هناك مقولة شهيرة منسوبة للإمام الشافعي مفادها أنه عندما سُئل رحمه الله تعالى: كيف تعرف أهل الحق في زمن الفتن؟! أجاب: “اتبع سهام العدو فهي ترشدك إليهم”.. وهذه المقولة البليغة لا تصدق فقط في البحث عن الأشخاص أو الأفكار والتيارات وتبرئة ساحتهم، لكنها كذلك تصدق علي الموضوعات والقضايا الكبري تلك التي يطاردها العدو، ويحاربها بالإقصاء تارة، وبالتمييع والتشويه تارة، وبتضليل الأذهان بشأنها تارة أخري عن طريق الإفساد حين يرتدي ثياب الإصلاح مدعيا كاذبا..وبالقياس نجد أن العكس صحيح أيضا؛ أي وجوب الحذر وتوجس الريبة من تلك المساحات والشخصيات والقضايا التي يفسح لها العدو مساحات الاهتمام ويعلي من قدرها ويبرع في تقديمها في أبهي حلة حتي تألفها الأنفس وتستسيغها القلوب التي كانت عنها مغلقة أو مترقبة حذرة..

*****

فلم يكن عجيبا أن يتجه الانقلاب في مصر وراعيه في السعودية إلي تكريم أهل المجون والخلاعة؛ فلم يأتي الانقلاب ومعه من يسانده إلا كي يُعلي من قدر هذا العبث واللهو. فهو انقلاب ليس في سدة الحكم وفقط، بل إن هذه الأخيرة ليست إلا غطاء أو قناعا لكل معاني الهبوط التي يريدون لها أن تعلو وتسود في مجتمعاتنا..

إن أبناءنا الآن لا يعرفون القيمة إلا إذا اعتلت أقدام لاعب شهير واتجهت نحو المرمي، أو غيره من أهل الغناء أو التمثيل. ومع أنه بالطبع ثمة فارق كبير بين محترفي اللعب وبين غيرهم؛ إلا أن ما يستقر في قلوب الأبناء تبعا لذلك هو أن قيمة الإنسان بما يطاله جبينه من شهرة وما تحققه يديه من كسب مادي. فقيمته إذن مما يترجمه المال والشهرة..وتهافت القنوات والأضواء، والجلوس علي عرش الرقم الأعلي لما يتم تقاضيه من سعر للإعلان عن المنتج الذي تمتلكه الشركة العالمية تلك التي تلهث خلفه..!

تتسرب تلك القناعات في الوجدان، ويعمل علي تفعيلها انقلاب أجير عند تلك الشركات العالمية، ومعه ثلة من المتربعين علي عروش أموال منهوبة من الشعوب، تلك الشعوب التي تئن ببطونها الجوعي وأجسادها العارية وأياديها الممتدة..!

إن واجب مقاومتنا هنا إنما هو في إطفاء تلك الأسرجة المنيرة عن تلك الوجوه الغير حاملة لحقيقة ما يجب أن يتعلمه أبناؤنا من قيم العمل والسعي والبر والعلم، ولنضيء تلك الأضواء جلية مبهرة علي وجوه علمائنا وقادتنا وأصحاب الفضل والخير في حياتنا..لنحي المندثر من تاريخ و رموز أمتنا، ولنصنع من أصحاب الفضيلة علي مر العقود رموزا لنا جديدة، ولنتعرف من زاد المحنة الحالية علي رموز آخرين جدد، تجلدوا وتحملوا وصبروا، فمنهم من ثبت في ابتلاء وأسر واعتقال، ومنهم من بذل من ماله وجاد علي الضحايا مما يملك فاقتسم معهم اللقمة والمسكن والملبس، وهناك من كان لا يملك إلا وقته وبعضا من علم قليل، فانكب يوثق ويتابع وينقل وينشر، ولم يستقل دوره أو جهده بل أخذ يبحث عن دور جديد كل فترة وشعاره أنه جندي تحت الطلب..

إن تتبع سهام العدو يضعنا وبقوة أمام مساحات الخير والحق، وإلا لما أتعب العدو نفسه وشد وثاق سهمه وصوبه نحو تلك الأهداف وما ذلك إلا لأنها صيد كريم عزيز المنال..

فتكريم أصحاب الفن الهابط والبذل لهم في كل من مصر والسعودية، ومعه تمرير الخطط الواهية التي يتأرجح عليها التعليم خاصة في المرحلة الثانوية والدفاع المستميت عن تلك السياسيات المتخبطة والمناهج المتردية. كل ذلك مما يؤكد أن الهدف هو الابتعاد بأمة ميراثها الأول كان القلم عن كل ما يبدعه هذا القلم وما ينتجه من فكر وعلم ووجدان ذي قيمة نبيلة وأثر طيب..

كيف يمكن لعقول أن تستنير وتباري ما يُحاك بها من مؤامرات إذا لم تطالع وتلتهم ميراثا سابقا دونته الكتب عن الحضارات السابقة وقصص علاقاتها وكبوابتها وأدوات نهضتها..كيف يمكن لأطفال وصبية وشباب أن يقفوا بعزة وفخر أمام منتج لحضارة أخري مغايرة لهم في المرجعية والصفات والقيم؛ يجيد أصحابها حرفة التسويق لكل ما ينتجونه حتي وإن كان ضعيفا هابطا فيظهر أهله وكأنهم علي الدوام كبرج سامق يتطاول الآخرون لينظرون إليه، فإذا بأطفالنا وصبيتنا أمامهم كذرات متناثرة أعلي كثبان رملية يسهل علي أي ريح عابرة أن تتجاذبها وتقذفها هنا أو هناك..في حين يمتلأ ميراثهم بوافر من قصص النجاح والبطولة والتي لا تصلح فقط محلا للفخر والتيه والتباهي بها، بل الأهم أنها تصلح مصابيح هدي لإنارة الطريق أمام السائرين فيه، فيجدون فيه أنسا وصحبة من سابقي السير، وقدوات نيرة للتأسي بها..

