فى 26 أكتوبر عام 1954، خطط نظام العسكر الذي كان يقوده جمال عبد الناصر، لتنفيذ مذبحة بحق الإخوان المسلمين، وتوريطهم في قضية جديدة، لتسويغ سياسات الانقلاب العسكري على الديمقراطية والمسار الذي كان الشعب يتوق إليه، بتمثيلية رخيصة عرفت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وذلك أثناء إلقاء خطاب في ميدان المنشية بالإسكندرية، واشتهرت عقب ذلك بـ”حادثة المنشية”، وذلك بعد خلافات مع مجلس قيادة الثورة وعزل الرئيس محمد نجيب، وتوقيع اتفاقية الجلاء مع الإنجليز.

ويستشهد من يزعمون أن جماعة الإخوان تؤيد العنف بحادث المنشية الذي دبره عبد الناصر ليوقع بخصومه من الإخوان ويزج بهم في غياهب السجون، وليعذب ويحكم بالمؤبد وغيره ويقتل من يقتل، ونجحت مؤامراته الخبيثة ووقع على الإخوان من الظلم والكوارث ما وقع، مما يعرفه القاصي والداني، ولكن الغريب في الأمر بعد ذلك، أن هناك من يهجم بذلك على الإخوان أنفسهم ويتهمهم زورًا بمحاولة قتل عبد الناصر ويصبح بذلك المجني عليه جانيًا.

شهادة محمد نجيب

وشاء الله أن تظهر الحقيقة بكل ملابساتها، ويشهد لذلك شهود من أهلها، ومن المحيطين بعبدالناصر أنفسهم، ومنهم رئيس جمهورية مصر الأسبق محمد نجيب وغيره، هذا وسنذكر طرفا من حديثهم في هذا الأمر الجلل

(1) جاء في كتاب ”كنت رئيسا لمصر” مذكرات لمحمد نجيب. ص 268 وص 269 ما يلى:

) وبينما يلقي جمال عبد الناصر خطابا في المنشية في 26 أكتوبر، احتفالا بتوقيع اتفاقية الجلاء، أطلقت عليه عدة رصاصات، وسط 10 آلاف شخص في السرادق واتهم محمود عبد اللطيف، كان محمود عبد اللطيف يجلس على بعد 15 مترا من المنصة مع الضيوف، وقيل إنه أطلق 9 رصاصات، لكن عبد الناصر لم يصب، وأصيب ميرغني حمزة ”وزير سوداني” وأحمد بدر المحامي.

ثم يعقب الكاتب نفسه في نفس الصفحة فيقول:” كانت هذه المسرحية المدبرة محاولة لتحويل عبد الناصر إلى بطل شعبي، ومحاولة لينسى الناس مواد اتفاقية الجلاء، ثم هي فرصة ليتخلص عبد الناصر من القوة الوحيدة الباقية وهي الإخوان، وظهر للعيان وبدون عناء أنها مسرحية؛ لأن محمود عبد اللطيف المتهم باغتيال عبد الناصر كان معروفا عنه مهارته في إصابة الهدف بالمسدس، كما أنه من الفدائيين المحترفين الذين أرقوا الإنجليز في منطقة القناة عام 1951م، ثم إن المسافة كانت قريبة تسمح له بإصابة الهدف وهو جسد عبد الناصر العملاق، ثم إن الرصاصات كانت 9، وكان من الطبيعي أن يصاب بواحدة منها على الأقل، ولو إصابة سطحية، أكثر من ذلك ذهب الاتهام إلى حد القول بشريك آخر يسنده بمسدس أو قنبلة، ولو أراد الإخوان أن يقتلوا عبد الناصر ويضمنوا نجاح العملية، فلماذا لم يرسلوا خمسة أو عشرة لتنفيذها؟.

واتضح فيما بعد أن الحائط المواجه لإطلاق النار لم يكن به أي أثر للرصاص، مما يثبت أن المسدس كان محشوا برصاص” فشنك”

الفتك بالإخوان واعتقال 20 ألفًا

(2)  جاء في كتاب ”أسرار حركة الضباط الأحرار” لحسين محمد أحمد حمودة، أحد الضباط الأحرار، في ص 163: وقد وضح تماما أن عبد الناصر هادن الإخوان ليلتقط أنفاسه في أزمة مارس 54 حتى يعد خطة جديدة للفتك بجماعة الإخوان وقد كان، فاتخذ من تمثيلية محاولة اغتياله في أكتوبر سنة 1954 مبررا لاعتقال عشرين ألفا من الإخوان، وتم تعذيبهم تعذيبا وحشيا في السجن بأسلوب بربري وهمجي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية”.

