العلاقات بين أبو ظبي وتل أبيب معروفة وتبادل الزيارات العلنية والسرية وهبوط طائرات الإمارات في مطار تل أبيب كان علنيا، ولكن الجديد هو إعلانها رسميا وتبادل السفراء والسفارات ووصولها لمستوى التحالف والتعاون الحميم، ولكن ما يثير تساؤلات حول سر العجلة في هذا القرار، وتوقيته وهل هناك أسباب جديدة طرأت تقف وراءه؟ سواء كمكافأة الإمارات لترامب قبل الانتخابات ولنتنياهو قبل أن تسقطه مظاهرات معارضيه؟ أو لصالح الإمارات نفسها التي تخشى مجيء رئيس ديمقراطي أمريكي يتخلى عن الديكتاتوريين العرب المفضلين لترامب، أو التهديد التركي بعقابها وترغب في دعم تل ابيب وواشنطن لها.

حسب البيان الإماراتي، جاء التطبيع بناء على طلب الرئيس ترامب، وبدعم من دولة الإمارات، وبدعوي أنه سيترتب عليه أن يوقف الكيان الصهيوني ضم أراضٍ فلسطينية وفقاً لخطة ترامب للسلام، وتركز جهودها الآن على توطيد العلاقات مع الدول الأخرى في العالم العربي والإسلامي غير أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو علق على الإعلان عن تجميد ضم أراضي الضفة بعد الاتفاق مع الإمارات بأنه "تأجيل مؤقت".

سر استعجال ترامب؟
توقيت الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين الإمارات والكيان الصهيوني، وفحوى الإعلان يكشف السبب في هذه العجلة، التي تخدم القادة الثلاثة. فبالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يواجه مأزقاً حقيقياً في الانتخابات جراء إدارته السيئة لأزمة كورونا، فإن هذا يمثل نصراً رخيصاً لا يستطيع منافسه الديمقراطي التقليل من قيمته، ويزيد دعم اللوبي الصهيوني لترامب.
والآن ترامب يحتاج إلى نجدة في الانتخابات، ولذا عاد إلى جعبته العربية ليحصل على خبر سيحتل به نشرات الأخبار، فهو محظوظ بحلفاء عرب متحمسين للعلاقات مع إسرائيل أكثر منه، والإمارات تريد إنقاذ رئيسها الأمريكي المفضل، فهي تخشى يوم الحساب.

فعلى مدار التاريخ كان الصراع العربي الإسرائيلي ملفاً معقداً بالنسبة لأي رئيس أمريكي إلا ترامب، فقبل ذلك كان الحلفاء العرب لأمريكا مهما كان خنوعهم أو نفورهم من القضية الفلسطينية يضغطون على واشنطن لمنع أي خطوات من شأنها إلحاق ضرر كبير بالقضية الفلسطينية، كما كانوا يقاومون ضغوطاً أمريكية للتطبيع، خاصة العلني، مع الكيان الصهيوني، بعكس القادة الحاليون المهرولون نحو تل ابيب.

فمع الجيل الجديد من القادة العرب، وتحديداً عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد، ومحمد بن سلمان، انعكست الآلية، وأصبح بعض المسئولين الأمريكيين والأوروبيين يسعون لكبح جماح هؤلاء القادة العرب، في اتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتفريط في الحقوق الفلسطينية واستهداف رموزها.

وحتى ترامب نفسه أكثر رئيس منحاز للكيان الصهيوني في تاريخ أمريكا، بدا غير متحمس لتطبيق ضم الضفة، بعد أن وافق عليها ضمن صفقة القرن التي يبدو الثلاثي العربي صامتاً عليها بشكل غريب، وتم الاحتفال بها بوجود عربي.

وبالفعل، البيان المشترك للدول الثلاث، حمل ثناء من قبل كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على مشاركة الإمارات العربية المتحدة، في حفل الاستقبال الذي أقيم في البيت الأبيض، في 28 يناير، حين قدم الرئيس ترامب خطته للسلام، وأعربا عن تقديرهما للتصريحات الداعمة التي أدلت بها الإمارات العربية المتحدة.

