في خطاب المنقلب عبد الفتاح السيسي، في 24 يوليو، ومذبحة المنصة مساء الجمعة التالية مباشرة، في 26 يوليو، يستحضر المصريون مشهدًا شبيهًا من فيلم المجاهد الليبي عمر المختار، للجنرال الإيطالي الفاشي “جرتسياني” الذي ذبح آلاف الأبرياء في واحة الكفرة الليبية التي لم تخل من المجاهدين، فدخلها مزهوا بدباباته ليقتل العزل بأعتى الأسلحة وأشرس المجرمين.

الفريق الخائن السيسي الذي رقّى نفسه إلى مشير يرتدي نظارة مماثلة، ويتحدث مستدعيا “الشرفاء الأمناء” لـ”الجمعة الجاية” لـ”تفويض وأمر” أن يواجه “الإرهاب المحتمل”، فكانت النتيجة نحو مائتي شهيد ومئات الجرحى والإصابات ممن شاركوا في جمعة الفرقان التي أطلقها أنصار الشرعية ورافضو الانقلاب لمواجهة جمعة التفويض التي أطلقها من “ليس لديه رغبة أو إرادة لحكم مصر”!.

10 ساعات

من مساء 26 يوليو 2013 وحتى السابعة والنصف من صباح يوم 27، ولنحو 10 ساعات كاملة استطاع المتظاهرون صد تحركات الجيش والشرطة والبلطجية الذين أطلق عليهم السيسي “الشرفاء الأمناء” في التقدم لفض اعتصام رابعة العدوية من جهة المنصة بطريق النصر أو النصب التذكاري لشهداء أكتوبر.

فسقط الشهيد الأول لتلك الذكرى الأكثر قسوة في تاريخ مصر في الواحدة والنصف صباح السبت، وزادت أعداد الشهداء بالعشرات بين السادسة والسابعة صباحا بعدما حاولت قوات الجيش والشرطة الانسحاب بعدما انهكها صمود الثوار وأنصار التحالف من جهة النزول من كوبري أكتوبر متوسطين مركز المؤامرات وجامعة الأزهر.

وقالت هيئة الطب الشرعي آنذاك، إن القتلى بلغ عددهم نحو 80، بينما وثّقت شهادات بعض الأطباء بالمستشفى الميداني، والذي نقل عنهم موقع “ويكي ثورة”، ومنهم أستاذ الجراحة بجامعة عين شمس، محمد سليمان، أن المستشفى الميداني استقبل في تلك الليلة أكثر من 50 حالة قنْص في الرأس، و150 حالة إصابات مميتة، و50 حالة ماتت في الطريق إلى المستشفيات خارج الميدان، و4000 حالة إصابة ما بين كدمات وخرطوش واختناقات وجروح قطعية وعميقة ورصاص حي وكسور.

الأعداد التي تصعب على الحصر حينها سقطت بإطلاق الرصاص الحي بكميات كثيفة عن طريق القناصة، وقنابل الغاز المسيلة للدموع بكثافة شديدة، وكذلك زجاجات المولوتوف والأسلحة التي حازها البلطجية من مختلف الأنواع وأبرزها السيوف أو ما يطلق عليه “السنج”، بمواجهة الحجارة التي كانت في يد الثوار وحواجز صنعها الثوار باقتلاع أحجار الطريق متقدمين إلى مناطق قريبة من المنصة فكانت الحديقة القريبة من رابعة مكانا آخر لاصطياد عشرات الشهداء من أفراد أمن بلباس مدني يساندون قوات الأمن في الاعتداء على المتظاهرين.

عشرات الشهادات التي وثقت جريمة الحرب التي ارتكبها السيسي ووزير داخليته الذي حاول قتله عدة مرات، ثم أزاحه مع أول فرصة. بدوره، وثّق موقع “ويكي ثورة” المجزرة في 143 فيديو (بتسلسل الوقائع حتى آثار ما بعد الاشتباكات وفيديوهات للمصابين والضحايا والمشرحة وجنازات).. 18 شهادة فيديو.. 26 شهادة مكتوبة.. مئات الصور.. 11 تقريرا حقوقيا وطبيا.. 9 تقارير أجنبية.. مؤتمر وبيانات صحفية.. إضافة إلى عشرات الأخبار.

الإرهاب المفتعل

الحقيقة أن السيسي استغل التفويض ليس لقتل أنصار الشرعية ورافضي الانقلاب فحسب، بل اتسعت شهيته ليمارس إراقة دماء المصريين جميعا، ونكتفي هنا بعام واحد أعقب التفويض وبشهادة لواحدة من صحف الانقلاب التي أحصت شهداء وقتلى من الجيش والشرطة وعشرات المصابين، ليبرر السيسي تصعيده الدراماتيكي على أكتاف المخدوعين، لا ينقص ذلك من أجورهم ودعاء المظلومين من تلك الدماء التي ولغ فيها السيسي شيئا.

في تقرير لـ”المصري اليوم” المنحازة للانقلاب، جمع حصاد عام بعد تفويض السيسي، فلم يجده إلا مزيدا من الدماء، من يقرأه يظن أن السفيه فشل في وقف الإرهاب المحتمل، ولا ينظر إلا أنّ السيسي هو من صنع هذا الإرهاب غير المحتمل ليبرر استمراره لدى من فوضه من آكلي عشبة الخداع، ولكن التقرير حمل السيسي، بشكل غير مباشر، بعد مرور عام على جمعة تفويض وتدرج صعوده “وبموجب هذه المناصب والرتب العسكرية يعد المسئول الأول في الدولة رسميًّا عن مكافحة أعمال العنف والإرهاب”.

وادعى التقرير أنه بداية من اليوم الثاني لـ”جمعة التفويض” تواصلت العمليات الإرهابية في إشارة لمقتل العشرات وإصابة المئات في المنصة!. ولفت التقرير إلى مذابح كان لافتا وقوعها بعد التفويض ومنها “مذبحة رفح الثانية”، 19 أغسطس 2013، حيث فتح مسلحون النيران على سيارتين في طريقهما إلى معسكر الأمن المركزي برفح، ما أدى إلى استشهاد 24 جنديًّا.

وفي 5 سبتمبر 2013، تعرض محمد إبراهيم لمحاولة اغتيال فاشلة عند مرور موكبه في شارع مصطفى النحاس بمدينة نصر بالقرب من بيته، بوضع عبوة ناسفة، ونجا «إبراهيم» من الحادث بأعجوبة وتم نقله في مدرعة وتأمينه بمجموعات من حراسته الشخصية.. ووقتها أسفر الحادث عن إصابة 21 شخصًا، 8 منهم من رجال الشرطة. فضلا عن استهداف مديرية أمن جنوب سيناء في 7 أكتوبر 2013، مما أسفر عن مقتل 4 من الشرطة، وإصابة 53 من رجال الشرطة والمدنيين.

ثم تفجير مديرية أمن الدقهلية في ساعة مبكرة من صباح 24 ديسمبر 2013 بسيارة مفخخة، ما أسفر عن تدمير أدوار منها ومسرح مواجه لها، ومقتل 14 وإصابة 130 بينهم مدير الأمن، واتهمت حكومة الانقلاب الإخوان بالوقوف خلفها، رغم إعلان الإخوان التزامهم بمقاومة الانقلاب بالطرق السلمية وبراءتهم من الادعاء الكاذب.

وفي 24 يناير 2014، وصل إرهاب السيسي إلى اصطناع تفجير مديرية أمن القاهرة لتبرير الضغوط الأمنية والقمع قبيل ذكرى ثورة يناير، رغم أن المجرم محمد إبراهيم وزير الداخلية قبلها بأيام قال: “الأقسام مش مُسلحة بالأسلحة العادية دي زي الآلي، لأ، كل أسطح الأقسام والسجون عليها أسلحة ثقيلة واللي عاوز يجرب ييجي”، في تهديد لمن يرغب لنقل الثورة لقلب القاهرة.

وتزامن مع ذلك ادعاء “التفجيرات الإرهابية” قرب محطة مترو البحوث وسينما رادوبيس بالهرم، الطريف كان ادعاء أن منفذي هجوم مديرية أمن القاهرة تجولوا في محيطها وقربها ليلة التفجير!.

وفي 2 إبريل 2014، وقعت ثلاثة تفجيرات قرب جامعة القاهرة، ما أسفر عن مقتل ضابط الشرطة العميد طارق المرجاوي.

وفي 30 يونيو 2014، وقعت تفجيرات قصر الاتحادية الرئاسي، وأسفرت عن مقتل العقيد أحمد العشماوي، أحد القادة المسئولين عن تأمين القصر، والمقدم محمد لطفي، الضابط بإدارة المفرقعات.

المفارقة أن ما يسمى بجماعة “أجناد مصر”، أعلنت أنها فخخت «الاتحادية» في 18 يونيو من العام ذاته، لكنها ألغت التنفيذ، وهما العبوتان اللتان انفجرتا ولم يكتشفهما الأمن رغم تحذيرات الجماعة ومرور 12 يومًا من زرعهما!.

Facebook Comments