أعجبنى قول القائل: «إن دواعى الحب ثلاثة؛ الجمال والكمال والعطاء»، وكلهن اجتمعن فى محمد ﷺ؛ فمن فى الخلق مثله: جمالاً وكمالاً وعطاء؟ اللهم إنا أحببناه فأدخلنا فى زمرته، واحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا..

جاء فى صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة -رضى الله عنه- أن رجلاً سأله: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، مثل الشمس والقمر مستديرًا. يقول ابن حجر العسقلانى تعقيبًا على الحديث: «من المتعارف عليه أن التشبيه بالشمس إنما يُراد به غالبًا الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يُراد به الملاحة دون غيرها».

وجمال الوجه -وهو مركز الجمال وعموده الأساس- لا يكون فى خلقته وصورته فقط، فكم من الكافرين حظوا بتلك الموهبة، إنما الجمال الحقيقى فيما يستقبله الناظر إلى هذا الوجه من وقار وبهاء ونور وسكينة، وبشر وسرور وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ؛ أى من نور الإيمان، ولطائف النبوة وانشراح الصدر، والسواء النفسى، حتى شهد له أحد الكافرين بذلك فقال: «ليس وجهه وجه كذاب».

وفى عُرف الناس أنهم يألفون الهاش الباش باسم الثغر منبسط المحيا، وهكذا كان محمد ﷺ؛ فما كان يُرى فى وجهه سوى البِشْرِ والطلاقة، وكان أبيض الوجه مليحه، وما عُرف عنه جهامة ولا عبوس ولا اكفهرار؛ بل كان ذلك الإشراق والإقبال مع أهل بيته والناس أجمعين. يقول جرير بن عبد الله: «ما حجبنى النبى ﷺ منذ أسلمت ولا رآنى إلا ابتسم فى وجهى»، ويقول أبو هريرة -رضى الله عنه-: «ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ ؛ كأن الشمس تجرى فى وجهه».

أما كماله؛ فلن تجد أحدًا فى الخلق يضارعه فى صفة واحدة من صفات الكمال البشرى وهى أكثر من أن تعد؛ نور عقل، وذكاء لب، وقوة حواس، واعتدال حركات، وحسن شمائل ﷺ. ومن مثل محمد فى الشجاعة والثبات فى الشدائد؟ فماذا لو كان المعجب به على بن أبى طلب «قائد الشجعان»، يقول رضى الله عنه: «كنا إذا حمى الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله؛ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه».

ومن فى البشر لديه حلم محمد، وعفوه مع المقدرة، وصبره على ما يكره. وإن نسى التاريخ فلن ينسى ما لاقاه وصحبه من عشيرتهم فى مكة على مدى ثلاثة عشر عامًا، فلما دخلوها بعد ذلك فاتحين اشرأبت أعناق البعض للقصاص وجعلها ملحمة، فنفر من تلك الأعناق، وقوَّم سيرها، وفرض عليهم نهجه ومسلكه، فجعلها مرحمة، وحرّم الحرمة، وقال كلمة التاريخ: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

كان ﷺ عفوًا غفورًا، لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرَّا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، ما نقض عهدًا، ولا أخلف وعدًا، بل كان يرى الغدر من كبائر الذنوب، والإخلاف من مساوئ الشيم. وكان زاهدًا فى الدنيا، راضيًا قنوعًا. وكان متواضعًا غاية التواضع؛ يخفض جناحه للمؤمنين؛ ويمشى فى الأسواق، ويجلس على التراب، ويمتزج بأصحابه لا يتميز عنهم، فيتقدم إليه رجل خائفًا مرتعشًا فيطمئنه ويعرفه بحقيقة نفسه، وأنه نبى وليس ملكًا مستبدًا ويقول له: «هوِّن عليك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة». وكان فى مهنة أهله، ويجالس الفقراء، ويأكل مع الخادم، ويوصى بالزهد والتواضع وحسن الخلق ﷺ.

وأما عطاؤه؛ فحدث ولا حرج وتفكّر فيما قاله ابن عباس رضى الله عنه يلخص حاله فى العطاء، وكرمه وبذله، يقول: «كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى شهر رمضان، حين يأتيه جبريل ليدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة». وكان ﷺ «يُعطى من يحب ومن لا يحب»، و«ما سُئل شيئًا قط فقال لا»، و«كان يؤثر على نفسه حتى ينقضى الشهر والشهران لا يوقد فى بيته نار»..

وفى السيرة مواقف لا تعد، وقصص لا تحصى حول ذلك الكرم، والبذل، وقد قيل فيه: إنه ما سُئل على الإسلام شيئًا إلا أعطاه. جاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: ىا قوم! أسلموا، فإن محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة» كان يفعل ذلك ثقة بعظيم فضل الله، ويقينًا فيما عنده -سبحانه- وتلك فضيلة فى الأنبياء وصالحى الإيمان، جُبل محمد ﷺ عليها لبذرة الخير داخله حتى قبل أن يصير نبيًا حتى قالت له خديجة لما قال زملونى: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق» ﷺ.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم