يُعد يوم 24 أكتوبر عيدًا وطنيًّا تحتفل فيه السويس بذكرى المقاومة الشعبية في صد العدوان الإسرائيلي على المدينة في حرب أكتوبر 1973.

كما تعتبر مدينة السويس، الشهيرة بمدينة الغريب، أكبر الشرارات التي اندلعت وقدمت كمكانٍ لثورة يناير 2011، التي أدت إلى خلع مبارك، ففيها سقط أول شهيد في ثورة 25 يناير في حي الأربعين في السويس، وتوالت دماء الشهداء بعد ذلك.

فى مثل هذا اليوم عام 1973 كانت معركة السويس، حيث دخل الجيش “الإسرائيلي” إلى السويس بعد نجاحه فى عبور القناة عند منطقة الدفرسوار، وتمكن من حصار الجيش الثالث والاستيلاء على مدينة السويس للوهلة الأولى، ولكن أبناء السويس لم يفوتوا لهم المدينة الباسلة.

ونجح “السوايسة” فى التصدى لهم وقاموا ببطولات خارقة، وقدموا تضحيات عظيمة بأرواحهم ومالهم، حتى تمكنوا من حصار اليهود الذين أطلقوا قذائف دباباتهم فدمروا بعض أحيائها من خلال الكتيبة الزيتية القادمة من جنوب السويس، والتي أسقطت دباباتهم ومصفحاتهم من القوات الأمريكية.

وفى هذا اليوم، أنتج نشطاء على موقع التواصل “يوتيوب” فيديو في ذكرى المقاومة الشعبية التي لم تُسلم عندما سلّم السادات وأعلن عن قبول الهدنة؛ تحية لهؤلاء الأبطال بالعشرات والذين لم يُذكر أحد منهم، وتحية لبطولاتهم وتضحياتهم لله ثم للوطن.

حصار السويس

ودفعت “إسرائيل” خلال أيام 22 و23 و24 أكتوبر بفرقة مدرعة ثالثة إلى غرب القناة بقيادة الجنرال كلمان ماجن، التي استطاعت مع فرقة أدان الضغط على الفرقة الرابعة المدرعة بقيادة العميد عبد العزيز قابيل لاكتساب مزيد من الأرض في ظل حالة عدم التكافؤ سواء العددي أو العتادي، وتحت القصف الجوي للطيران الإسرائيلي، فاستطاعت تطويق مدينة السويس وبحلول يوم 24 أكتوبر، تم حصار الجيش الثالث الموجود شرق القناة وعزله عن مركز قيادته بالغرب، وتدمير وسائل العبور بمنطقته من كباري ومعديات.

وحاول لواءان من فرقة أدان اقتحام السويس يوم 24 أكتوبر، إلا أنهم قوبلوا بمقاومة شعبية شرسة من أبناء السويس مع قوة عسكرية من الفرقة 19 مشاة التي كانت تحت قيادة العميد يوسف عفيفي، ودارت معركة بين المدرعات والدبابات الإسرائيلية من جهة وشعب السويس ورجال الشرطة مع قوة عسكرية من جهة أخرى، فيما سمي بمعركة السويس، تكبدت خلالها القوات الإسرائيلية خسائر فادحة ولم تستطع اقتحام المدينة وتمركزت خارجها فقط.

وأصدر مجلس الأمن قراره رقم 340 الذي قضى بإنشاء قوة طوارئ دولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، إلا أن القوات الإسرائيلية استمرت في عملياتها خلال أيام 25 و26 و27 أكتوبر ولم يتوقف القتال فعليًا حتى يوم 28 أكتوبر حين تقرر عقد مباحثات الكيلو 101 طريق مصر السويس برعاية أمريكا لبحث تثبيت وقف إطلاق النار.

شهادة سعد الدين الشاذلي

وأوضح الفريق سعد الدين الشاذلي، في تقديمه لكتاب للشيخ حافظ سلامة، أهمية معركة السويس بين مصر وإسرائيل، والتي أوضحت مدى الترابط بين الشعب المصري وقواته المسلحة في الدفاع عن أرضه وشرفه العسكري.

