عدة مواقع وصحف تنشر بتوسع: شاب يؤجر زوجته للجنس الجماعي مقابل ثلاثة آلاف جنيه في الساعة.. وفي الأثناء، يستضيف نادي تابع للقوات المسلحة في الإسماعيلية حفلًا صاخبًا لمطرب المهرجان صاحب رائعة "حشيش وخمور" مقابل ألف جنيه للتذكرة الواحدة.

ارجع قليلًا بالذاكرة، واستخرج أولى حفلات المجون الجامعي التي أحياها رئيس جامعة/ مهرجان القاهرة، عثمان الخشت، لمناسبة التصويت على تعديلات دستور عبد الفتاح السيسي، وهو يمسك بالميكروفون ليؤدي نشيدًا للفساد، مقايضًا الطلاب على النجاح في مواد الدراسة مقابل التصويت لصالح مواد الدستور التي تجعل السيسي حاكمًا إلى ما لا نهاية.

دعني أفرد المشهد أمامك مجددًا كما سجلته في ذلك الوقت: في طقس انتخابي عاصف، اعتلى الرجل منصةً شاهقةً في جامعة القاهرة، ثم امتشق ميكروفون هادر، وهتف "تحيا مصر" ثلاثًا، وسط حفل غنائي صاخب، موزّعًا العطايا ذات اليمين وذات الشمال:

إعفاء الطلاب ساكني المدن الجامعية من رسوم الإقامة والتغذية لشهر رمضان، إعطاء كل طالب نسبة 5% درجات رأفة لطلاب البكالوريوس والليسانس، حتى لا يعيد الطالب العام الدراسي لرسوبه في مادة أو اثنتين، إعطاء إجازة أسبوع للعاملين والطلاب وأعضاء هيئة التدريس من 25 إلى 29 أبريل/ نيسان الجاري بمناسبة أعياد شم النسيم.

اقفز من الذاكرة القريبة إلى اللحظة الراهنة، واذهب إلى ستاد القاهرة الرياضي الدولي، الذي أصبحت إقامة المباريات فيه ضربًا من المستحيل، لكنه متسامحٌ للغاية ومرحّب بمهرجانات الغناء الساقط .. واستمع لاثنين من المهرجانيين يحدّثان بنت الجيران بلغة الخمور والحشيش ثم اسأل نفسك: هل تجد تفاوتًا بين خشت جامعة القاهرة وشاكوش ستاد القاهرة؟

لن يكون جديدًا لو قلت إن مصر تعيش مرحلة تنفيذ مشروع قومي للانحطاط والإسفاف والبذاءة، حيث كل الموارد والإمكانات مسخّرة لصناعة النموذج القذر للدولة، وبالتزامن مع انتشار وباء كورونا يشتد هجوم فيروس المهرجان في مصر باتخاذه أطوارا أكثر خطورةً، بالنظر إلى أن السلطات الغنائية التي تشكو وتئن الآن سبق لها أن قامت بمحاربة مضادّات المهرجانات، وطاردتها حتى أخرجتها من الحدود، فلم تعد ثمّة مساحة لفن محترم، أو فنان حقيقي، لا يتكيّف مع الانقلاب القيمي المفروض على البلاد بالقوة.

ليست المسألة تتعلق بالفنون والغناء فحسب، بل كل شيء يمر بفترة "مهرجانية" من السياسة إلى الدين، مرورًا بالرياضة والإعلام، بحيث لا توجد فوارق جوهرية بين أداء السيسي في حفلاته المتكررة، وأسلوب رجل الدين الذي يترك كل شيء يخص الإنسان بما هو إنسان، ويتحدث عن معاشرة الحيوانات جنسيًا، أو يسحب العباد والبلاد إلى قضية الفلانتاين في لحظةٍ تتحرّك فيها قافلة المشروع الصهيوني لالتهام القدس والمسجد الأقصى، انطلاقًا إلى صهينة المنطقة العربية كلها، إن لم يكن باحتلال الأرض، فباحتلال العقل والوجدان.

