كل التفسيرات والتحليلات، بل الوقائع والمشاهدات كانت تؤكد سقوط النظام الفاشى يوم الجمعة الماضى، غير أن اليوم مر مثل باقى الأيام؛ ما أحبط الملايين الذين سعدوا بمظاهرات الجمعة السابقة (20/9)، واعتبروها تجرية مصغرة لما سوف يجرى فى الجمعة التى بعدها.

وإذا كان البعض يعلل ما جرى بما قام به النظام من حشد هائل لقواته، ومن اعتقالات وتفتيش للمارة وتهديد للمواطنين -فإنى لا أرجح ذلك التعليل؛ لأننا شاهدنا حماسًا وغضبًا من المواطنين خصوصًا الشباب لم نشاهد عُشره فى جمعة الغضب (28 يناير 2011)، وما جرى من أهالى السويس كان مثالاً لما يحمله الشعب من عزم على إسقاط النظام -ما يؤكد أن قوة بعينها، غير قوة البشر، هى التى منعت ذلك؛ هى قوة الله تعالى، الذى يرى ما لا نراه، ويعلم السر وأخفى، وله فى خلقه تصاريف وشئون.

قد يقول البعض تلك «دروشة»؛ لكننى أؤكد أنها الحقيقة، والواقع الذى أقره الدين والتاريخ، فللناس أسباب ولربهم القرار، وأنه -سبحانه- إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وما ظنكم برب العالمين؟ لعله أراد بهذا القعود والتأخير درء فتنة قد أطلت برأسها، خصوصًا أن العصابة كانت فى أوج إثارتها واستفزازها، أو أن «المأفون» قد عاد من سفرته وأخذ الضوء الأخضر بهدم المعبد على من فيه، وتلك أمنية اليهود المجرمين، أو أن الله أراد أن يعطينا درسًا كدرس المسلمين يوم حنين وقد غرتهم قوتهم وقالوا لن نُهزم اليوم من قلة، وهذا كبر وبطر نهى الله عنه، أو هو درس للذى أراد الفرقة قبل الاجتماع، وانتوى الظلم قبل ألا يكون شىء فقال «لا لحكم الإخوان».
وربما كان فى عدم التمكين مصلحة خفيت عنا؛ حتى تُصحح النيات وتسلم الأهداف؛ ولئلا نقع فيما وقع فيه بعض الصحابة وقد بيتوا النية على النقمة والملحمة من أهلهم وعشيرتهم، على غير هدى الإسلام، فعاتبهم الله تعالى بقوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22]، وقد رأينا من اعتبروا سقوط النظام واقعًا فراحوا يقسّمون أدوار القصاص من الإعلاميين وغيرهم، وإن كان هذا الأمر مزاحًا، فإنه ينبئ عن رغبة فى عدم العفو والمصالحة، وهو ما يسوقنا من فتنة إلى فتنة أكبر من أختها.
من أجل ذلك يحمد الفاهمون هذا التأخير؛ لعلمهم أن الأمر كله لله، ولا راد لفضله، ولعل ما جرى يكون استدراجًا للظالمين؛ حتى إذا أخذهم الله لم يفلتهم، فالله يملى للظالم حتى يغتر بقوته، ويثنى عطفه؛ فيحين ساعتئذ قطع دابره، ولا يكون هذا القصاص إلا وهو فى أوج طغيانه، والأخذ يكون بغتة وقبل أن يرتد إليه طرفه.

والله -عز وجل- يأتى المجرمين من حيث لم يحتسبوا، وعلى غير توقع المؤمنين؛ ليؤكد أن الكيد كيده، والمكر مكره، وأن المسلم إن هو إلا ستار للقدرة ويأخذ الأجرة. لم يعرف الناس «محمد على» من قبل، ولم يتوقعوا أن يفتح تلك الثغرة التى شقت جدار الصمت وألّبت الشعب على المجرمين، مثل «بوعزيزى» الذى فجر الربيع العربى ورحل فلم ير ثمرته، تلك أسباب يهيئها الله، يضرب بها معاقل الظالمين، ويفتح بها طاقة أمل فى عيون المقهورين، وسنة الله لا تتأخر، وقانونه لا يتخلف، وما جرى على نوح ومن معه يجرى علينا وعلى من بعدنا حتى قيام الساعة.

والله والله! لن يفلت هذا النظام من قصاص الله العادل، أما متى فهو قريب، أما كيف فذلك أمر الله لا نستعجله، لكن لا نقعد، ولا نيأس، ولا نعتمد على أن الله يعمل فلا نعمل.. وكيد الله غير كيد البشر، وأسبابه غير أسبابهم، بل ربما لا ترد على أذهانهم. انظر كيف حسم الله يوم الأحزاب، وكان يومًا فاصلاً، لو سارت الأمور فيه حسب تخطيط البشر وأدواتهم وقواهم لهلك المسلمون وانتهى الإسلام، لكن الله هيأ الأسباب، وأرسل الجنود، ولا يعلمها إلا هو، فانفضت الأحزاب، وتفككت عراهم، وكما بعث الله الريح التى اقتلعت خيام المشركين وقلبت قدورهم، أرسل (نعيم بن مسعود) نجدة للمسلمين، وقد أعلن إسلامه حالاً ففرّق جماعتهم، وأحسن الدسّ بينهم، فانسحبوا منهزمين يكيد بعضهم لبعض.

لا نيأس، ولا نقنط، ولا تنصرف أعيننا إلى مشهد ذلك اليوم وكفى، زاهدة عما تحقق من إنجازات على مدى الأيام والأسابيع التى سبقته، والتى قصّرت عمر النظام، وأهانت رأسه، ودقّت مسامير نعشه، وهو إن بقى فلن يبقى إلا مدة يسيرة تحت تأثير المقويات والمسكِّنات ودعم أولياء الشيطان له، ولا تنس أننا نغير نظامًا مستبدًا هو من أعتى الأنظمة وأكثرها إجرامًا وظلمًا، ما يتطلب ثباتًا وجرأة، وصبرًا ويقظة، كما يتطلب رفع الأكف -بضراعة- إلى السماء طلبًا للعون والنصرة، وعلى قدر الجهد يكون العطاء، وعلى قدر الصبر والرباط يكون الفضل من الله، والذى أنقذ إبراهيم من الحرق، وموسى من الغرق، ونوحًا من الطوفان، ويونس من الحوت -قادر على إنقاذنا من هذه الطغمة الفاسدة، وهى أهون وأحقر وأذل من كل هؤلاء ممن حادوا الله وعصوا رسله.
نصر الله آت لا محالة، ولا يغرنكم ما ترونه من قوة وعتاد، وكثرة إمداد، فالله أقوى وأعز، واذكروا ما قال أصحاب موسى لموسى لما شارفهم فرعون وجنده؛ قالوا إنا لمدركون، قال إن معى ربى سيهدين، واذكروا ما قال محمد وصحبه عقب أحد وهم فى طريقهم إلى حمراء الأسد (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 173- 175]…
اعملوا واعملوا واعملوا.. ولا تتوقفوا، (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 35].

Facebook Comments