يقول الشاذلي: لم يبق سوى بضعة آلاف كان منهم الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، وكان إمام وخطيب مسجد الشهداء بالسويس، وكأن الله قد اختاره ليؤدى دورا رئيسيّصا خلال الفترة من 23- 28 أكتوبر، عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو الإسرائيلى وإفشال خططه في احتلال المدينة الباسلة, فإن ملحمة السويس لم تأت من فراغ، كانت نتيجة جهود بذلها الشيخ حافظ سلامة في إقامة علاقات وطيدة وأخوة بينه وبين ضباط وجنود القوات المسلحة، حتى أصبح مسجد الشهداء مركز إشعاع ديني يلجأ إليه الضباط والجنود قبل خروجهم للعمليات القتالية خلال حرب الاستنزاف التي استمرت حتى أغسطس 1970.”

وأضاف “عندما نجحت قواتنا المسلحة في عبورها العظيم في السادس من أكتوبر كان رجال السويس يقومون بنقل الجرحى وخدمتهم في المستشفيات، كما كانوا يقومون بدفن الشهداء”.

وأوضح أنه زاد من عزمهم قرار العميد يوسف عفيفي، قائد الفرقة 19 مشاة، التي كانت تتمركز شرق القناة، والذي كان يقضى بدفع عناصر من أطقم الدفاع ضد الدبابات وعناصر الصاعقة من شرق القناة إلى مدينة السويس، وهكذا تم دمج العناصر العسكرية مع المدنية في نسيج واحد، ونجحوا في الدفاع عن المدينة عندما هاجمها الإسرائيليون يوم 24 أكتوبر 1973م.

شهادة العدو

وفي مذكرات موشى ديان يقول: “وقد عتّم الإعلام على ما حدث في ثغرة الدفرسوار، بل وتم التنكيل بالفريق الشاذلي وتجاهله إعلاميًا، ونُزعت صورته من بانوراما حرب أكتوبر، وتم إيقاف معاشه المستحق عن نجمة الشرف العسكرية، وعندما قام بالرد من خلال كتابه “مذكرات حرب أكتوبر” على ما جاء في كتاب السيرة الذاتية للسادات «البحث عن الذات» تمت محاكمته غيابيًا.

وعلى البيوت التي دمرها العدو الصهيوني وأراد الجميع إخفاء هذه الصفحة من نضال الشعب، كتب الأبناء أو من عاد منهم على حوائط المدينة: “24 صمود ونضال وفخر وانتصار”، لذلك ففيه لم تنم المدينة الباسلة، وظل جميع أبنائها ساهرين طوال الليل في انتظار وصول الأعداء، وعندما نادى المؤذن لصلاة فجر يوم 24 أكتوبر، اكتظت المساجد بالناس، وفي مسجد الشهداء بجوار مبنى المحافظة، أمَّ المصلين الشيخ حافظ سلامة، رئيس جمعية الهداية الإسلامية، وعقب الصلاة ألقى المحافظ بدوي الخولي كلمة قصيرة، أوضح فيها للناس أن العدو يستعد لدخول السويس، وطالبهم بهدوء الأعصاب، وأن يسهم كل فرد بما يستطيعه، واختتم كلمته بالهتاف: «الله أكبر»، وارتفع الدعاء من أعماق القلوب إلى السماء.

فشل الصهاينة

يقول اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات بحرب أكتوبر 1973 في مذكراته: “حاول لواءان من فرقة “أدان المدرعة” اقتحام المدينة من الشمال والغرب، بعد قصف بالمدفعية والطيران مدة طويلة، لتحطيم الروح المعنوية للمقاتلين داخل المدينة، ودارت معركة السويس اعتبارًا من 24 أكتوبر بمقاومة شعبية من أبناء السويس، مع قوة عسكرية من الفرقة 19 مشاة داخل المدينة”.

ويصعب على المرء أن يصف القتال الذي دار بين الدبابات والعربات المدرعة الصهيونية من جهة، وشعب السويس من جهة أخرى، وهو القتال الذي دار في بعض الشوارع وداخل المباني.

وبجهود رجال السويس ورجال الشرطة والسلطة المدنية مع القوة العسكرية، أمكن هزيمة قوات العدو التي تمكنت من دخول المدينة، وكبّدتها الكثير من الخسائر بين قتلى وجرحى.

أما المؤرخ جمال حماد، فقال في كتابه «المعارك الحربية على الجبهة المصرية»: “كان معظم سكان مدينة السويس قد تم تهجيرهم إلى خارج المحافظة، منذ أن بدأت معارك حرب الاستنزاف عام 1968، ولذا لم يكن داخل المدينة عند نشوب حرب أكتوبر 73 سوى عدد قليل لا يتجاوز خمسة آلاف فرد، كان معظمهم من الجهاز الحكومي ورجال الشرطة والدفاع المدني وموظفي وعمال شركات البترول.

Facebook Comments