وليس بعيدًا عن مضمون "المهرجانات" ما تراه وتسمعه في برامج التوك شو، على كل القنوات وبمنهج مدروس وتخطيط مسبق، لا يختلف عن مهرجانات التنابذ الكروي التي يتعارك فيها رؤساء أندية ونقاد رياضيون، عبر القنوات الرسمية، أو من خلال تقنية البث المباشر، لكنهم، في نهاية المطاف، جنود مخلصون لمشروع واحد، هو المشروع القومي لتسييد القبح والرداءة وقلة القيمة.

ستسمع أحدهم يردّد محفوظاتٍ من عيّنة: لا مصادرة لحقّ الناس في تعاطي ما يشاءون من أصناف فنية، وأن هذا اللون من الغناء عرفته عصور سابقة على فترات، وهذا كله حدث ومرّ بنا، غير أن ذلك كان الاستثناء أو الشذوذ، ولم يكن أبدًا مشروعًا تتبنّاه الدولة، وتفرضه فرضًا على الناس، وتفتح له أندية القوات المسلحة، وستاد القاهرة المغلق بأقفالٍ غليظةٍ في وجه جماهير الكرة .. بل كان من الممنوعات التي تروج وتتناقل سرًا. وعلى سبيل المثال، حين بدأت ظاهرة أحمد عدوية في بداية سبعينيات القرن الماضي كانت أغنياته تتداول في الملاهي الليلية، أو عبر القسم العربي من إذاعة العدو الصهيوني، ولم تأخذ طريقها إلى منابر الدولة الرسمية، تلفزيون أو إذاعة أو نوادي الجيش والشرطة ومسارح الجامعات والهيئات الرياضية.

ثم أننا نظلم كثيرًا إنتاج أحمد عدوية وغيره من مطربي الغناء الشعبي، إذا ما وضعناه في مقارنةٍ مع يتم تكريسه وفرضه على الذوق العام الآن، كما أن الكارثة ليست في كوبليه غنائي يقول" أشرب خمور وحشيش"، والتحجج بأن محمد عبد الوهاب غنى قديمًا "الدنيا سيجارة وكاس". وفي ذلك قرأت منشورًا طويلًا على فيسبوك بذل فيه صاحبه (أحمد فايز) جهدًا محترمًا في إطار ما يمكن اعتبارها عملية " تحليل مضمون"  لما تسمّى أغاني المهرجانات، مرفقًا به روابط لنماذج من هذه الأعمال ذائعة الصيت بين قطاعات من الجمهور الآن، فوجدت ملامح مشروع واحد، يتأسس على كلمات ورسائل قذرة، يشيب لها شعر الرضيع، ويلقى دعمًا رسميًا وشبه رسمي، وأنهم قرّروا إضرام النار في كل ما هو محترم وجاد وحقيقي.

وبعد أن قرأت واستمعت، أدركت أن العدالة تقتضي، قبل محاكمة مطربي الصنف، أن تتم محاكمة كل مذيعة أو مذيع روّجوا لهذا الانحطاط باستضافته، أو حتى التعليق عليه، وكل مسؤول فتح الطريق لكل هذا القبح. غير أني تذكرت أني شاهدت على منصّات العدالة ما لا يختلف كثيرًا عما تراه في هذا الغثاء المسمّى "مهرجانات".

أخيرًا، ليس صحيحًا القول إن الانهيار الحضاري والثقافي والانحدار القيمي نتاج طبيعي للحكم العسكري، ذلك أن التاريخ الحديث يخبرنا أن أجمل فترات الازدهار الثقافي في مصر كانت تلك التي تولى الثقافة والفنون فيها الجنرال، ثروت عكاشة، في مرحلة كانت مصر محكومة خلالها بالضباط الذين سيطروا على الحكم في يوليو/ تموز 1953 وفي زمن الستينات كان ثمّة إنتاج إبداعي حقيقي في الأدب والفنون وحركة الترجمة .. كانت نهضة ثقافية حقيقية في فترة شديدة القمع وبالغة الإهدار للحريات العامة.

أما الآن فهذه ليست دولة، ولا معسكر .. هي مهرجان كبير.

نقلا عن "العربي الجديد"

Facebook Comments