كان المصريون في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك ينظرون إلى التعليم على أنه الأمل في التعيين، وتحصيل الوجهة الاجتماعية التي ربما تنقلهم من الضيق إلى السعة رغم انتشار البطالة وقتها، وكانوا ينفقون ما يحصلون عليه من رزق قليل على العملية التعليمية، بما تشمله من دروس خصوصية ونفقات داخلية على الكتب والأدوات الدراسية والمصروف اليومي.

وبالرغم من يأس الكثير من المصريين من إلحاق أبنائهم بكليات الحظوة من الجيش والشرطة، إلا أنه كان لديهم متنفس للمجتهدين من أبنائهم في الالتحاق بكليات القمة التي كانت ما زالت مفتوحة أمامهم، بالرغم من المصروفات المرتفعة التي يتم إنفاقها على أبنائهم لتحصيل الدرجات من خلال الدروس الخصوصية، أملا في التعيين بالمجال الخاص، أو السفر، أو إتاحة الفرصة أمام الطالب لكي يشق طريقه في المستقبل، طالما أنه أصبح حاصلا على مؤهل عالٍ من إحدى كليات القمة.

من البطالة للجهالة

إلا أن الحال تبدل تماما مع قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، بعد أن خرج التعليم عن التصنيف العالمي، وتراجعت مستويات الجامعات المصرية، كما تراجع اهتمام الدولة بالتعليم نظرا لسياسة قائد الانقلاب الذي ينظر إلى التعليم على أنه شيء هامشي، قائلا في إحدى تصريحاته: “يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟”.

ومع تبدل الحال انتشرت حالات التسرب من التعليم مجددا، ورجعت مصر لسابق عهدها في فترة السيتنيات خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حينما كانت الأسر المصرية تفشل في إلحاق أبنائهم بالعملية التعليمية نظرا للفقر والجوع والانهيار الاقتصادي، رغم مجانية التعليم.

كما أصبحت الثانوية العامة بمشكلاتها المعروفة بمثابة سم تتجرعه الأسر المصرية من أجل الوهم، بعد ان أضحت الكليات في عهد السيسي مغلقة على أبناء ضباط الجيش والشرطة ورجال العمال الذي يمتلكون المال الكافي لإلحاق أبنائهم في إحدى كليات الجامعات المصرية، التي ارتفعت فيها درجات القبول كما ارتفعت مصروفاتها الدراسية.

الأمر الذي أدى لحالة من اليأس بين الطلاب الذين شهدوا على جوع وحرمان أبائهم من أجل تحصيل المناهج؛ أملا في الالتحاق بالتعليم الجامعي.

وبالرغم من يقين طلاب الثانوية العامة بالمستقبل الغامض الذي ينتظرهم في عهد السيسي، في ظل البطالة المنتشرة، إلا أنهم فوجئوا بالفوضى التعليمية خلال الخمس سنوات الأخيرة التي رفعت من معدلات اليأس بالنسبة لهم، بعد أن انتشرت تسريبات الامتحانات لأبناء الحظوة، في مقابل صعوبة الامتحانات، الأمر الذي أدى لظهور حالات الانتحار بشكل كبير في الأعوام الأخيرة.

من الفشل للانتحار

ومن بين هذه الحالات، ما شهدته مصر في اليومين الماضيين بسبب صعوبة امتحان اللغة الإنجليزية، حيث انتحرت طالبة مصرية بمرحلة التعليم الثانوي، الأربعاء 13 يونيو 2018، جراء “حالة نفسية سيئة”؛ بسبب الامتحانات التي بدأت أوائل الشهر الجاري (يونيو 2018).

وأوضحت وسائل إعلام مؤيدة للانقلاب أن “الطالبة نادية. ص. أ (لم تذكر اسمها كاملاً)، بالمرحلة الثانوية، انتحرت عن طريق تناول حبوب سامة، ووصلت إلى مستشفى بمحافظة الدقهلية (شمال) جثة هامدة”.

في حين ذكر مصدر طبي بالمستشفى أن “سبب الوفاة هو تناول مادة سامة، ولا توجد شبهة جنائية”.

وقال والد الطالبة، إنها أقدمت على ذلك “لمرروها بحالة نفسية سيئة بسبب الامتحانات، ولم يتهم أحدا بالتسبب في ذلك”، حسب المصدر ذاته.

ومنذ بداية الامتحانات المهمة بمصر (تنتهي مطلع يوليو 2018)، أعلنت وزارة التعليم توقيف طلاب وتحرير محاضر غش لآخرين.

وقبل يومين، انتحر طالب (19 سنة) من أعلى برج القاهرة، أحد أبرز معالم العاصمة؛ لمروره بـ”أزمة نفسية إثر تعرضه للتوبيخ الدائم من والده ليذاكر دروسه”، وفق تقارير محلية. ومن وقت إلى آخر، تشهد مصر محاولات انتحار، ينجح بعضها، لأسباب اقتصادية وعاطفية والخوف من الفشل في الشهادة الثانوية الفاصلة في المراحل التعليمية بالبلاد.

وفي أبريل 2018، كشفت دراسة لوزارة الصحة المصرية، أُجريت على عينة من 10 آلاف و648 طالبا وطالبة، تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاما، عن أن 21.5% من طلاب المرحلة الثانوية (تعليم قبل الجامعي) في مصر يفكرون في الانتحار.

رابط دائم