رغم أن صانعي السياسة الأمريكية يشككون بشكل روتيني في قوة علاقة روسيا مع مصر، إلا أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين موسكو والقاهرة قد تتوطد في مجالات عديدة.

بتلك المعلومة بدأ تقرير “معهد الشرق الأوسط”، التي أشارت إلى أن جهود روسيا للتحكيم في النزاع بين مصر وإثيوبيا حول الوصول إلى نهر النيل تشير إلى أنه من الممكن أن تصبح قضايا الأمن الإفريقي جبهة جديدة للتعاون الثنائي مع مصر. ويشير التعاون في هذا المجال، إلى جانب العديد من مجالات الاهتمام الأخرى، إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين روسيا ومصر قد تتعزز بشكل كبير في الأشهر المقبلة.

وأشار المعهد التعليمي، الذي يقع مقره في واشنطن، إلى أن روسيا تعارض ما أسمتها “الاضطرابات الشعبية في العالم العربي”، وتقصد بها ثورات الربيع العربي، وهو ما كان داعيا لمزيد من تماسك شراكتها مع مصر.

وأشارت إلى أنه بعد اندلاع مظاهرات كبيرة مناهضة للحكومة (الانقلابية) في مصر في أواخر سبتمبر، قدمت وسائل الإعلام الحكومية الروسية دعما فوريا لادعاء “السيسي” بأن جماعة الإخوان المسلمين هي المسئولة. ومن خلال دعم موقف “السيسي” من الاحتجاجات، أظهرت روسيا موثوقيتها كشريك لصانعي السياسة المصريين، في وقت اهتزت فيه ثقة مصر في القيادة الأمريكية بعد قرار “ترامب” بمنح الضوء الأخضر لعملية “نبع السلام” التركية في شمال سوريا.

مناورة مشتركة

ويتزامن التقرير مع تواصل قوات مصرية، وروسية، في مناورات “سهم الصداقة 2019″، المخصصة لقوات الدفاع الجوي في البلدين.

ووفقا لوزارة الدفاع الروسية، تقام التدريبات لتبادل الخبرات وتطوير التعاون العسكري والفني بين البلدين، بمشاركة نحو 100 جندي من الجيش الرابع للقوات الجوية والدفاع الجوي الروسي، بحسب “سبوتنيك”.

وأضافت أن الوحدات المنتشرة في شبه جزيرة القرم ومنطقة فولجوجراد وإقليم كراسنودار وأوسيتيا الشمالية، ستشارك في المناورات الروسية – المصرية.

وتشارك وحدات الدفاع الجوي في المنطقة العسكرية الجنوبية الروسية، للمرة الأولى في مناورات “سهم الصداقة”، التي تستضيفها مصر، خلال الفترة من 26 أكتوبر، وحتى أمس 7 نوفمبر، على 3 مراحل.

الطريف هو صراحة المتحدثين الروس حيث قال رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الاقتصاد بموسكو، “أندريه كوشكين”، إن مكافحة الإرهاب تتصدر أهداف المناورات المشتركة بين البلدين. مضيفا أن مصر في حاجة إلى هذا التعاون، بالنظر إلى التحديات الي تواجهها غربا بالقرب من جارتها ليبيا.

ويأتى التدريب ضمن خطط التعاون العسكري بين البلدين، لتعزيز التنسيق بينهما ونقل وتبادل الخبرات وفقاً لأحدث التكتيكات وأساليب القتال الحديثة.

مؤتمر سوشي

واهتم المعهد الامريكي بالمنتدى الاقتصادي الإفريقي الروسي في سوتشي، في الفترة من 23 إلى 24 أكتوبر، حيث ترأس الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” والسيسي القمة التي شهدت حضور 43 رئيس دولة إفريقية إلى المنتجع على البحر الأسود، شدد “السيسي” على أهمية تعزيز شراكة مصر مع روسيا، ووصف “بوتين” مصر بأنها “ركيزة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا”.

وقالت إن الخطاب التوفيقي من “بوتين” و”السيسي” يعكس القوة المتزايدة للشراكة الروسية المصرية على مدار العام الماضي، حتى في الوقت الذي حظيت فيه علاقة “السيسي” الودية بالرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” باهتمام واسع النطاق.

وفي أكتوبر 2018، وقعت مصر اتفاقية شراكة استراتيجية مع روسيا، وصفها “السيسي” بأنها “فصل جديد في تاريخ العلاقات الثنائية بين موسكو والقاهرة”.

ومنذ هذا الاتفاق، وسعت روسيا ومصر علاقاتهما في المجالات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية.

خلافات محتملة مع أمريكا

وقال المعهد إن التعاون الجديد يتحدى الرأي السائد بأن القاهرة ترى روسيا فقط كتحوط ضد الخلافات المحتملة مع الولايات المتحدة، ويشير إلى أن الشراكة الروسية المصرية لديها أسس أعمق من المعترف به في واشنطن.

واشارت إلى أنه خلال العام الماضي توسعت العلاقات الاقتصادية بين روسيا ومصر في مجالات متنوعة. ومن عام 2017 إلى عام 2018، زادت قيمة التجارة الثنائية بين البلدين بنسبة 37%، وقد أدى هذا النمو إلى عدد كبير من الصفقات الاقتصادية الجديدة.

واضافت أنه في فبراير، صدق “السيسي” على اتفاقية اقتصادية مصرية روسية تمكن روسيا من إنشاء منطقة صناعية في منطقة قناة السويس الاقتصادية. وفي أبريل، وافق “السيسي” على بناء محطة الضبعة للطاقة النووية، التي ستقوم بتطويرها شركة “روساتوم” الروسية الحكومية العملاقة للطاقة النووية. وقد يمثل هذا المصنع ما يصل إلى 50% من طاقة توليد الكهرباء في مصر، ويساعد على تخفيف الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الطلب المتزايد بسرعة على الطاقة في البلاد.

صفقة القرن

ويبدو أن المعهد أشار إلى دور روسي في صفقة القرن عندما ذكر أن بوتين أعلن أن روسيا تحاول إنشاء منطقة تجارة حرة تشمل (إسرائيل) ومصر تشبه ترتيبات التجارة الروسية مع إيران. ومن المحتمل أن يكون التأثير الاقتصادي لمنطقة التجارة الحرة أقل من التوقعات المعلنة علانية من قبل روسيا، لكنه قد يوفر دفعة رمزية لـ”الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي”، وهو اتحاد جمركي بقيادة روسيا يعاني بسبب حجم التجارة الهزيل.

ولفت المعهد إلى أن التعاون الأمني ​​بين روسيا ومصر، بدأ منذ تصديق كلا البلدين على اتفاقية شراكة استراتيجية، جديرا وربحت روسيا صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لبيع 20 طائرة مقاتلة من طراز “سو-35” لمصر، في مارس 2019، اهتماما واسع النطاق، لكن الشراكة الأمنية بين موسكو والقاهرة تمتد إلى ما هو أبعد من العلاقات التجارية. وإلى درجة لا مثيل لها في العالم العربي، تسعى روسيا إلى تعزيز التعاون العسكري مع مصر، حيث تهدف الدولتان إلى مكافحة الإرهاب والتهديدات التقليدية.

وتتشارك روسيا ومصر بحسب المعهد شراكة ثنائية أقوى في المجال الدبلوماسي وفي يونيو الماضي، عقدت قمة روسية مصرية ثنائية بين وزارتي الخارجية والدفاع في كلا البلدين، شملت مناقشات حول سوريا وليبيا. وقد عكس هذا الحوار المواقف الموحدة بين روسيا ومصر حول هذه الأزمات. ويوفر استعداد مصر لدعم نظام “بشار الأسد” باعتباره الخيار الأقل سوءا في سوريا فرصة للحوار مع روسيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن كلا من روسيا ومصر جزء من المجموعة الداعمة لـ”خليفة حفتر”، قائد ما يسمى “الجيش الوطني الليبي”، في حملته لانتزاع السيطرة على طرابلس من حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة.

الناتو العربي

وأشارت دراسة المعهد إلى أن روسيا تقدر قرار مصر بالانسحاب من اقتراح التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط الذي ترعاه الولايات المتحدة، المعروف إعلاميا باسم “الناتو العربي”، كخطوة إيجابية؛ لأنه يتزامن مع جهود موسكو لبيع رؤيتها للأمن الجماعي في الخليج العربي إلى الدول العربية. وناقش المسئولون الروس الأمن الخليجي مع نظرائهم المصريين في الحوار الثنائي في يونيو، وتأمل موسكو أن تكون مخاوف القاهرة بشأن الأمن البحري، بسبب مصالحها التجارية في البحر الأحمر، دافعا لها في نهاية المطاف إلى دعم الحاجة لخفض التصعيد مع إيران.

وأشارت ضمنا إلى الروابط الثقافية والأفكار كجزء من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وأن ذلك تبلور خلال مؤتمر “جروزني” لعام 2016، حيث عبر علماء الدين من كلا البلدين عن معارضتهم للإخوان المسلمين والسلفية. وفي سبتمبر ، ناقش رئيس المجلس الروسي للمفتين، الشيخ “راويل عين الدين”، ووزير الأوقاف المصري، “محمد مختار جمعة”، التعاون في مجال التعليم الإسلامي في مؤتمر دولي حول الإسلام في روسيا.
https://www.mei.edu/publications/sochi-summit-highlights-growing-russia-egypt-ties

Facebook Comments