“لماذا مصر فقيرة وجنرالاتها وعائلاتهم أثرياء؟”، منذ أيام حكم الفراعنة وحتى الآن، هناك مصران لا مصر واحدة، مصر العاملة ومصر الحاكمة، مصر الفقيرة التي يحبها شعبها الطيب رغم ما بها من علل، ومصر الغنية التي يعيش من خيرها حكامها وطبقة جنرالات الجيش والشرطة والقضاة والوزراء ورجال الأعمال ومحاسيبهم، ورغم ذلك فهؤلاء غير راضين عن مصر الأولى القبيحة العشوائية، فهم يخجلون منها، ويتمنون لو استطاعوا أن يقيموا بينها وبينهم سدا وحاجزا مثل الذي ينوى ترامب إقامته على حدود المكسيك، وربما عاصمة السفيه السيسي الجديدة ستفى بهذا الغرض.

هكذا شكل الفقر عاملًا رئيسيًّا في خطابات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، فأكده مرات عديدة، وطالب المصريين بالصبر وتحمل فقر الدولة، واعتاد الشعب على سماع مثل هذه التصريحات، التي أثارت حالة من التناقض، إذ جاءت بعد تصريحات سابقة للسفيه بداية استيلائه على الحكم تؤكد أن مصر دولة غنية بمواردها، كما أنها تأتي في الوقت الذي تتوالى فيه الأنباء عن الفناكيش القومية الكبرى التي ستصبح مصر من خلالها أغنى دول المنطقة خلال شهور قليلة، في ظل حالة التناقض هذه يظل التساؤل قائمًا: هل مصر بالفعل دولة فقيرة كما يزعم الجنرال؟ أم أنها دولة غنية بالموارد؟

عسكر حرامية

جنرالات الخراب من الفاشي عبد الناصر وحتى السفيه السيسي دائما ما يشكون من الشعب الكسول المتواكل، الذي يردد كلمة “معلش” طوال الوقت، رغم أن سحر هذه الكلمة هي التي تجعل الملايين يتحملون مرارة الحياة في كنف هؤلاء الجنرالات الأنانيون، الذين يحثونا على النظر إلى الأرض لا السماء، فالنظر لأعلى مكروه، يجعلك تنقلب على حالك وترغب في المساواة بالأكابر، ولأجل جعلك تركع سخروا الشعب لبناء الأهرامات والتماثيل الضخمة والمقابر التي تحوي الذهب، والآن يردمون عليه بأطنان من رمال الديون.

وحذر محللون وخبراء اقتصاد من نية حكومة الانقلاب طرح سندات دولية تتراوح قيمتها بين ثلاثة إلى سبعة مليارات دولار، وطرح سندات مقومة بالين بقيمة ملياري دولار، وإثقال الاقتصاد المصري بديون خارجية قد تعجز عن سدادها في المستقبل القريب.

وأعلن وزير المالية في حكومة الانقلاب، محمد معيط، أن عصابة العسكر تعتزم طرح سندات دولية تتراوح قيمتها بين ثلاثة إلى سبعة مليارات دولار في الربع الأول من العام الحالي، وأن حكومة الانقلاب تخطط لبيع سندات بعملات متنوعة، بينها الدولار واليورو والين واليوان.

احنا أغنيا أوي

وأرجع خبير واستشاري التدريب ودراسات الجدوى، أحمد ذكر الله، قيام حكومة الانقلاب بإصدار هذا الكم من السندات إلى أن “مصر اعتمدت نموذجا تنمويا يعتمد على الاقتراض الخارجي وتدوير الديون القديمة، وخطورة ذلك هو في كيفية استخدام هذه الديون”.

وحذر من أن “المشكلة ستظهر عندما يحين السداد وتتوقف التدفقات، حينها سترضخ الدولة للاشتراطات وإملاءات الخارج وستكون التبعية الكاملة التي قد تنقلب إلى وصاية شاملة”، ولفت ذكرالله إلى أنه “لو لم تسبق الحكومة بطرح السندات سينخفض الاحتياطي مرة أخرى؛ لاستمرار نزح أذون الخزانة إلى الخارج، وذلك يعني اضطرار الدولة إلى خفض قيمة الجنيه، وهو ما يستميت النظام في تأجيله؛ لأنه سيكون إعلانا بفشل برنامج الإصلاح المزعوم”.

“محدش قالك إنك فقير، محدش قالكوا إننا فقرا جدا”، عبارة للسفيه السيسي، أساءت إلى مشاعر المصريين، قالها قصداً متعمداً، وهو متقمص شخصية الطبيب الذي يشخص حال المريض ويخبره بالداء بكل صدق وصراحة حتى لو كان الأمر صادما، ما قاله السفيه السيسي صراحة، عبارة رددها الجنرالات من قبله إما صراحة أو بأسلوب المداراة.

ويعترف العالم كله بأن مصر من أغنى دول العالم، وفى تصريح مهم فى فبراير من عام ٢٠١٢، قالت كاثرين آشتون، نائب رئيس المفوضية العليا للاتحاد الأوروبي، إن مصر لديها ثروات تكفى لمساعدة ربع الدول الأوروبية، وإن ما تمت سرقته وإهداره من أموال وأرصدة طبيعية خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة من حكم مبارك، يكفى لظهور ملايين الأثرياء فى مصر.

أما مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، فقد أكد خلال زيارة للقاهرة، أن مصر لديها ثروات ضخمة غير مستغلة كافية لمساعدة حوالى ٥٠ دولة على مستوى العالم، فيما أكد الدكتور عبد الخالق عبد الله، مستشار ولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد، أن مشكلة مصر سوء الإدارة لمواردها، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك 141 منجم ذهب و191 حقل نفط، وتُعد عاشر أكبر احتياطى غاز، كما أن لديها ثلثى آثار العالم، وغيرها من الموارد، ورغم ذلك تعانى اقتصاديًا.

وتمتلك مصر احتياطيًا كبيرًا من الثروات الطبيعية لو تم استغلالها جيدًا ستكون بداية نهضة حقيقية، فحسب وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، يبلغ حجم احتياطى مصر المؤكد من خام الفوسفات نحو 2 مليار طن، يتركز فى منطقة أبو طرطور فى قلب صحراء مصر الغربية وفى سواحل البحر الأحمر شرق البلاد.

كما يبلغ احتياطى الحديد حوالى ٤٠٠ مليون طن فى أسوان، والواحات البحرية، والصحراء الشرقية، وتضم مصر جبلاً من الذهب فى منجم السكرى بمخزون يقدر بحوالى خمسة ملايين أوقية، وهو الموقع الوحيد المعلن من بين قرابة ٢٧٠ موقعا آخر فى انتظار من يخرج منها الذهب.

ليست فقيرة

وبالإضافة إلى ذلك هناك مخزون من “المنجنيز” فى سيناء يقدر بحوالى ١٧٥ ألف طن، وهناك مخزون من الرمال البيضاء التى تدخل فى صناعة الزجاج، وشرائح الأجهزة الكهربائية، وإنتاج الكهرباء يقدر بحوالى 20 مليار طن، وطبقًا لتقرير أعدته هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية حول الكميات الممكن استخراجها من غاز وبترول حول العالم.

وتأكد أن حوض دلتا نهر النيل والظهير البحرى له من البحر المتوسط بهما أكبر التقديرات على مستوى العالم وبها ١٨٠٠ مليار برميل بترول و٢٢٣ ألف مليار قدم مكعب غاز و حوالى ستة مليارات برميل غاز مسال، بالإضافة إلى 5 مليارات برميل بترول فى البحر الأحمر و١١٢ ألف مليار قدم مكعب غاز.

وطبقًا لدراسة سابقة أعدها مركز معلومات مجلس الوزراء، فإن مصر تملك أكبر مخزون من الرخام، والجرانيت، على مستوى العالم، ويمكنها أن تصدر إلى الخارج كميات بقيمة مليارى دولار سنويًا إذا أحسن استغلال المحاجر، ويضاف إلى هذا مئات الملايين من الأطنان من الرمال السوداء التى تدخل فى صناعة السيراميك.

كما تطل مصر على بحرين هما الأكبر حول العالم بسواحل على البحر المتوسط تبلغ 995 كيلومترًا شمالا، و1941 كيلومترًا شرقا على البحر الأحمر، ويشقها طوليًا أكبر أنهار العالم وأكثره بركة نهر النيل، ولذلك فالسؤال الجدير بالإجابة هو: لماذا مع هذه الموارد المتنوعة يصفنا السفيه السيسى بأننا دولة فقيرة؟

Facebook Comments