يشهد الكيان الصهيوني منذ عدة أيام مظاهرات عرقية عارمة يقودها الآلاف من يهود الفلاشا وهم من أصل إثيوبي؛ حيث اشتبكوا مع شرطة الكيان الصهيوني احتجاجا على مقتل مراهق من أصل إثيوبي على يد عناصر الشرطة. إلى ذلك هدد المتظاهرون بالزحف إلى ميدان “رابين” لليوم السادس على التوالي؛ الأمر الذي دفع عدة صحف وكتاب مقالات ومراكز بحث للتحذير من تفكك “إسرائيل” داخليا على وقع التمييز والعنصرية ضد يهود الفلاشا وغيرهم.

وتعود الأحداث إلى مساء يوم الأحد الماضي في بلدة كريات حاييم شمال حيفا؛ حيث قتل المراهق سولومون تيكاه 19 عاما، على يد أحد رجال الشرطة خارج الخدمة، ادّعى أنه كان هناك مشاجرة بين شبان، وعندما حاول التفريق بينهم وتعريف نفسه قام الشبان بقذفه بالحجارة وقد شعر بأن حياته في خطر، فأطلق الرصاص عشوائيا فأصابت المراهق وقتلته، وفقا لموقع بي بي سي. تلك الرواية رفضها  شهود عيان، مؤكدين أن الشرطي لم يتعرض لأي هجوم، وأن ما فعله ما هو إلا أمر عنصري يمارس ضد يهود الفلاشا من أصل ثيوبي.

تطورت الأحداث في اليوم التالي، وأثناء تشييع جنازة المراهق الإثيوبي خرج بعدها آلاف المتظاهرين ونظموا اعتصامات وقاموا بإغلاق الشوارع وحرق الإطارات وهاجموا قوات الأمن، وإثارة الفوضي، وانتقلت المظاهرات من حيفا إلى تل أبيب، وأصبحت الأمور أكثر تعقيدُا، خاصة بعد تهديد اليهود من أصل إثيوبي بالزحف على ميدان رابين والاعتصام هناك إذا لم يتم اتخاذ قرار حاسم بشأن الشرطي المتورط في قتل المراهق.

من جانبها، ردت قوات الشرطة بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع للتفريق المتظاهرين، بالإضافة إلى ظهور بعض أفراد الشرطة الذين يمتطون خيول ذات رداء أسود طويل، فضلا عن اعتقال أكثر من 136 شخصا من المحتجين. وأعلن المتحدث باسم الشرطة ميكى روزنفيلد إصابة 111 ضابطا بجروح ما بين خفيفة ومتوسطة، بعد أن ألقيت عليهم الحجارة، والزجاجات والقنابل الحارقة، بحسب تصريحات لموقع سي إن إن.

وفي محاولة لامتصاص غضب المتظاهرين، قررت حكومة الكيان الصهيوني وضع الشرطي محل الاتهام رهن الإقامة الجبرية بمنزله، لحين صدور نتائج التحقيقات التي قد تستغرق أسبوعين، لكن وفقا لرئيس الطائفة الإثيوبية بإسرائيل فقد تم الإفراج عن الشرطي المتورط، فاعتبر المجتمع الإثيوبي تلك الخطوة مثالا لعدم الاحترام، ومثالا آخر على هروب الشرطيين الفاسدين من العقاب، وفقا لما نقلته صحيفة ذا تايم أوف إسرائيل نقلا عن القناة 11 العبرية.

ومع اشتعال الأحداث مجددا، نعى رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو المراهق الإثيوبي، مطالبًا المتظاهرين بالتوقف عن إثارة الشغب، ووعد بمحاسبة الشرطي والوصول إلى الحقيقة. كما قام وزير الأمن العام جلعاد إردان الخميس الماضي بزيارة عائلة المراهق لتقديم تعازيه، وقال إن البلاد بكاملهما تشارك العائلة حزنها، بحسب صحيفة ذا تايم أوف إسرائيل. وصرح أردان لإذاعة الجيش، بأن هناك انعدام ثقة بوحدة التحقيق مع أفراد الشرطة، وأنا أصدق يهود الفلاشا عندما يقولون إن هناك إخفاقات وعنصرية في سلوك الشرطة، وكثير من التحقيقات لا يتم إجراؤها بجدية.

واعترف بأن العنصرية موجودة ضد المجتمع الإثيوبي في إسرائيل، ويجب عدم تجاهلها أو التستر عليها، ولكنه دافع عن الشرطة ضد مزاعم أنها فشلت فى احتواء المظاهرات ولم تستطع فتح الشوارع رغم مرور ساعات، كما أنها لم تمنع انتشار العنف، وقال إن أي تعامل صارم مع المتظاهرين سيتسبب في تفاقم الأمور والاتهامات ضد الشرطة.

هل تتفكك إسرائيل؟

وتقدر الطائفة الإثيوبية في إسرائيل بـ140 ألف شخص، بينهم أكثر من 20 ألف شخص ولدوا في إسرائيل، وأغلبهم من مجتمعات المنعزلة. ونقل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، وهي من العمليات المخابراتية التي تفتخر بها إسرائيل، حتى أنها خصصت لها حلقة كاملة من المسلسل الوثائقي ” Inside Mossad 8201″ للتحدث عن كيفية نقلهم من إثيوبيا إلى إسرائيل.

وعلى الرغم من هذا يطلق عليهم “بيتنا إسرائيل” أي جماعة إسرائيل ويعانون من العنصرية؛ حيث لا يتمتعون بنفس الحقوق أو الوظائف للطوائف لليهودية الأخرى، وقد رفض رؤساء الوزراء ومنهم جولدا مائير الهجرة الجماعية من يهود إثيوبيا، ووصل الأمر إلى إبعاد من يصل منهم بحجة أنه لا ينطبق عليه قانون العودة.

هذه الأحداث المتصاعدة دفعت الكاتب الإسرائيلي يهودا شوخات إلى التحذير من أن “المظاهرات العارمة التي تشهدها إسرائيل في الأيام الأخيرة مع اليهود من ذوي الأصول الأثيوبية، وقبلها الاحتجاجات التي يقوم بها اليهود الحريديم، وقبلهما الاعتداءات التي يتعرض لها العرب من الشرطة الإسرائيلية، كل ذلك يفرز أمامنا حالة من التفكك الاجتماعي والتفسخ الداخلي في إسرائيل، ويبدو أن هناك من يكسب من ذلك”.

ويضيف مسئول قسم التحقيقات في الصحيفة في مقاله، بصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أنه “قبل أسبوع فقط شهد سوق محنيه يهودا في القدس موقفا مماثلا: سيدة تلبس ملابس المتدينين، تعاني من أوجاع في جسدها، وطلبت المساعدة من أحد السائقين، الذي لم يستجب لها، بل أخرج أصابعه بصورة بذيئة، وقال: أساعد عربية؟ فلتمت، لأنها غدا ستنجب المزيد من المخربين!”. وأشار إلى أنه “قبل أيام من هذين الحدثين انتشر شريط فيديو يظهر فيه شاب يهودي حريدي متدين تعرض لضربات متلاحقة من أفراد الشرطة الإسرائيلية، الذين قالوا به: اذهبوا للتجند في صفوف الجيش بدل الاحتجاج والتظاهر، حينها لن تتلقوا هذه الضربات”.

وبرأي “شوخات” فإن  “هذه الأحداث الثلاثة في فترة زمنية قصيرة يجمع بينها قاسم مشترك واحد، وهو أن (إسرائيل) التي قامت على أساس التضامن الداخلي بين مختلف مكونات اليهود الاجتماعية ها هي تشهد حالة من التفكك والانقسام والتباين، وتتشظى مجموعات متناقضة”.

وأضاف أن “المجتمع الإسرائيلي دخل مرحلة التفكك، وهو يسارع الخطى نحو هذه المرحلة، لأن أحدا ما يبدو أنه يستفيد من هذه الحالة السيئة، هناك ساسة ديماغوغيون يسعون للتفريق ومزيد من التفسخ، يملكون بين أيديهم مفاتيح القوة داخل الدولة من خلال أغلبية قليلة لا تعدو 61 عضو كنيست فقط، وتسعى دائما لإيجاد الأعداء الداخليين في الدولة، كي تحافظ على بقائها”.

وأوضح أن “الأغلبية المحتجة المتظاهرة تحتاج للأمن والثقة بالدولة، أما أولئك الساسة فليسوا مستعدين للاستماع لأي حقائق أو آراء تزعزع مكانتهم، من هنا تقترب المسافة إلى حالة حرب الكل في الكل، انطلاقا من وضعية الضعف التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي غير المتجانس”.

وينتهي الكاتب إلى التأكيد على حاجة “إسرائيل” من أجل التخلص من هذه الحالة، إلى قيادة تاريخية  تبحث عن القواسم المشتركة، وتدرك تماما أن المجتمعات التي تفقد التضامن الداخلي سرعان ما تتفكك إلى صراعات إثنية وقومية واجتماعية، حتى تتحطم من داخلها”.

Facebook Comments