تمتلئ ضفاف الكتب بتجارب إصلاح بها من الكبوات والنهضات ما يوفر الوقت والجهد لمن يهمه الأمر، وفيها مناهج وأساليب وأدوات بحثية مطموس عليها لصالح مناهج أخري مستوردة يُراد لها هي فقط أن تسود لما لا تنتجه من علم وفهم ودقة نتائج، فيكون الكشف عن تلك المناهج وتتبعها والبحث من خلالها مما ينتج معه الكثير من الفقه بالحياة وما فيها..

*****

عندما انتبه “عبد الله النديم” إلي البحث عن السنن التي بها تقدم الأوربيون وتأخرنا كتب عن قضية التعليم وخطورتها وقال:”لما رأت دول أوروبا أن الأمية ما تمكنت من أمة إلا عرضتها للضياع والاستسلام إلي الغير؛ عممت التعليم وجعلته إجباريا حتي أصبح الأميون يعدون في ممالكها….وقد نامت الأمم الشرقية تحت ردم التهاون وعدم التبصر حتي مات العلم وأهله…وبموت أهل المعارف احتاج ملوك الشرق لاستخدام أناس من أوروبا يقومون بهم أوْدَ ممالكهم..”(1)..وهكذا هي الخطوات الثلاث للحلقة المفرغة التي أدخلنا فيها استبداد الحكام تبدو واضحة جلية..ويتبقي الآن امتلاك الوعي بأهمية كسر تلك الحلقة والخروج منها. وهو وعي يمتاز جيلنا بإمتلاك الفرص لإنفاذ مآربه وتحقيقها؛ لأن وسائل التعليم وإمكانياته باتت متاحة الآن أكثر من أي فترة ماضية، حتي وإن لم يُتوج هذا التعليم بالشهادات الكبري المعتمدة من هنا وهناك.

إلا أنه يكفي لإنارة عقل صاحبه وتبصيره بما عليه أن يفعله ومن ثم تفويت الفرصة علي من أرادوا له ديمومة الظلامية والجهل والتبعية..
إنني أدعوكم في الختام إلي تأمل هذا النص علي لسان ابن خلدون في مقدمته، والذي رأي فيه أن العلم وصنعة تعليمه من نتائج قيام العمران ونشأة الحضارات فيقول عن حال:”..بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، لما كثر عمرانها في صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتي أربوا علي المتقدمين وفاتوا المتأخرين، ولما تناقص وابذعر-تفرقوا- سكانها، انطوي ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتعليم، وانتقل إلي غيرها من أمصار الإسلام، ونحن لهذا العهد نري أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم..”.(2) وهذا النص يحمل لنا ثلاثة رسائل هامة جدا.

أولها: محورية رسالة الإسلام في صناعة العمران، وكيف أنه سبب في نشأته وتأسيسه حتي وإن سبقه اللاشيء. كما أنه الحافظ للحضارات من الإندثار والأفول. فإذا كانت الدول والكيانات والحضارات يمكن لها أن تنشأ علي غير أسس الإسلام؛ إلا أن قيم وأخلاق ومباديء ورؤية هذا الدين للحياة وما بعدها هو مما يكفل لتلك الحضارة بقاءها واستمرارها. إن عقودا بسيطة أعقبت تلك الرسالة الخاتمة قد أحالت البداوة والجهالة إلي عمران وعلم، وهو مدخل لكل من يبحث عن سنن إعادة النهوض إذ يبدو بالإسلام طريقها واضح لا يقبل الشك..

الثانية: ليست كما يبدو للوهلة الأولي من حسرة شديدة علي ما كان عليه هذا البلد الكريم كقبلة في العلم، بل و في صنعة تعليمه..وإنما الأهم هو إدراك تلك القيمة وكيف أنها ميراث تليد يجدر بنا التنقيب عنه، واستعادته من أيدٍ تريد أن تطفيء سراج حقيقته إلي الأبد..

الثالثة: هي قضية الحضارة تلك التي كانت “مستبحرة مستحكمة” فأهلّت تلك البلاد لحمل راية الريادة بعد أن أفلت عند آخرين..فماذا عساها تلك العقود التي جعلت تلك المظاهر ضمن الماضي البعيد؛ إنها بلا أدني شك عقود الاستبداد والطغيان وبطانة الخيانة والعمالة لدي الاحتلال الظاهر والخفي، ولذا فليس من المبالغة أن نقول ونعيد القول بأن ازاحة هذا الاستبداد والحيلولة دون إعادة تنصيبه وأهله من جديد إنما هي أولي خطوات استعادة الحضارة العريقة والمكانة الرفيعة..

وبتلك الرسائل الثلاث تكتمل ملامح خطة إعادة تعميرنا بلادنا وإيقاظها من غيبوبة الاستبداد. فـالإسلام ينتج علما وعمرانا، وهما معا يعيدان للحضارات التليدة بعثها، أو ينشئون حضارة جديدة تحمل راية التقدم بل وتحميها وتحفظها..

——————————–
الهوامش:

(1) عبد الله النديم:”بمَ تقدم الأوربيون وتأخرنا؟!”، دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة، دار البشير، القاهرة، 2016، ص 134، 135.

(2) مقدمة ابن خلدون:”عبد الرحمن بن محمد بن خلدون”، 3ج تحقيق: “د.علي عبد الواحد وافي”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006،ج3، ص 930.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments