من المعلوم أن التاريخ العثماني تعرض لحملات تزوير وتشويه ممنهجة من الدول الاستعمارية، من فرنسا وبريطانيا ودول أوروبية، وأذنابهم من طائفة المستغربين، في البلاد العربية، والمحافل الماسونية التي شكلها الأعداء لتشويه التاريخ الناصع لهذه الدولة.

وكانت إحدى الكائنات المهددة بالانقراض، في موطنها الأصلي بحديقة حيوانات الجيزة قالت: "سليم الأول" نهب القاهرة وتركها خاوية.. وأجبر عمالاً مصريين على السفر لتركيا، وأن الأتراك ليس لديهم عقيدة الموت من أجل الوطن.

واليوم يخرج علينا وزير تعليم الانقلاب يقول متبجحًا: إن "كتب الدراسات الاجتماعية والتي تتناول فترة الحكم العثماني لمصر لم يرد بها (الفتح العثماني لمصر) أو حتى عبارة استيلاء العثمانيين على مصر والشام، إنما يتم ذكر تلك الفترة بالمناهج ضمن عبارة (الحكم العثماني لمصر)"، وأنها لا تمجد حكم العثمانيين، بل تكشف عن "مساوئ فترة توليهم حكم البلاد وفرضهم الجهل والتخلف"، وأن كتب الدراسات الاجتماعية والتي تتناول فترة الحكم العثماني لمصر لم ترد فيها كلمة الفتح العثماني لمصر، بل يتم الإشارة إلى تلك الفترة بموضوعية تامة دون تمجيد أو تعظيم للشخصيات التاريخية، وأنه يتم الإشارة في المناهج إلى العديد من مساوئ الحكم العثماني لمصر في كافة المجالات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفنية، والفكرية، وكيف أنه فرض العزلة على مصر، وساد بها الجهل والتخلف نتيجة للركود الذي أصابها أثناء الحكم العثماني.

وما تجهله هذه "الجبلة" وهذا الوزير الجاهل والمتخلف بالفطرة، أنه عندما سيطرة العثمانيون على شرقي وجنوب شرقي الأناضول وضعوا حدًّا للخطر الصفوي القادم من جهة إيران، كما أنهم اتجهوا صوب العراق والشام ومصر والجزيرة العربية، والتوسع داخل أوروبا، ونشر الإسلام بها.

وعندما تمكن البرتغاليون من الوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، وهددوا التجار العرب والسواحل الإسلامية من المغرب، ودخلوا البحر الأحمر وباتوا يشكلون خطرًا على الأراضي المقدسة. في ذلك الوقت كانت دولة المماليك تحتضر، ولم تعد قادرة على صد التوغل البرتغالي الصليبي، لذلك طلب حكام الجزيرة مساعدة العثمانيين بشكل مباشر للوقوف ضد الخطر الصليبي الجديد، فانتهز السلطان العثماني "سليم الأول" الفرصة، وتقدم لانتزاع مصر من المماليك، والتوجه إلى الحجاز واليمن.

وعندما علم شريف مكة "بركات بن محمد" بزوال دولة المماليك بعد مقتل "قنصوه الغورى" و"طومان باى"، قام بتسليم مفاتيح الكعبة، وبعض الآثار النبوية، للسلطان "سليم الأول" فأقرّهَ السُّلطان أميراً لمكَّة والحجاز، وبعدها أعلن آخر الخلفاء العباسيين "المتوكل على الله" وأمام جمع من علماء المسلمين التنازل عن الخلافة للسلطان سليم الأول ولآل عثمان، وخلع ثوب الخلافة وألبسه للسلطان سليم الأول، باتت الخلافة بيد السلاطين العثمانيين بعد أن كانت للعباسيين.

وبضم الحجاز واليمن، صارت السيادة للدولة العثمانية على البحر الأحمر، وتم دفع الخطر البرتغالي الصليبي عن الأماكن المقدسة، حتى قال الدكتور "علي الصلابي": أنه "لولا الله ثم الدولة العثمانية لكانت ليبيا وتونس والجزائر الآن دول نصارى".

فالخلافة العثمانية لم تكن قوى استعمارية ودولة احتلال لبلاد العرب، كما يزعم القومجية والعربجية، بقدر ما كانت حماية لبلاد العرب من فرض السيطرة الأوربية، ونشر النصرانية بين المسلمين في تلك البلاد.

ونقول لهؤلاء لقد وقف السلطان "عبدالحميد الثاني" – رحمه الله – سدًّا منيعًا أمام مخططات الغرب الصليبي، والدفاع عن أهم قضايا الأمة، وهي قضية فلسطين.

لكي يعلم القومجية العرب، ومن لف لفهم في تشويه الدولة العثمانية، نذكرهم بموقف السلطان "عبدالحميد الثاني" – رحمه الله – في لقائه مع مؤسس الصهيونية، الملعون "تيودور هرتزل"؛ حيث رفض التنازل عن أرض فلسطين وإعطائها لليهود.

وعندما "زار "هرتزل" السلطان "عبدالحميد" بصحبة الحاخام "موسى ليفي" و"عمانيول قره صو"، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصحوا عن مطالبهم، وقدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، إضافة إلى تحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضد السلطان في صحف أوروبا وأمريكا، لكن السلطان رفض بشدة، وطردهم من مجلسه قائلاً لهم: "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل، لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة؛ لأنها ليست ملكي بل هي ملك شعبي، وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا فُرِّقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولاً في جثتي قبل الحصول على فلسطين".

"حمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين، وكان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال، وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه".

واليوم تحاول أنظمة مستبدة فاقدة لشرعية وجودها، تُسخِّر إعلامها المشبوه، للنيل من تاريخ الخلافة العثمانية، كما قال منتج مسلسل "ممالك النار" بكل صراحة ووضوح: أنه سيفشي أسرار تاريخ إدارة الدولة العثمانية المليء بالوحشية" لكن هيهات، كما قال الشاعر:

 كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها ** فَلَمْ يَضِرها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ.

Facebook Comments