كتابات كثيرة من التي تدور حول ملف قضية المعتقلين في مصر تفترض الأزمة بين قوتين، متجاهلة أن أغلب المعتقلين من الشعب المصري وليس فقط جماعة الإخوان المسلمين، وأن من فضّل الترخص على من فضّل العزيمة في ملحمة الصمود أمام حكم العسكر وانقلابهم الدموي كثير من غير الإخوان وقليل من الإخوان.

كما أن كتابات كثيرة تصب جام غضبها على قيادات جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها مسئولة عن استمرار تلك الاعتقالات، متناسية صمود المرشدين الشهيد محمد مهدي عاكف، والحالي محمد بديع، بل وصمود الرئيس الشهيد الذي هانت معاناته أمام نفسه وبر بقسمه ألا يعود قبل أن يعود أبناؤه وبناته لبيوتهم، فضلا عن صمود من استشهدوا داخل السجون بالإهمال الطبي وكان شعارهم "قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه".

لكن الثابت أيضا أن الله ينصر المجاهدين ويهديهم إلى سبل الرشاد، فلا بد من إجراء بما هو متاح للوصول إلى حل الملف.

التعامل مع القمع

المحلل والكاتب السياسي عبد الفتاح ماضي طرح تصورا لتكتل معارض تكون قضية المعتقلين قضيته الأولى، ورغم أن البعض اعتبر أن أطروحاته نظرية يغيب عنها الواقع، إلا أن آخرين رأوها حجرا في الماء الراكد.

يقول عبد الفتاح ماضي: "إن تصور البعض أنه يمكن عقد صفقة مع النظام لحل مشكلة المعتقلين فقط يشبه محاولة تلميذ مستهتر النجاح بدون بذل جهد في المذاكرة والفهم.. ثمرة النجاح في الامتحان مثلها مثل الحصول على تنازل من الأنظمة القمعية لها متطلبات ولا يمكن القفز عليها".

ورأى أن مشكلة المعتقلين تسبب فيها النظام, وأن معالجتها تكون بالحملات الحقوقية على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وأن الفشل كان عنوانا لذلك، وأن المحاولات الموجودة متواضعة وعار علينا جميعا، لا سيما وأن الانتهاكات جسيمة للغاية.

وأضاف لطرق المعالجة تنظيم الحملات الإعلامية المستمرة، ورأى أننا "فشلنا في هذه الجبهة ايضا فيما عدا الجهد الفردي لبعض الإعلاميين ومواقع السوشيال ميديا.. مع العلم أن العمل الإعلامي بمفرده لا يكفي أيضا.

واعتبر أن "الطريق السياسي أو العمل السياسي يكون عبر بناء معارضة سياسية ببرنامج محدد.. عبر تكتل كل من يعتقد أن الحرية وبناء دولة المؤسسات هي الهدف المشترك في هذا الوقت".

وعبر عن أسفه مجددا من أن القوى الموجودة على الساحة في الداخل والخارج أثبتت أن مصالحها الضيقة وصراعاتها التاريخية والفكرية أهم من الديمقراطية والحرية، وقادتها أثبتوا انهم أشباه سياسيين.

تصدير للأزمة

وفي تحليل للمهندس أحمد فريد مولانا، القيادي بالجبهة السلفية، لكتابات د.خيري عمر، التي دعا فيها نصا المعتقلين إلى تصحيح علاقتهم بالدولة (أي بنظام السيسي)، ويكأن الإشكال لدى المعتقلين أو رافضي الحكم العسكري!.

واستعرض من التجارب التاريخية للجماعة الإسلامية نموذجا، حيث أصدر القادة التاريخيون للجماعة من داخل السجن مبادرة لوقف العنف من طرف واحد في 5 يوليو عام 1997 عبر بيان تلاه من داخل قفص المحاكمة أحد عناصرها، إلا أن النظام استمر في تنكيله بها، فنفذ أحكاما بالإعدام بحق ١٢ من عناصرها، وقتل ٨ من قادتها وكوادرها خلال الأعوام الثلاثة التالية. ولم يقبل النظام المبادرة سوى عقب أحداث سبتمبر بشهر واحد فقط أي في أكتوبر 2001 وفقا لشهادة كرم زهدي، وذلك قطعا للطريق على أي انبعاث جديد للمواجهات.

وفي مقارنته بين الانقلاب وعهد مبارك، أقر بوجود فوارق جوهرية بين سياق تجربة الجماعة الإسلامية وحقبة ما بعد الانقلاب، وأن السيسي اتسم بعدم تركه لأي هوامش ولو محدودة للعمل المجتمعي أو الدعوي فضلا عن السياسي. معتقدا أن السماح بأي هوامش قد يدفع مستقبلا باتجاه تشكل قوى مجتمعية منظمة تمثل خطرا على وجوده وتهديدا لمستقبله، وهو درس وعاه من ثورة يناير.