ويقول الكاتب ص 164 :”فحادث المنشية تمثيلية لا شك فيها لتبرير عمليات القمع والتعذيب والمشانق، ولو كانت محاولة اغتيال عبد الناصر صحيحة فلماذا لم يقدم الإخوان لمحاكم الجنايات، وفيها قضاة متخصصون وظيفتهم إقرار العدل بين الناس؟ ولماذا الضرب بالسياط حتى تتمزق الأجساد ونفخ البطون وألوان التعذيب؟ كل هذه التصرفات الإجرامية التي أقدم عليها عبد الناصر وأعوانه تؤكد أنه لم يكن هناك جريمة على الإطلاق ولا أدلة قانونية، وإذا كان هناك محاولة اغتيال حقا. فهل يعقل أن يشترك في التدبير لها عشرون ألفا من البشر؟ وإذا كانت الحكومة قد ألقت القبض على الفاعل فور ارتكابه الجريمة، فهل يعقل أن التحقيق معه قد أدى إلى اعترافه على عشرين ألفا حتى يقبض على هذا العدد في بضع ساعات بعد محاولة الاغتيال المزعومة، والمعقول أن كشوف المعتقلين كانت معدة قبل حادث الشروع في اغتيال عبد الناصر، يوم 26/ 10/ 1954م، وإن إطلاق الرصاص الفشنك عليه كان هو نقطة الانطلاق للحملة الشعواء ضد الإخوان.

وهل يعقل أن تكون نتيجة محاولة اغتيال شخص لم يقتل فيها ولم يمس بسوء أن يعدم ستة أفراد ويحكم على ألف إنسان بالأشغال الشاقة المؤبدة ويعتقل 19000 لعدة سنوات من تاريخ الحادث”.

(3) ويذكر الأستاذ الدكتور أحمد شلبي، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في جامعة القاهرة- ولم يكن من الإخوان- في (موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية) الجزء 9 ص 0 42 إلي 429: “في مساء 26 أكتوبر 1954 أقيم لعبد الناصر ورفاقه حفل تكريم في حي المنشية بالإسكندرية بمناسبة توقيع المعاهدة مع بريطانيا، وأقيم الحفل في سرادق ضخم ودعيت للاحتفال طوائف معينة، ثلاث هيئات بارزة مكلفة باحتلال مقاعد السرادق هي:

ا -هيئة التحرير.

2 – مديرية التحرير.

3 – الحرس الوطني.

ونظم استعمال السرادق أدق تنظيم بحيث تجلس كل جماعة من جماعات المدعوين في مكان محدد.. وبالتالي لم يكن هناك أي مقعد يمكن أن يتسلل إليه مغامر ليعتدي على عبد الناصر، فما كان الوصول إلى المقاعد أمرا ميسورا.

أليس الأيسر إطلاق الرصاص عليه وهو يركب عربة مكشوفة بشارع سعد وقد أعلن من قبل عن خط سير الموكب؟.

وإذا أعمل الإنسان فكره في الحقائق عن هذه الحادثة يجد أن الصحف ذكرت أن المسافة بين الجاني وموقف عبد الناصر الذي يقف على المنصة العالية وخلف حاجز من البشر قريبة، واستعمال مسدس أداة ضعيفة في هذا الموقف الرهيب.. وهل يعقل أن تنطلق ثماني أو تسع رصاصات من مسدس يمسك به رجل مشهود له بالدقة في إصابة الهدف.. ولا تنجح واحدة من هذه الرصاصات في إصابة الهدف، أو إصابة أي شخص من الذين يحيطون بعبد الناصر أو أي إنسان على الإطلاق؟ هذا مستحيل”.

شغل هواة

بعد الحادث طمأن المشرفون على الحفل الناس ودعوهم إلى الهدوء.. ولو كانت مؤامرة لانفض الحفل مخافة أن يكون هناك مزيد من الرصاص.

وتحدثت الصحف عن الإصابات البالغة، وهي تدري أن سببها الزجاج المتطاير، والجموع التي تحركت عقب الحادث، ولم تكن هناك إصابات من المسدس على الإطلاق، وثبت أن الحائط المواجه للحادث ليس به أي أثر للرصاص.

وذكرت الصحف أنها ضبطت لدي بعض الإخوان في الإسكندرية أسلحة ومفرقعات.. ورغم ذلك استعملوا مسدسا فقط.

ويقول الدكتور أحمد شلبي: ”حادث المنشية نفسه مشكوك فيه، وإدراج اسم محمد نجيب في هذه القضية فكرة ساذجة لوضع نهاية لهذا الرجل.”

(4)  ويروي الأستاذ فتحي رضوان، ما يؤيد هذا الاتجاه، حيث “كان عبد الناصر أكبر المتحمسين لإقالة محمد نجيب في أكتوبر 1954م. قال عبد الناصر في هذا الموضوع: ”في فبراير كان نجيب أقوي منا، وكان في إقالته ضرر، أما الآن فقد أصبحنا أقوى منه وعلى هذا ففي تأخير إقالته نفس الضرر”. (حكومة يوليو 92).

(5) ويذكر الأستاذ أحمد شلبى.. عندما أشيع أن محمد نجيب له صلة بالحادث وتدبيره، وتقرر تقديمه للمحاكمة، تدخل بعض زعماء السودان فقنع الثوار بعزل محمد نجيب وتحديد إقامته وإعفائه من المحاكمة.

(6) يروي صلاح الشاهد، أنه كان موجودا بسيارته مساء يوم 26، وسمع جزءا من خطاب الرئيس من مذياع بالسيارة ثم سمع الطلقات، فأسرع نحو بيت الرئيس ليكون مع أولاده في هذه الأزمة، ولم يجد صلاح الشاهد بالبيت اضطرابًا أو ذعرًا، وأخذ يداعب أولاد الرئيس الذين كانوا يلعبون، وهذا يوحي لي أن أسرة الرئيس كانت تعلم سلفا بما سيجري، وقد شاهد هذا الاطمئنان قبل أن يتصل بهم عبد الناصر من الإسكندرية.

ثم يعلق الدكتور أحمد شلبي على هذا الحادث فيقول: وبناء على هذه الأشياء أعتقد أن الحادث مختلق، وأسطورة مصنوعة لم يستطع مؤلفوها أن يجيدوا حبكها، فجاءت بها هذه الثغرات التي كشفت عن حقيقتها، ولكن ذلك كان بعد إراقة الدماء البريئة، وبعد تعذيب عدد هائل من أصفياء المسلمين، وإذا كان الظلام قد أحاط بهذا الحادث في حينه فنرجو أن تكون أشعة الضوء التي دوناها كافية لإبراز الحقيقة ولإنصاف المظلومين ومعاقبة الآثمين.

واختلاق هذا الحادث يقرره محمد نجيب في مقال له بمجلة الرأي الكويتية وفيه يقول: إن فكرة إطلاق الرصاص على عبدالناصر في الإسكندرية تتحدث عن مؤامرة وهمية من أولها لآخرها، وكانت مرتبة بواسطة رجل من أجهزة المباحث العامة، وقد كوفئ هذا بمنصب كبير أسند إليه، وقد استطاع هذا الرجل استئجار شاب مصاب بجنون العظمة، وأغراه بأنه لو اعترف بأنه حاول قتل عبدالناصر فسينال مكافأة ضخمة ويسمح له بالهجرة خارج البلاد.. فلما وقع هذا الفخ واعترف، صدر الحكم بإعدامه حتى يموت ويموت معه السر.

بقيت كلمة عن حادث المنشية، هي أن هذا الحادث كان ضمن مجموعة من أحداث تغلّب بها عبدالناصر على ما كان يعانيه من كراهية الشعب، وكانت هذه المجموعة من الأحداث وسائل استُغلت أوسع استغلال لخلق ما يمكن أن يسمى شعبية لعبد الناصر.

ويقول السيد حسن التهامي، أحد الضباط الأحرار، بمقال بروز اليوسف عدد أول مايو 1978م عن حادث المنشية: (وقد شد انتباهنا وقتها أن خبيرا أمريكي الجنسية في الدعاية، كان قد حضر إلى مصر، وكان من بين مقترحاته غير العادية، والتي لم (تتمش) مع مفهومنا وقت اقتراحها هو اختلاق محاولة إطلاق الرصاص على عبد الناصر ونجاته منها، فإن هذا الحادث بمنطق العاطفة والشعور الشعبي لا بد أن يزيد من شعبية عبد الناصر، لتأهيله للحكم الجماهيري إلى القيادة الشعبية من أقرب الطرق.

Facebook Comments