بالتزامن مع اقتراب موعد الاستعراض الدوري الشامل لملف مصر الحقوقي أمام الأمم المتحدة والمقرر في 13 نوفمبر المقبل في جنيف، تصاعدت أصوات المنظمات الدولية المطالبة باتخاذ موقف حاسم إزاء جرائم التعذيب التي يواجهها المصريون في عهد الانقلاب العسكري الدموي.

وأصدرت 6 منظمات حقوقية دولية ومصرية تقريرا مشتركا حول أوضاع الاحتجاز في السجون المدنية والعسكرية وعن جرائم التعذيب التي ترتكب بحق المعتقلين، مؤكدة أن التعذيب أصبحت “سياسة دولة”.

وقالت المنظمات إن الاستخدام الواسع والمنهجي للتعذيب، يأتي بتوجيهات من رأس السلطة السياسية وتحت أعين حكومة العسكر، على نحو يضمن حماية الجناة من المساءلة، خاصة عندما يكون ضحايا التعذيب من المعارضين السياسيين.

وطالب التقرير بالضغط على نظام الانقلاب من أجل السماح لخبراء الأمم المتحدة بزيارة مصر، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية المتخصصة بزيارة أماكن الاحتجاز. والضغط على مصر للتصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتشكيل آلية وقائية وطنية من منظمات حقوقية مستقلة، تتولى تنظيم زيارات غير معلنة لأماكن الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أنه في الفترة من 2014 حتى نهاية 2018، توفي 449 سجينا في أماكن الاحتجاز، من بينهم 85 نتيجة التعذيب. بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد وحرمان المحتجزين من الرعاية الصحية اللازمة لهم.

واتهم القضاء بتعمد تجاهل شكاوى بعض المعتقلين من التعذيب لانتزاع الاعترافات منهم، وأصدر أحكامه -التي وصلت إلى حد الإعدام- مستندًا لهذه الاعترافات المنتزعة بقوة التعذيب.

يشار إلى أن المنظمات المشاركة فى التقرير هي: ديجنتي-المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب، وكوميتي فور جستس، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومركز النديم، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات (أوروبا)، ومنظمة أخرى فضلت عدم ذكر اسمها خوفا من الملاحقة الأمنية.

1099 انتهاكا

حول جرائم العسكر في مقار الاحتجاز كشفت إحصائيات موثقة أصدرتها منظمة “كوميتي فور جستس” (مؤسسة حقوقية مصرية مستقلة) في تقرير لها عن مراقبة مراكز الاحتجاز -الرسمية وغير الرسمية- خلال مارس وأبريل 2019 عن ارتكاب سلطات الانقلاب 1099 انتهاكا بحق المعتقلين في مقار الاحتجاز، مؤكدة استمرار إهدار حقوق الإنسان والقانون والدستور

وبحسب التقرير، رصد فريق المراقبة في المنظمة 1099 انتهاكا، منها 877 حالة انتهاك خلال مارس 2019، و220 انتهاكا في أبريل 2019، بالإضافة إلى حادثتي تعذيب.

وتصدر كل من الاعتقال التعسفي والإهمال الطبي قائمة الانتهاكات، كما سجل سجن طرة شديد الحراسة وسجن القناطر للنساء أكبر عدد من الانتهاكات خلال هذين الشهرين.

وفي مارس 2019 رصدت “كوميتي فور جستس” 470 حالة إخفاء قسري، وتصدرت ﻣﺤﺎﻓﻈﺔ اﻟﺸﺮﻗﻴﺔ قائمة الانتهاكات بعدد 75 حالة إخفاء قسري، وكذلك 121 حالة اعتقال تعسفي شملت 29 أنثى و18 قاصرا، بالإضافة إلى 7 ناشطين عماليين و5 محامين حقوقيين وناشطين سياسيين، وسجلت محافظة القاهرة في مارس 2019 أكبر عدد من حالات الاعتقال التعسفي بعدد 47 حالة.

كما رصد التقرير في هذا الشهر ثلاثة حوادث قتل نتج عنها وفاة 10 أفراد، بالإضافة إلى رصد 8 حالات وفاة داخل 7 مراكز احتجاز مختلفة، و57 حالة إهمال طبي داخل 9 مراكز احتجاز مختلفة، و8 حالات حبس انفرادي و164 حالة سوء أوضاع احتجاز، و39 حالة تعذيب في 5 حوادث داخل 4 مقار احتجاز مختلفة، وسجل سجن طنطا العمومي أعلى عدد من تلك الحوادث بواقع 36 حالة.

 

الإخفاء في المقدمة 

وتصدر الإخفاء القسري قائمة الانتهاكات بحسب التقرير في أبريل 2019، فمن أصل 220 حالة رصدت “كوميتي فور جستس” 55 حادثة إخفاء قسري، وتصدرت ﻣﺤﺎﻓﻈﺔ اﻟﺸﺮﻗﻴﺔ قائمة الانتهاكات بعدد 32 حالة، في حين جاء الاعتقال التعسفي وسوء أوضاع الاحتجاز في المرتبتين الثانية والثالثة على الترتيب، بعدد 49 حالة اعتقال تعسفي، و29 حالة سوء أوضاع.

ورصد التقرير 6 حوادث في أبريل 2019 بواقع 22 حالة وفاة، و8 حالات وفاة داخل مراكز الاحتجاز، 6 منها بسبب الإهمال الطبي، و2 بسبب الانتحار، و24 حالة إهمال طبي داخل مراكز الاحتجاز.

ووفقا لفريق التوثيق في المؤسسة، فإن من بين جميع الحالات التي تم رصدها خلال مارس وأبريل 2019 تم توثيق 71 انتهاكا ضد 43 معتقلا وقعت داخل 15 مركز احتجاز بمختلف أنحاء مصر.

 

خريطة التعذيب

المفوضية المصرية للحقوق والحريات من جانبها أكدت استمرار جرائم التعذيب في أماكن الاحتجاز بشكل ممنهج، من خلال توثيق حالات على مدار سنتين، في إطار مبادرة «خريطة التعذيب» التابعة للمفوضية، بالإضافة إلى الاستعانة ببيانات إحصائية أصدرها عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية حول حالات التعذيب في العامين الأخيرين، وعجز التشريعات القانونية عن حماية الضحايا أو إنصافهم في حالات التقاضي.

وكشفت “خريطة التعذيب” تنوع وسائله التي تستخدم بشكل أساسي في مقرات الأمن الوطني، وفي أقسام الشرطة والسجون وغيرها من مقرات الاحتجاز، ما بين التعذيب الجسدي بشكل مباشر مثل الضرب والصعق بالكهرباء والتعليق من اليدين أو القدمين، أو بشكل غير مباشر مثل الحرمان من تناول الطعام أو من النوم أو من الزيارة أو الحبس الانفرادي لفترات طويلة، أو التهديد بخطف وتعذيب أفراد أسرة الضحية. وفي بعض الحالات كان هناك تهديد بالاغتصاب خاصة مع النساء، أو التحرش الجسدي أو الإجبار على مشاهدة ضحية تعذيب أخرى، أو الاستماع لصوت صراخ الضحايا أثناء التعذيب. كل هذا تنتج عنه آلام جسدية ونفسية عميقة الآثر لا يتخلص منها الضحية حتى بعد الإفراج عنه، فيظل الضحايا في ألم جسدي ونفسي عميق يمنعهم من العودة إلى مزاولة الحياة الطبيعية.

وأكد تقرير أعدته المنظمة بعنوان «كابوس التعذيب في مصر: عقبات قانونية وقضائية تحول دون إنصاف ضحايا التعذيب» أنه من بين 80 حالة تعذيب وثقتها مبادرة «خريطة التعذيب»، هناك حالة واحدة فقط استعانت بالقضاء. واعتمد التقرير في منهجيته لتحديد إشكاليات التقاضي على المقابلات المعمقة كأداة من أدوات البحث، حيث تم إجراء مقابلات فردية مع محامين يعملون مع ضحايا تعذيب، ليصل التقرير إلى وجود عوائق تواجه الضحية لإثبات جريمة التعذيب، بداية من ممارسات الشرطة كتأخير عرض الضحايا على النيابة أو على الطب الشرعي لحين زوال آثار التعذيب، مرورًا بدور النيابة في التحقق من جريمة التعذيب وتقديم مرتكبيها للعدالة. وأخيرًا تناول التقرير العقبات الناتجة عن الثغرات القانونية في المواد الخاصة بالتعذيب في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية.

وانتقدت المنظمة  موقف دولة العسكر من معالجة الثغرات القانونية في التشريعات ذات الصلة بجرائم التعذيب، مؤكدة أنه رغم تلقي حكومة العسكر توصيات خلال الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة توصي بتعديل التشريعات الوطنية المتعلقة بجرائم التعذيب خاصة تعريف التعذيب في القانون المصري لتتواءم مع التشريعات الدولية، إلا أن حكومة العسكر لم تتخذ أي خطوات على المستوى التشريعي، كما لم تستجب للمقترحات بشأن تعديل الإطار القانوني ذات الصلة بجرائم التعذيب.

كما رصد التقرير، تعامل القضاء والنيابات مع شكاوى ودعاوى التعذيب من خلال تحليل عدد من الحالات، إذ يشير إلى وجود نمط من الأحكام المخففة في قضايا التعذيب، بسبب قصور المواد القانونية، فيجري استخدام مصطلح «ضرب أفضى إلى موت» أو «استعمال القسوة» لتخفيف العقوبة في حالات التعذيب المفضية إلى موت، ويشير إلى قبول المحكمة للاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، كما في حالة قضية النائب العام، والتي على إثرها أعدم 9 ابرياء .

462 حالة وفاة

ورصد مركز “النديم” عدد حالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز المختلفة، نتيجة التعذيب منذ عام 2015 وحتى النصف الأول من 2019، وقال المركز : في عام 2015 توفي 80 مواطنًا داخل مقار الاحتجاز المختلفة من بينهم 5 ماتوا إثر التعذيب. وفي 2016 مات 123 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، من بينهم 24 مواطنًا ماتوا بسبب التعذيب. وفي 2017 مات 118 مواطنًا في مقار الاحتجاز المختلفة، بينهم 20 مواطنًا ماتوا بسبب التعذيب. وفي 2018 مات 67 مواطنًا في مقار الاحتجاز بينهم 7 مواطنين ماتوا إثر التعذيب. وأشار إلى أنه خلال النصف الأول من عام 2019 مات 30 مواطنًا في مقار الاحتجاز، بينهم 5 ماتوا إثر التعذيب.

غرف التأديب

ويقول مركز عدالة للحقوق والحريات: إن التعذيب في غرف التأديب يصاحب السجناء كما لم يصاحبهم أحد في رحلتهم داخل السجون، فإن ظنّ أحدهم إفلاته من أحد ألوانه وجد حظه من لون آخر في انتظاره، فهو مستمر لا ينقطع منذ اللحظة الأولى وحتى بعد أن تطأ قدم السجين “الإسفلت”. فمن لم ينل حظه من غرفة التعذيب بكامل استعداداتها من الصعق بالكهرباء أو التعليق أو الضرب بالهروات أو غيرها، نال حظه من غرف التأديب وتعذيبه بمنع كل حقوقه عنه كالزيارة أو التريض أو العلاج أو جميعها، ولا يفرق السجن بين امرأة أو طفل أو عجوز، فالجميع تحت وطأة التعذيب سواء.

وأشار عدالة إلى أن من أبرز النماذج للتعذيب في غرف التأديب عائشة خيرت الشاطر، المحبوسة بزنزانة تأديب مساحتها متر في متر وثمانين سنتيمترًا، والزنزانة بدون دورة مياه أو نوافذ، ويتم تعذيبها بمنع الزيارة ورؤية أطفالها، ومنع التريض، وقد فقدت نصف وزنها وساءت صحتها دون أي استجابة من النيابة أو إدارة السجن لتحسين أوضاعها.

وأضاف: هناك كذلك علا القرضاوي، التي تسكن زنزانة انفرادية دون نوافذ أو تهوية على مدار 24 ساعة منذ 30 يونيو 2017، ويتم تعذيبها بمنع التريض، فلا تخرج من الزنزانة سوى 5 دقائق يوميًا للذهاب إلى الحمام، ومنع الزيارة، فلم يسمح لأي من أفراد عائلتها بالزيارة، ومنع الطعام فلا يتم تقديم سوى القليل من الطعام يوميًا، ومنع العلاج، وهي التي تعاني الإهمال الطبي وتزداد حالتها سوءًا كل يوم.

وتابع “عدالة”: هناك حالة إبراهيم متولي، المحبوس منذ عامين، والذي تعرض للتعذيب البدني بالكهرباء في أماكن متفرقة من جسده، وتم تجريده من ملابسه، ثم سُكبت مياه باردة على جسده، ثم انتقل إلى مرحلة جديدة من التعذيب؛ فهو ممنوع من العرض على مستشفى السجن أو العلاج ودخول الأدوية، رغم إصابته بالتهابات شديدة بالبروستاتا ورعشة بالأعصاب، وممنوع من التعرض للشمس، كما أصيب بضعف شديد بالنظر وفقدان كبير للوزن، ورغم ذلك فهو ممنوع من الزيارة والتريض.

وأشار إلى أن هناك أيضًا حالة الطفل كريم حميدة، البالغ من العمر 17 عامًا الذي تعرض للتعذيب البدني، كالصعق بالكهرباء في أماكن متفرقة من جسده والضرب والتهديد بالصعق بالكهرباء؛ للاعتراف، وظل محتجزًا لما يزيد عن ثلاث سنوات في ظروف احتجاز غير آدمية، ثم تمت إحالة أوراقه إلى المفتي رغم أنه يبلغ أقل من السن القانونية.

Facebook Comments