 

فائدة الاتفاق لنتنياهو
الاتفاق أيضا مفيد لنتنياهو الذي يريد بطولة سهلة، فالتطبيع مع الإمارات سيعطيه دفعة هائلة في مواجهة احتجاجات شديدة على حكمه، واتهامات بالفساد تلاحقه، واحتمالات انهيار الائتلاف الحاكم المضعضع أصلاً، وتزيد شعبيته.
فهذه الخطوة ستجعل موقفه أقوى في حال الذهاب لانتخابات رابعة لن يكون فيها مسلحاً فقط بتطبيع إماراتي، بل أيضاً تطبيع هو بمثابة كارت أخضر عربي مؤيد لابتلاع الضفة الغربية، خاصة أنه تم الإعلان عن وقف الخطة وليس إلغاؤها.

أي أن محمد بن زايد قدم لنتنياهو هدية على طبق من ذهب، على اعتبار أن الاهتمام الإعلامي باتفاق التطبيع مع الإمارات سيغطي، ولو مؤقتا، على المظاهرات التي تطالب باستقالة نتنياهو بسبب فساده وفشله في مواجهة كورونا

 

لماذا استعجلت الإمارات؟
الاتفاق ايضا بالنسبة للإمارات، وخطوتها التطبيعية ستزيد فرص فوز مرشحها ورئيسها الأمريكي المفضل دونالد، في وقت يتوعد فيه الديمقراطيون إذا فازوا بالانتخابات بإنهاء عهد التفويض بلا حساب للمستبدين العرب من أصدقاء ترامب.
إذ تؤيد الأنظمة القمعية العربية في مصر والإمارات وغيرها ترامب وتخشي هزيمته في انتخابات 3 نوفمبر المقبل ومجيء رئيس ديمقراطي قال انه لن يكون هناك دعم مجاني لديكتاتور ترامب المفضل (السيسي) الذي تدعمه الإمارات وتعول على مصر لقيادة الثورة المضادة.

أيضا إقامة علاقات دبلوماسية بين الإمارات والكيان الصهيوني، هدفه دعم التحالف (المصري اليوناني القبرصي الفرنسي الإماراتي) الذي تحاول الإمارات تشكيله ضد تركيا.
فبالنسبة للشيخ محمد بن زايد، الرجل القوي في الإمارات، القضية الرئيسية لديه هي الديمقراطية أو الربيع العربي والإخوان المسلمون وتركيا، وهي قضية يسعي للقضاء عليها بالتحالف الجديد مع الكيان الصهيوني.
فالرجل لا يبدو أنه يأبه بأن إيران تحتل جزره الثلاث، وتسيطر على أربع عواصم عربية أو أن الحوثيين هزموا فعلياً التدخل السعودي الإماراتي وأصبحوا سادة اليمن.

وفي مقابل هذا العداء الغريب للإسلاميين السنة لا الشيعة، والمعتدلين لا المتطرفين، والذي بدأ يتركز أكثر على تركيا، وأردوغان شخصياً، إلى درجة المضاربة على الليرة التركية لإضعافها، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو ميالاً لأردوغان، وأكثر تبنياً لوجهة نظره في قضية ليبيا تحديداً، حيث تتواجه الإمارات وتركيا، كما أنه لا يبدو أنه يأبه كثيراً للخلاف اليوناني التركي، الذي تصر فرنسا التدخل فيه بطريقة تقوي الشكوك بأنها مدفوعة من قبل أبو ظبي، حليفتها العربية الأثيرة، وممولة صفقات الأسلحة الخاصة بها في المنطقة.

ومن هنا، ليس هناك وسيلة لجذب ترامب للصف الفرنسي الإماراتي المصري في مواجهة تركيا أفضل من إغرائه بالملف الإسرائيلي في وقت الانتخابات.
كما أن الهدف من التحرك الإماراتي أيضاً جذب الكيان الصهيوني كطرف في الصراع في شرق المتوسط، ضد تركيا، خصوصا بعد الوعيد أو التهديد التركي الأخير غير المسبوق للإمارات بمعاقبتها، فهو تهديد لم يصدر من شخصية عامة، بل من وزير الدفاع خلوصي آكار، وهو تهديد يبدو عسكري، وجاء الرد الإماراتي عليه ضعيفاً، ما يشير لقلق أبو ظبي من نوايا أنقرة.

ولذا فإن هذه الخطوة التطبيعية الفجة جزء منها استقواء بإسرائيل وأمريكا، ومحاولة لإبعاد ترامب عن أردوغان. ولذا كان لافتاً التصريح الإسرائيلي الحاد الداعم لليونان في مواجهة تركيا، والذي قد يبدو متسقاً مع موقف تل أبيب الغاضب من دعم أنقرة للشعب الفلسطيني فهذا التصريح الصهيوني يبدو أكثر حدة من نبرة المواقف الصهيونية التي لا تريد قطع شعرة معاوية مع تركيا.

ويبدو أن الإمارات لم تحاول إخفاء هذه الحقائق، إذ قال البيان الإماراتي إنه: "أمام الدول الثلاث العديد من التحديات المشتركة في الوقت الراهن، وستستفيد بشكل متبادل من الإنجاز التاريخي الذي تحقق اليوم".

 

الأقصى للزيارة لا التملك
واللافت أن البيان الأمريكي عن الاتفاق الإماراتي الصهيوني لم يتحدث إطلاقاً عن سيطرة المسلمين على المسجد الأقصى، بل زيارته، كما لم يُشر إلى الموقف العربي الرسمي، وهو أن القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين التي يجب أن تقام على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، في تماهٍ واضح من أبو ظبي مع مساعي الكيان الصهيوني لضم القدس. حيث دعا ترامب المسلمين والعرب لزيارة الأقصى عن طريق ركوب الطائرات من أبو ظبي لتل أبيب!

واستغلت الإمارات مسألة ضم الضفة ووقف نتنياهو لها لتبرير موقفها، بينما المعروف أن الكيان الصهيوني أجل الاهتمام بموضوع ضم مناطق الضفة بسبب الخلاف داخل حكومتها من القضية ولأن المستوطنين الصهاينة في الضفة معنيون بضم مناطق أكبر من المساحة التي تتيحها "صفقة القرن"، وبسبب انتشار كورونا وليس لهذا علاقة بالاتفاق مع الإمارات، كما يدعي بن زايد.

 

من الدولة التالية؟
من اللافت أيضاً أن البيان يتحدث عن الكيان الصهيوني سيركز جهوده الآن على توطيد العلاقات مع الدول الأخرى في العالم العربي والإسلامي، ما يطرح تساؤلات عن الدولة التالية في التطبيع بعد الإمارات (وقبلها سلطنة عمان التي زارها نتنياهو).
إذ تؤمن كل من الولايات المتحدة ودولة الإمارات والكيان الصهيوني بإمكانية تحقيق إنجازات دبلوماسية إضافية مع الدول الأخرى، فإنها ستعمل معاً لتحقيق هذا الهدف، في تمهيد واضح لعملية تطبيع مماثلة من قبل البحرين، وقد تكون السعودية (وفي الأغلب بنفس الشروط).

وقد تدفع الحملة التي يتعرض لها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الولايات المتحدة بسبب الاتهامات له بمحاولة اغتيال رجل الاستخبارات سعد الجبري، واستدعاء محكمة أمريكية له، لحذو حذو الإمارات طلبا للحماية الامريكية.
وهو ما قاله حزب الليكود في بيان مؤكدا إن: "الاتفاق مع الإمارات أثبت أنه بالإمكان التوصل للسلام مع العرب بدون على الانسحاب إلى حدود 67 ودون إخلاء مستوطنات وتقسيم القدس وإقامة دولة فلسطينية"، فهذا الاتفاق نسف معادلة "الأرض مقابل السلام" وكرس معادلة "السلام مقابل السلام".

Facebook Comments