وأوضح أنه –السيسي- يعتقل أشخاصا لا يمارسون أي نشاط لمجرد أن سبق لهم ممارسة أنشطة دعوية أو سياسية قديما أو لديهم الأهلية لممارسة تلك الأنشطة لاحقا!.

وطالب بوعي أوسع لملف الانقلاب، وقال: "أحسب أن التعامل مع ملف المعتقلين يحتاج أن يكون جزءا من التعامل الأوسع مع الوضع في مصر؛ وذلك لأن التعامل الجزئئ سلبياته أكثر بكثير. فبشكل أوضح، من لم ينخرطوا فيما يسمى بالعمل النوعي، خرج الآلاف منهم من السجون والمعتقلات منذ الانقلاب حتى اليوم، دون اتفاقات أو استسلام، وقد كنت واحدا من هؤلاء، بينما من انخرطوا في تلك الأعمال يرفض النظام ابتداء إدراجهم في أي نقاش، وأعدادهم ليست بالقليلة، وهم من يتعرضون لأسوأ المعاملات، وأطول الأحكام.

وخلص إلى أن "ملف المعتقلين لن يُحل حلا جديا إلا بحل الأزمة في مصر كليا، أو بامتلاك أوراق تجعل النظام يبادر إلى أخذ خطوات فيه خوفا من تداعيات أكبر، أما التعامل مع هذا الملف بشكل عاطفي أو كورقة لتصفية حسابات بينية، فستكون تداعياته شديدة السلبية.

رؤية مبكرة

وفي أكتوبر 2017، رأى الدكتور عصام العريان، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، أن مصر في كابوس وأن المعتقلين في القلب منه، فنشرت له "هافنجتون بوست" مقالا بعنوان "الطريق لإزاحة الكابوس" قال إنه "لم يستسلم المصريون للقوّة القاهرة التي لم تتوقف عن جرائمها ضد الإنسانية طوال السنوات الأربع الماضية (مذابح بشعة أمام الحرس الجمهوري، وبعدها بأيام مذبحة أمام منصة الجنديّ المجهول، ثم مذبحة رابعة العدوية وميدان النهضة، ومذابح مسجد الفتح وشارع رمسيس، التي راح ضحيتها الآلاف من المصريين الأبرياء.. ثم التصفيات الجسدية لعشرات المعارضين على زعم اتهامهم بالإرهاب والاختفاء القسري للعشرات.. ثم السجون التي تمتلئ بأكثر من ستين ألفاً من المعتقلين والمعتقلات!).

وأشار إلى صمود المصريين، وقال "ولا تزال مقاومة المصريين مستمرة، ولا يزال الإخوان المسلمون وحلفاؤهم صامدين ضد الانقلاب رغم كل التضحيات، وأصبح إزاحة كابوس الحكم الانقلابي أقرب مما يتصوره البعض مع استمرار ملحمة الصمود: صمود مثّله شخص المرشد السابق محمد مهدي عاكف (90 عاماً) الذي رفض كتابة طلب الإفراج الصحيّ برغم الشيخوخة والأمراض الخطيرة التي أبقته محتجزا في العناية المركزة شهوراً طويلة".

وأضاف أنه صمود يمثله شخص المرشد الحالي أ.د. محمد بديع (75عاماً) الذي يحاكم في أكثر من أربعين قضية، وحضر للآن ما يزيد على 65 جلسة محاكمة، وحكم عليه بالإعدام في أكثر من قضية، واستشهد ابنه عمار في مظاهرات شارع رمسيس 2013.

وصمود يمثله شخص رئيس الجمهورية الشرعيّ المنتخب أ.د. محمد مرسي الذي يعاني الحبس الانفرادي منذ 4 سنوات، ويُمنع أهله أو محاموه من زيارته طوال تلك الفترة، ويحرم من الرعاية الصحية، رغم إصابته أكثر من مرة بغيبوبة سكر.

وصمود يمثله ثبات شباب الإخوان وقادتهم وحلفاؤهم في سجون الظلم، برغم استشهاد العديد منهم نتيجة الإهمال الصحي، وتردي الأوضاع المعيشية [منهم د. فريد إسماعيل وأ. محمد الفلاحجي وم. عبد العظيم الشرقاوي (إخوان) والشيخ عصام دربالة (الجماعة الإسلامية)، والشيخان نبيل المغربي ومرجان سالم (الجهاد)، وغيرهم كثير].

Facebook Comments