان فى عقر دارهم.

وقد ذُكر أن نساء مدينة بسطة التى اشتد عليها الحصار قد تبرعن بكامل حليهن للجهاد، وبعثن برسالة لأمير البلدة جاء فيها: «لا يليق بنا أن نترين بهذه الحلى حالة كون بلادنا خرابًا ورجالنا محتاجة إلى القوت الضرورى». وبشهادة الغربيين أنفسهم فإن عامة المسلمين لم يضعوا سلاحهم، خصوصًا فى منطقة البشرات وسائر المناطق الجبلية إلا مع بدء القرن السابع عشر؛ أى ظلت راية الجهاد مرفوعة لنحو مائة سنة، حتى حُوصر المجاهدون فى كل جهة وتم إجلاء ما بقى منهم إلى الشمال العربى الإفريقى، ناعين أرضهم وأرض أجدادهم التى أضاعتها خيانات الملوك والأمراء.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها