فجأة تحولت إسرائيل من كيان مستورد للغاز الطبيعي وفي أمسّ الحاجة إلى كل متر مكعب من الغاز، إلى كيان مصدّر لهذا المصدر الغني الذي أصبح من المصادر المهمة للطاقة، بفضل تعاون سلطات الانقلاب في مصر، التي لم تقصر في أي جهد من شأنه أن يساعد الكيان الصهيوني على تنمية موارده من الغاز، سواء بتقنين سرقته من المياه الإقليمية لمصر بعد التنازل عن حقول غاز المتوسط لصالح إسرائيل، أو بتواطؤ العسكر مع الكيان ضد دول أخرى من خلال اتفاقيات ترسيم الحدود، نكاية في تركيا وتمهيدا للاستيلاء على الغاز من دول أخرى، أهمها على السواحل الغزاوية.

وكشف تحقيق استقصائي نقلته شبكة “الجزيرة”، اليوم الإثنين، عن تفاصيل جديدة تنشر لأول مرة بشأن الغاز الموجود في بحر قطاع غزة بفلسطين، حيث دخلت السلطة في خط التعاون مع الكيان الصهيوني لتسهيل الاستيلاء على الغاز بصفقات مشبوهة وفرض الاحتلال الإسرائيلي التأميم لهذا الغاز على سواحل غزة.

وذكر التحقيق بدايات اكتشاف الغاز بغزة قبل عقدين من الزمان، وكيف تعاملت السلطة الفلسطينية آنذاك بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات مع هذا الاكتشاف الذي وصفه “بهبة السماء” لأهل غزة، وكيف كانت ستستفيد فلسطين من هذا الغاز كمصدر لتشغيل الطاقة ورافد لخزينتها العامة.

ونقل التحقيق عن خبراء، في مجال الطاقة والغاز، أن المبالغ التي كان سيدرها الغاز الفلسطيني تقدر بنحو 4.5 مليارات دولار سنويا، إذا ما تم استخراج هذا الغاز والاستفادة من الحقول المحيطة ببحر غزة.

ونشرت وثائق تثبت نقاوة غاز غزة مما يسهل بيعه، وقربه من الشواطئ مما يسهل عملية استخراجه بتكلفة مالية منخفضة وتحقيق مكاسب مالية كبيرة، وهو ما يغني فلسطين عن المساعدات والمنح والعيش تحت خط الفقر، كمثيلاتها من دول إنتاج الغاز بالعالم.

وكشفت الوثائق التي تفيد بتفويض السلطة الفلسطينية لرشيد- المقرب من القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان ويعيش معه في أبو ظبي- بالتفاوض والتصرف نيابة عن السلطة الفلسطينية بكافة الأمور المتعلقة بالغاز وتطويره، قبل أن تلاحقه بقضايا فساد ونهب للمال العام وغسل الأموال.

وأفادت “الجزيرة” بأن السلطة الفلسطينية عام 1996، كلفت المهندس إسماعيل المسحال بالتواصل مع شركات مختلفة منها “جي إف إي” الألمانية و”روبرتسون” البريطانية للتفاوض حول التنقيب وعمليات الاستخراج، قبل أن تتواصل مع شركة “بريتش غاز” لتطوير حقل الغاز ببحر قطاع غزة، والتفاوض مع الشركة عبر مسارين: الأول عبر المسحال، والآخر عبر محمد رشيد مستشار عرفات، والمعروف باسم خالد سلام.

وأشار التحقيق إلى أن إسرائيل لم تكن ظاهرة في عمليات التفاوض والتوقيع، لكنها كانت حاضرة بكل عمليات المسح والتنقيب بدعوة من الشركة المنفذة لذلك، قبل أن تبدأ شركة بريتش غاز بالتفاوض مع تل أبيب لشراء الغاز المستخرج بحجة أن فلسطين لا تستخدم كل الكمية المستخرجة.

ولعب وزير الطاقة الفلسطيني حينها “عزام الشوا” دورًا كبيرًا في تسهيل الصفقة بالتفاوض مع إسرائيل إبان الانتفاضة الثانية، والتوصل إلى اتفاق يقضي بأن تحصل تل أبيب على الغاز مقابل تزويد المناطق الفلسطينية بالكهرباء، وتخفيف مديونية غزة لشركة الكهرباء الإسرائيلية، وبناء محطة كهرباء إضافية بالقرب من غزة، قبل أن يوقف الاتفاقَ رئيسُ الوزراء الإسرائيلي (آنذاك) أرييل شارون.

وتوصل التحقيق إلى أن إسرائيل سعت لتعطيل تصدير الغاز من فلسطين باقتراح نقله إلى مصر وتصديره من هناك، قبل أن توقع القاهرة وتل أبيب اتفاقية تقضي بشراء الأخيرة الغاز من الأولى وإيقاف نقل غاز غزة، وهو ما دفع شركة بريتش غاز لإيقاف بيع الغاز واستخراجه، وإبقائه حبيس الآبار.

وأظهر التحقيق قيام سلطات الاحتلال بالتنقيب ببحر غزة وحفر الآبار وتصدير الغاز على أنه إسرائيلي، مع منع الفلسطينيين من حقهم بالتنقيب أو التصدير أو الاستفادة من العائدات جراء بيع غاز غزة.

نفس الدور قامت به سلطات الانقلاب في مصر حاليا، لتسهيل استيلاء الكيان الصهيوني على الغاز في سواحل غزة، من خلال التفاوض على حل القضية المقامة بين الجانبين في توقف تصدر الغاز المصري إلى إسرائيل.

حيث من المفترض- بحسب ما أعلنت عنه إسرائيل- أن تتم تسوية قريبة لدعوى تحكيم بين مصر وإسرائيل بشأن اتفاق لتصدير الغاز الطبيعي، وفق ما أعلنه وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتابنتز، الذي قال إن هناك تفاهما نهائيا، بالفعل، ولكن الأمر يحتاج إلى موافقة هيئة الكهرباء الإسرائيلية، والجانب المصري، على حد تعبير الوزير الإسرائيلي.

وكان اتفاق لتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل عبر خط أنابيب، قد انهار بسبب هجمات شنها إسلاميون في سيناء، وفي 2015، أمرت غرفة التجارة الدولية مصر بسداد تعويض قدره 1.8 مليار دولار لشركة كهرباء إسرائيل المملوكة للدولة بعد انهيار الاتفاق، ولكن القاهرة طعنت في القرار ولم يجر التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، قبل أن تعلن شركة كهرباء إسرائيل أنها اقتربت من التوصل إلى اتفاق تُسدد بموجبه مصر 500 مليون دولار على مدى ثمانية أعوام ونصف العام.

وأكد وزير الطاقة الإسرائيلي، في إطار التفاوض مع سلطات الانقلاب في مصر لتسهيل الاستيلاء على غاز غزة مقابل حل القضية الخاصة بالتعويضات مع مصر، أن هذا الخلاف لا يمنع إسرائيل من التوسع في العلاقات بقطاع الطاقة مع مصر، قائلا: “لا صلة بأي حال من الأحوال بين التحكيم والتعاون الإسرائيلي المصري والعلاقات في مجال الطاقة. ليس لدينا سلطة حكومية على مثل هذا النوع من التحكيم التجاري”.

وترى إسرائيل في مصر سوقًا مهمة لتصدير الغاز الذي اكتشفته حديثا، ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ اتفاق تاريخي لتصدير غاز بقيمة 15 مليار دولار هذا العام، حتى إن شركة ديليك دريلينج الإسرائيلية تدرس إمكانية التوسع في مصر بشراء مرافئ غاز طبيعي مسال ستصدر الغاز إلى أوروبا.

فيسبوك