في إطار المماحكات السياسية التي يجيدها الانقلاب، الذي بدا خارج إطار القانون الدولي والأعراف والمواثيق المتعارف عليها في كثير من خطواته وقراراته الجهجهونية، التي فضحتها التحركات التركية الأخيرة؛ في ليبيا وفي شرق البحر المتوسطـ والتي وضعت السيسي في زاوية المعتدي البلطجي.

حيث جاءت تحركات تركيا في المنطقة وفق قواعد القانون الدولي بالاتفاق مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، بينما حرص السيسي على التدخل العسكري لإراقة دماء الليبيين لصالح الانقلابي حفتر بأوامر من سيده محمد بن زايد، وخاطبت الحكومة الليبية والتركية الأمم المتخدة لتسجيل اتفاقهما، بينما استمر السيسي في البلطجة بإرسال الننقاتلات المصرية لتريق دماء الشعب الليبي.

وعلى طريقة الشوارعية والغانيات في أسواق الدعارة، قررت محكمة القضاء الإداري بمصر، تحديد جلسة 15 فبراير لنظر دعوى لاتخاذ إجراءات التقاضي الدولي ضد تركيا، لمطالبتها برد الأموال التي حصلت عليها تحت مسمى “الجزية”، التي كانت تسددها مصر للدولة العثمانية إبّان الحكم العثماني لمصر.

وفي بداية شهر يونيو 2018، أقام المحامي “حميدو جميل” دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، يطالب فيها المحكمة بإلزام السيسي ورئيس الحكومة ووزير الخارجية بمطالبة تركيا برد الأموال التي تحصلت عليها من مصر تحت مسمى “الجزية”.

“جميل” طالب أيضا بتحفظ الحكومة المصرية على الأموال المملوكة لدولة تركيا في مصر، وعدم تسليم ما تبقى من الوديعة التركية لدى البنك المركزي المصري، والتحفظ عليها لصالح الدولة المصرية وفاء للديون المصرية على تركيا.

ويرى المحامي صاحب الدعوى أن مصر استمرت في دفع الجزية للدولة العثمانية “عن طريق الخطأ”، على مدى 40 عاما، في الفترة ما بين عام 1915 وعام 1955، بينما كانت علاقة مصر قد انتهت رسميًّا بالخلافة العثمانية عام 1914 بإعلان الحماية البريطانية عليها.

وبلغ إجمالي ما دفعته مصر في تلك الحقبة، بالجنيهات الذهبية 23 مليون و174 ألفًا و984 جنيهًا ذهبيًّا.

يذكر أن المحامي “حميدو جميل” كان قد أقام دعوى طالب فيها بإلزام بريطانيا بدفع تعويض للشعب المصري عن سنوات الاحتلال، وإلزامها بنزع 10 ملايين لغم زرعتها في الصحراء الغربية خلال الحرب العالمية الثانية.

وهناك توتر متصاعد بين القاهرة وأنقرة، منذ الانقلاب العسكري منتصف 2013، وازداد التوتر عقب اقتحام قوات الأمن المصرية قبل يومين مقر وكالة الأناضول التركية بالقاهرة واعتقلت 4 من صحفي الوكالة قبل أن تفرج عنهم في وقت لاحق.

رفض المفوصين

يشار إلى أنه يوم 11  يناير الجاري، أصدرت هيئة المفوضين، بمحكمة القضاء الإداري، بمجلس الدولة – تقريرًا قضائيًا أوصت فيه بإصدار حكم قضائي بعدم الاختصاص ولائيًا بنظر الدعوى المقامة من حميدو جميل البرنس، المحامي، التي طالب فيها الحكومة باتخاذ جميع إجراءات التقاضي الدولي ضد تركيا لمطالبتها برد الأموال، التي تحصلت عليها تحت مسمى الجزية، التي كانت تسددها مصر للدولة العثمانية إبّان الاحتلال العثماني لمصر والتي استمرت الدولة المصرية تدفعها لتركيا حتى بعد انتهاء الخلافة العثمانية ووقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني، لتعلقها بعمل من أعمال السيادة.

أموال اليهود؟

وفي سياق مشابه لما يقوم به السيسي،  ما فتأت إسرائيل تزعم كل فترة أنها بصدد المطالبة بتعويضات عن هذه الأملاك في مصر والدول العربية، كما يحاول “الكنيست” الإسرائيلي بين الحين والآخر إثارة مسألة أملاك اليهود في مصر، من خلال مشروعات القوانين المختلفة التي يقدمها بعض النواب.

ومن أشهر الممتلكات التي يزعم اليهود أنهم ما زالوا يمتلكونها في مصر، محلات عمر أفندي، والتي تأسست عام 1865 وكانت تحت اسم “أوروذدي باك” في منطقة شارع عبد العزيز بالقاهرة، ومحلات صيدناوي، وهي شركة مصرية تأسست عام 1913، بواسطة شخص يهودي اسمه “سليم سمعان”، بمنطقة الخازندار بحي الموسكي، على مساحة 8530 مترًا، وعدد فروعه 70 فرعًا على مستوى مصر و65 مخزنًا.

وكذلك محلات شيكوريل، والتي أسستها عائلة شيكوريل الإيطالية الأصل عام 1887 ورئيس مجلس إدارتها مورينو شيكوريل عميد العائلة.

وهناك شركات أخرى، مثل، إميل عدس أو الشركة المصرية للبترول، وشركة “بونتبوريمولي”، وكانت من أشهر شركات الديكور والأثاث، وأسسها هارون وفيكتور كوهين، و”جاتينيو” وهي سلسلة محال أسسها موريس جاتينيو الذي احتكر تجارة الفحم ومستلزمات السكك الحديد، وكانت عائلة عدس من العائلات اليهودية الشهيرة في عالم الاقتصاد وأسست مجموعة شركات مثل بنزايون، ريفولي، هانو، عمر أفندي.

في شهر أبريل عام 2013، نشر موقع العربية السعودي تقريرا تحت عنوان “50 ألف يهودي مصري بإسرائيل “يملكون” مليارات في القاهرة.. يعتبرون من كبار رجال الأعمال وأصحاب الأموال ومن أكثر الطوائف نفوذًا وانفتاحًا”.

جاء في التقرير: “يُعد اليهود المصريون من أكبر الطوائف اليهودية في العالم العربي، وأكثرها نفوذًا وانفتاحًا، ويقدر عددهم حاليًا في إسرائيل بنحو 50 ألفًا”.

وفي 22 يناير عام 2015 نشرت بوابة “روزاليوسف” الإلكترونية تقريرا تحت عنوان “مقابر البساتين أمل اليهود فى العودة للقاهرة”، قالت فيه: “تعتبر مقابر اليهود بالبساتين بحسب الجالية اليهودية فى القاهرة هى ثاني أقدم مقبرة يهودية فى العالم بعد جبل الزيتون ما زالت موجودة حتى الآن وتبلغ مساحتها 120 فدانا تقاسمتها طائفة القرائيين وطائفة الربانيين، وتسمى في العامية “ترب اليهود”، وتضم رفات اليهود المقيمين بمصر قبل هجراتهم الجماعية من مصر، وتقع في الجهة الشرقية من حى البساتين، بين وسط القاهرة والمعادي وقد امتلأت هذه المنطقة بسكان المقابر وقامت على أطلالها عزبة النصر وأصبحت تشمل المنطقة السكنية المتاخمة للمنطقة الباقية من مقابر اليهود”.

وأضاف التقرير: “وفي حين تضع الجالية اليهودية تلك المقابر ضمن ممتلكاتها فى القاهرة وتعتبرها أحد معابدها، بل وتطالب بها أيضا، فبحسب ما أقرته الجالية اليهودية فإن مقابر البساتين كانت بتبرع من أحمد بن طولون في القرن التاسع التي كانت جزءا من الصحراء، ومن أهم الشخصيات التي تأثر بها اليهود ودفن فى مقابر البساتين ويوليه اليهود اهتمام خاص هو الحاخام سعديا غاؤن المعروف أيضا باسم “سعيد الفيومي” وهو من اليهود المصريين الذين كتبوا الكتاب المقدس باللغة العربية ووضع أسس النحو العبري، واعتبر دوليا بوصفه شخصية اليهودية البارزة والأدبية والسياسية في العصور الوسطى، كما دفن فيها العديد من المشاهير من بين اليهود المصريين، وكان قد هرب الى القاهرة من الإرهاب الأوروبي”.

ويقول خبراء القانون الدولي: إن استرداد أملاك اليهود في مصر إشكالية صعبة وأدلة إثباتها أصعب، وستكون محاولة مزدوجة فهو سيطالبون باسترداد أملاكهم ونحن سنطالب بتعويضات عن العديد من الأشياء، ولكن عموما إذا كان لديهم مستندات وفي حال إطلاع المحكمة على المستندات الرسمية التي تثبت ملكيتهم سيقضي القضاء بأحقيتهم فيها أو تعويضهم عنها، وفقًا لما تحدده المحكمة، ولكن إذا كان قد صدر أحكام بسلب هذه الأموال والممتلكات نتيجة أعمال غير مشروعة فلن يستردوها، كما أن هذه الممتلكات قد صودرت اعتمادا على قانون العدالة بعد ثورة 1952، ولن يتمكن أحد من استعادة أملاكه إذا كان طبق عليه قانون التأميم، لأن هذا القانون كان نوع من العدالة الاجتماعية، إلا إذا كان القانون قد استثنى المسلمين والمسيحيين من ذلك، ولكن هذا لم يحدث، كما أن التنازل عن الجنسية المصرية ليس له علاقة بالمطالبة بالأملاك قانونيا، كما أنهم يستطيعون استرداد هذه الممتلكات إذا أثبتوا أنهم رحلوا قسرا أو كرها عن دول الموطن الأصلي الذي كانوا يعيشون فيه، وهذا صعب جدا أيضا إثباته.

وهكذا تبدو صعوبة استرداد أموال اليهود، وهو ما يمكن القياس عليه في مسالة اموال الجزية والتي كانت وفق القوانين المعمول بها في مثر والمنطقة، حيث كانت تحصل مقابل الحماية العثمانية.

ولكن على ما يبدو أن مماحكات السيسي مع تركيا لن تتوقف، حيث يسعى لعزلها في منطقة المتوسط، على الرغم من حقوقها المشروعة والتي في حال احترامها ستستفيد مصر كثيرا من ورائها بتوسيع حدودها البحرية.

Facebook Comments