لم يتوقف نظام الانقلاب العسكري عند حد تأميم الفضاء الإلكتروني وحصار شبكات التواصل الاجتماعي وحجب المواقع والصحف التي تتناول الواقع بشيء من الحيادية، بجانب حبس وسجن مئات الإعلاميين والصحفيين والنشطاء لمجرد النطق بما لا يريده السيسي من حقائق، بل يستهدف السيسي تأميم التاريخ المصري وكتابته كما يريد؛ لحماية زبانيته من مجرد النقد، كما حصن الجنرالات القتلة مدى الحياة في قانون تحصين القيادات.

وأثار مشروع القانون الذي يناقشه برلمان السيسي، تحت شعار تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية، ردود أفعال واسعة، خاصة مع عدم وضوح الهدف الحقيقي من القانون، والذى تتم مناقشته الآن باللجنة المشتركة من لجنة الشئون التشريعية والدستورية ومكتب لجنة الإعلام والثقافة والآثار، بناء على قرار رئيس البرلمان الانقلابي علي عبد العال.

نظرة أحادية

ويزعم مقدم مشروع القانون النائب في برلمان السيسي، عمرو حمروش، أن الهدف منه حماية الرموز والشخصيات التاريخية من العبث وعدم خداع الشعب بتشويه صورتهم، فى حين أكد خبراء أن الهدف الرئيسي من القانون هو التحكم بكتابة تاريخ الدولة، وفرض وجهة نظر أحادية على التاريخ الذي ينظر إليه عبد الفتاح السيسي من وجهة نظره هو فقط. إضافة إلى أن السيسي يريد وقف أي انتقاد للجيش ورموزه باعتبارهم رموزًا تاريخية، على حد زعمه.

ويؤكد المراقبون أن الهدف الحقيقي من وراء مشروع القانون هو تكميم أفواه المصريين من أجل عدم الحديث عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وبالتالي يصبح المصريون أسرى لفكر عبد الفتاح السيسي فقط، وهو ما تحدث عنه السيسي في وقت سابق “متسمعوش كلام حد غيري… اسمعوا مني أنا فقط”.

أبواب السجون

القانون بحسب قانونيين، يفتح أبواب السجون على مصراعيها لكل من يشكك في الروايات أو المواقف التاريخية التي رسّختها الحكومات والأنظمة المصرية المتعاقبة.

وبحسب القانون، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 500 ألف، كل من أساء للرموز والشخصيات التاريخية، وفي حال العودة يعاقب بالحبس بمدة لا تقل عن 5 ولا تزيد على 7 سنوات، وغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، على أن يعفى من العقاب كل من تعرض لهذه الرموز بغرض تقييم التصرفات والقرارات وفقا للدراسات والأبحاث العلمية المعتمدة.

القانون انتقده رجل الأعمال ومؤسس حزب المصريين الأحرار، نجيب ساويرس، بقوله عبر حسابه على تويتر: “من الأفضل أن يطلقوا على هذا القانون “قانون منع الكلام والنقد”.

نفاق وتزييف

ويستهدف القانون كتابة التاريخ من منظور معين وهو منظور المناخ السياسي الذي كُتب فيه، خاصة أن الكتابة عن الرموز والأحداث التاريخية كانت تخضع لأهواء وحسابات سياسية كثيرة.

وهو ما يعني تشويه التاريخ المصري بالنفاق والتزييف القائم بزمن السيسي، والذي وصل لحد أن يوصف عبد الفتاح السيسي ووزير الداخلية المجرم محمد إبراهيم بأنهما رسولان من عند الله، رغم ولوغهما فى دماء المصريين بشهادات العالم أجمع.

وفي الوقت الذي يَضيق فيه نظام الانقلاب بأي نقد ولو كان غير مباشر، كحذف مقالات لكتاب مؤيدين له أو إقالة رؤساء تحرير لمجرد أن كتبوا عنوان “الدولة تحشد في الانتخابات”، كما حدث مع جريدة المصري اليوم، يريد السيسي أن يحصن نفسه ويحصن منظومته بأكملها، في ظل انتشار الكثير من الدراسات الحديثة التي كشفت عن عمليات التزييف والتدليس التي كان يتم كتابة التاريخ بها، وتناولت أزمنة بعينها مثل عهد الملك فاروق، وحركة الضباط الأحرار، وما حدث مع محمد نجيب، وغير ذلك من الأحداث الحديثة والقديمة التي تكشف الدراسات أخطاء كثيرة في كتابتها وتناولها”.

وبحسب مراقبين، ارتبط قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية بعدة أحداث، منها الانتقادات التي وجهها كتاب وسياسيون ومفكرون للرئيس السابق جمال عبد الناصر، وحركة الضباط الأحرار، وكيف تحولت مصر على أيديهم لخرابة كبيرة بعد أن كانت دولة متقدمة”.

وثائق تاريخية

كما أن تمرير القانون مرتبط كذلك بتفجير قضية أشرف مروان، زوج ابنة عبد الناصر، والمستشار الإعلامي والسياسي المقرب من أنور السادات، والذي اعتبرته إسرائيل أحد أهم رجالها في القصور الرئاسية المصرية، وهو ما يعني كشف كثير من الحقائق التي كانت غائبة عن الشعب.

ويمثل إفراج عدد من الدول الكبرى عن وثائق مهمة مرتبطة بالمنطقة العربية، خطرًا يهدد بفضح الكثير من ملفات أنظمة الحكم المصرية خلال السبعين عاما الماضية، وهو ما يمثل ضربة موجهة لحقبة حكم العسكر التي بدأت عام 1952 وما زالت مستمرة، وبالتالي يسعى برلمان الانقلاب لصناعة سياج قانوني يمنع الاقتراب من العسكر؛ حتى لا يفيق الناس من الوهم الذي صنعه إعلام الصوت الواحد طوال السنوات الماضية.

Facebook Comments