انعكست حالة الهذيان السياسي التي تسيطر على خطاب عبد الفتاح السيسي على إعلامه، فصار يمارس الهلوسة، باعتبارها منتهى الحكمة والوطنية، والسطور القادمة عن المخبرين البؤساء في إعلام السيسي ومصادرهم التعيسة في الخارج، بشأن ما نشر متضمناً حشر اسمي ضمن ما يسمى مجلس العلاقات الأميركية المصرية.منذ اللحظة الأولى لإشعال مواقد الكلام حول ما تسمى الانتخابات في مصر، قلت إن هذا عبث وتهريج، لا ينبغي لأصحاب الهم والدم الانشغال به، أو الاستغراق في الثرثرة حوله. ولم يتغير موقفي من هزلية وعبثية المشهد الذي يسمونه انتخابياً لحظة واحدة، سواء كان المطروح فيه جنرالاً، مثل أحمد شفيق وسامي عنان، أم حقوقياً يسارياً، مثل خالد علي، أو حتى بهلوانياً، مثل الذي وقع عليه الاختيار ليلعب دور المنافس المهزوم أمام بطل الفيلم.

خسرت بهذا الموقف أصدقاء ومعارف كثيرين، وهو ما سبب لي سعادة غامرة، إذ كان البديل أن تخسر نفسك وقناعاتك ومبادئك، أو تسكت عما تراه مبتذلاً ومجحفاً. ومنذ أيام قلائل فقط انتقدت بحدة كلاماً يجري على لسان أحدهم بالقول “إخواني أمريكاني يحلم بسامي عنان بطلاً مصرياً ضد الانقلاب، مثل الرئيس محمد مرسي.. من أي مادة مطاطية صنعت ضمائر هؤلاء”.

وقبل ذلك بنحو أسبوع، كان صدام آخر على الهواء مباشر مع أكاديمي مصري أميركي بدا متحمساً للغاية لانتخاب الجنرال سامي عنان، وفي أكثر من مناسبة قلت لمن يشغلون أنفسهم بهذا التهريج “مشكلتك أنك، منذ البداية، تعاملت مع فيلم هابط ومبتذل اسمه الانتخابات، باعتباره شيئاً جاداً وفرصة للتغيير.. استمر في مضغ أوهامك اللذيذة”.

غير أن ذلك كله لم يمنع عسس الإعلام السيسي داخل مصر من طرح توليفة من الأكاذيب المضحكة بشأن دور مزعوم لي في طرح مشروع انتخاباتٍ موازية في الخارج، من خلال نشاطي فيما يسمى “مركز العلاقات المصرية الأميركية”. وهنا أتوقف عند مجموعة من الملاحظات:

أولاً: يبدو أن هذه الأكاذيب صناعة هواة صغار، وليست من صنع أجهزة، كما هو معتاد، ذلك أن أجهزتكم الأمنية تعلم جيداً أن المرة الوحيدة التي سافرت فيها إلى أميركا كانت هي الأخيرة، وفيها تم إيقافي والتحقيق معي عشر ساعات في مطار كيندي بنيويورك، وعلى أثرها تم إلغاء تأشيرة دخولي إلى الولايات المتحدة في إبريل 2016، وقد سردت في مقال منشور منذ عامين ما دار بيني والمحقق المستفز الذي أخبرني بأنه كان يشتغل على ملفي قبل أن أستقل الطائرة من الدوحة. وعلمت، فيما بعد، أن البلاغ المقدّم لمنعي من دخول أميركا من النوع الثقيل، إذ لم تكن الحكومة المصرية وحدها مشاركة في البلاغ، وإنما جهات ولوبيات أخرى.

ثانيًا: في العام الماضي (2017)، وتحديداً في شهر أغسطس/ آب، تلقيت دعوة من معهد بروكينجز في الولايات المتحدة، للمشاركة في الملتقى السنوي له، والذي يحضره لفيف من زعماء العالم والسياسيين والإعلاميين، فاعتذرت لإدارة المعهد، لأنني لا أريد تكرار ذلك الموقف السخيف الذي تعرّضت له، في زيارتي الأولى والوحيدة للولايات المتحدة، فضلاً عن أنني لا أملك تأشيرة دخول أميركا.

لكن إدارة المعهد ألحت على قبول الدعوة، وأكدت لي أنها ستعالج الأمر مع الجهات الأميركية المسؤولة، وليس علي سوى أن أتقدم بطلب تأشيرة جديدة، وهو ما حدث، لكن القنصلية الأميركية في الدوحة رفضت استلام الطلب، وأبلغت أن الحظر على اسمي لا يزال قائماً من السلطات الأميركية. وانتهى الأمر هنا، وشكرت إدارة معهد بروكينغز على الدعوة، وأبلغتهم أنني لن أستطيع السفر.

ثالثًا: في المرة الأولى والوحيدة والأخيرة التي زرت فيها أميركا، كان ذلك بدعوة رسمية من جامعة نيويورك، للمشاركة في نقاش أكاديمي عن أوضاع مصر السياسية خلال الفترة من انتخاب الرئيس محمد مرسي إلى الانقلاب عليه. وتضمنت الزيارة مؤتمراً استضافته جامعة هارفارد كان منقولاً على الهواء مباشرة. وفي المناسبتين كان معي الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، وكان من الطبيعي الالتقاء بأفرادٍ عديدين من الجالية المصرية في الولايات المتحدة، والحديث معهم في لقاءات مفتوحة ومذاعة، بوصفهم مصريين، من دون أن أهتم بمعرفة ما إذا كانوا ينتمون لكيانات أو مجالس أو مراكز.

رابعًا: ليس لي علاقة بمركز أو مجلس العلاقات المصرية الأميركية، ولا أعرف عن نشاطه شيئاً، كما أنني لم أقابل الزميل حافظ الميرازي الذي يزعم المخبرون أنني أشاركه قيادة المركز المذكور، إلا مرة حين نزلت عليه ضيفاً في برنامجه على شاشة “دريم” في القاهرة عام 2011.

أيضًا لم أكن، ولن أكون عضواً في أي مجلس أو كيان أو ائتلاف خارج مصر أو داخلها، مكتفياً وراضياً بدوري كاتباً صحافياً، مع خالص التقدير والاحترام لكل جهد (مخلص ومحترم) من أفراد أو كيانات، يحاول انتشال مصر من هذا العار الحضاري الذي تغوص فيه.

خامسًا: حين طُرحت ما تسمى “مبادرة واشنطن” قبل أكثر من عام، كنت أول من رفضها، وكتبت أن البديل لا يُصنع أو يُستورد من الخارج، بل هو هناك تحت أقدام من يبحثون عنه، في تربةٍ لا تمنح زرعها إلا لمن يوفيها حقها من الكفاح.

أخيراً: مستوى المخبرين وكتبة التقارير في مصر هبط إلى أحط مستوياته.. غيّروهم.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments