بقدر حزنى على رحيل الرئيس النبيل، حزنت على التاريخ الذى ضاع برحيله، ولم يكن أى تاريخ؛ بل هو أسرار ووثائق، وأزمات ومواقف، ودول وحكومات، ورؤساء وملوك، وزعماء وشخصيات، وبطولات وخيانات، ومساومات وتنازلات إلخ.

نعم هو تاريخ نحو سبعين عامًا من حكم العسكر وليس تاريخ ست أو سبع سنوات قضاها الرئيس فى قصره ثم فى معتقله، بما فيها من حقائق صادمة، وتشابك وغموض، وامتدادات إقليمية ودولية، وكانت هذه الفترة كاشفة بكل معانى الكلمة، بعدما أتممنا سبعة عقود يُفعل بنا ما فعله فرعون بقومه من استخفاف وتنكيل..

تمنيت كثيرًا أن أرى مذكرات رئيس الجمهورية الحر الأبى، الصابر الصامد المتجرد؛ بل ذهب بى الخيال بعيدًا بأنى سأتولى تحريرها وتجهيزها للنشر بعدما ينزاح الكابوس عن المحروسة -ولا زلت واثقًا من مجىء هذا اليوم، وأن فضل الله على الناس سيكون عظيمًا؛  حيث تعود الحقوق لأصحابها، ويقتص من كل مجرم أثيم، ويتطهر البلد من الرجس.. لكن عجل الموت بترجل الفارس ومغادرته قبل تحقق هذا الأمل؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فى الدول والحكومات الآدمية، ومهما كان الخلاف السياسى مستعرًا، فإنهم يسمحون لمثل هذه الشخصيات العظيمة، أى رؤساء الدول والوزارات والكاريزمات، بتسجيل مذكراتهم داخل سجونهم، ولا يبخلون عليهم بمطالعة وسائل الإعلام ومتابعة ما يحدث فى عالم السياسة، لكن لأننا فى «شبه دولة» أو تحت سلطان من يعيشون خارج التاريخ فإن الدكتور مرسى حُرم من هذا كله، بل اتخذوا معه إجراءات شاذة لا تُتخذ عادة إلا مع زعماء المافيا وليس مع رئيس منتخب وأستاذ جامعى مرموق؛ بدءًا من إخفاء مكان حبسه، وانتهاء بوضعه فى قفص زجاجى -وهو قمة الملهاة المأساوية- ومرورًا بمنع الزيارات عنه بمن فى ذلك أسرته وذووه، ومن ثم عزله عن العالم الخارجى بشكل تام؛ لئلا يصل إلينا ما جرى خلال هذه الفترة الحبلى بالأحداث والتى لم تمر على المحروسة من قبل.

إن تسريبًا واحدًا جاءنا من السيد الرئيس فى وقت مبكر، وكان فى إحدى جلسات محاكمته، ورغم أن مدته كانت قصيرة فإنه تنبأ -تقبله الله فى الشهداء- بما نحن فيه الآن لما أكد أن قائد الانقلاب سوف يأتى للشعب بما فى «قعر الزبالة» -وقد كان؛ فماذا لو تحدث الرجل فى كل شىء بشكل مفصَّل ومصاغ على طريقة مذكرات الزعماء؟

كنا نود معرفة حجم المؤمرات التي تمت منذ توليه -رحمه الله- السلطة، ومَنْ أبطالها، المحليون والإقليميون والدوليون، وما أصعب الساعات التى واجهها، وكيف كانت تُدار الدولة قبله، وماذا كان حجم الفساد بها، ومن اللاعبون الحقيقيون على الساحة. موضوعات لا حصر لها، كان هو الوحيد الذى يستطيع الإجابة عنها، لكنهم -لعنهم الله- حالوا دون ذلك؛ إما بإجراءاتهم اللاإنسانية التى اتخذوها معه، أو بقتله؛ كى لا ينفضح أمرهم، ولا ينكشف سرهم.

قد كان للرجل -من دون شك- تضحيات هائلة، لا يعلمها إلا الله، وكان الإفصاح عنها مكسبًا كبيرًا للساسة والدعاة وعموم الناس، وقد واجه الموت وحيدًا -إلا من الأُنس بربه، وسط عصابة من الأقزام المهووسين، فناله ما ناله وهو على العزم والرشد، ضاربًا المثل فى البذل والرباط. كل هذا ضاعت تفاصيله؛ لعل فيه أجرًا اختصه الله به؛ كى يبقى ما جرى له سرًّا بينه وبين ربه ليس فيه فخر ولا امتنان.

وإذا كان ما لا يدرك كله لا يترك جله كما يقولون، فقد صار من الفرض والواجب السعى للملمة ما عُرف من بقايا أسراره -رحمه الله-؛ من أهله وبنيه، ومن الفريق الذى اصطحبه فى المراحل المختلفة، وهؤلاء -بالتأكيد- لديهم ما غاب عن الجماهير رغم أهميته وخطورته. صحيح أن عليهم تضييقًا رهيبًا كالذى كان على الرئيس، لكن الشىء القليل من هذه الأخبار كفيل بوضع النقاط على الحروف، وبفضح أكاذيب السياسة والإعلام التى باتت تسبب للناس القهر والوجع، فضلاً عن إماطة اللثام عن الوقائع التى لها ارتباط بالواقع الحالى وما يجرى فيه من ترتيبات لا تخص مصر وحدها بل تخص المنطقة بأسرها.

Facebook Comments