المتابع للشأن التعليمي في مصر يجد العجب العجاب، بل في كافة مناحي الحياة في ظل حكم العسكر، فقبل أيام وخلال مناقشة لجنة الخطة والموازنة ببرلمان العسكر، وقف وزير التربية والتعليم "طارق شوق" شاكيًا ومحذرًا من انهيار منظومة التعليم وفشلها بسبب قلة المخصصات المالية.

وفي 9 مايو الماضي، اشتكى وزير التربية والتعليم الانقلابي طارق شوقي من خصم نحو 39 مليار جنيه من ميزانية الوزارة في العام المالي المقبل، موضحا أن “وزارة التعليم طلبت 138 مليار جنيه، إلا أن وزارة المالية خصصت 99 مليارا فقط”.

وقال شوقي أمام لجنة الخطة والموازنة في مجلس نواب العسكر: “نحتاج 110 مليارات جنيه على الأقل سنويا لتطبيق نظام التعليم الجديد، من دون حساب الزيادة على رواتب المعلمين؛ لأن النظام يتضمن إعداد كتب ومناهج جديدة، وتدريب مئات الآلاف من المعلمين، وإنشاء شبكات إلكترونية، وشراء أجهزة (تابلت) للطلاب، إلى جانب افتتاح المدارس اليابانية”.

وأضاف: “نفذنا في العام الماضي ما تم الاتفاق عليه مع وزارة المالية من دون زيادة في اعتمادات وزارة التعليم، إلا أننا اضطررنا إلى خصم 50% من مخصصات مديريات التعليم في المحافظات، وأكثر من ملياري جنيه من مخصصات هيئة الأبنية التعليمية لتنفيذ برنامج التطوير، وسط وعود متكررة من وزارة المالية بصرف هذه الأموال بلا جدوى”.

وتابع الوزير: “وزارة المالية لا تمنحنا مليما واحدا إلا بطلوع الروح، ونحصل دائما على أقل مما نطلبه، علما أن أعداد الطلاب تتضاعف، ووضع المناهج الجديدة يكلف.. طلبنا 11 مليار جنيه إضافية، ولو لم نحصل عليها لن يكتمل نظام التعليم الجديد، خصوصًا أن أموال التمويل الأجنبي ضخت كلها في التطوير، واستدنا ملياري جنيه من هيئة الأبنية التعليمية بما يؤثر على دورها، ويفاقم من كثافة الطلاب في الفصول”.

وأضاف شوقي: “لو لم نأخذ ما نحتاجه هذه المرة، فإن مشروع تطوير التعليم سيتوقف. هذا ليس تهديدا، لكن ليس لدينا رفاهية الحوار، ونريد 11 مليار جنيه فوق المبالغ المعتمدة في الموازنة الجديدة. موازنتنا 110 مليارات جنيه من دون زيادة مرتبات المعلمين”.

وتابع: “نريد 4.6 مليارات جنيه لهيئة الأبنية التعليمية زيادة عن المبالغ المعتمدة، و4.9 مليارات جنيه لتطوير الشبكات وشراء التابلت، و800 مليون جنيه لطباعة الكتب، و12.7 مليار جنيه لطلبات المديريات في المحافظات وديوان عام الوزارة، بالإضافة إلى 16 مليار جنيه لزيادة رواتب المعلمين. موضحا أن عدم تفعيل شرائح التابلت في امتحانات الصف الأول الثانوي كان سببه قطع الإنترنت لعدم وجود أموال للدفع مقابل الخدمة”.

وأشار إلى أن “الدائنين يقفون لنا بالمرصاد، ولا أحد يبحث عن أصل المشكلة قبل لوم وزارة التربية والتعليم”.

وعن الكثافة الطلابية الكبيرة في الفصول، قال: “نعمل حاليا على تطوير النظام التعليمي، وبعدها يمكن للناس أن تتحدث عن الكثافة. من يقول الكثافة كبيرة، سأقول له هات فلوس عشان نحلها؛ لأن عدد المواليد يصل إلى 700 ألف طفل سنويا.. ليس أمامنا سوى تحديد أولوياتنا في الإنفاق، وقد اخترنا التطوير أولا، واللي يحتاجه التطوير يحرم الآن على الجامع”.

صدمة العسكر

وهو ما قوبل باستهجان كبير من المسئولين بحكومة الانقلاب، وعدّته الأجهزة المخابراتية فضيحة يجب وقفها، وهو ما لحقه من توصية عاجلة بوقف تصريحات وزير التعليم وعدم تغطية أخباره في وسائل الإعلام، مع تسريب أخبار بتعديل وزاري وشيك، وبالتأكيد هناك توبيخ من السيسي ودوائر حكمه الجهنمية.

ورغم صراخ وزير التعليم، أقر البرلمان الانقلابي موازنة التعليم كما هي بالمخالفة للدستور. وفي مقدمتها المتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي لقطاع الصحة، و4% للتعليم، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي.

وتحايلت لجنة الخطة والموازنة على الدستور، للعام الرابع على التوالي، بإضافة ميزانية الصرف الصحي إلى موازنة قطاع الصحة، علاوة على حصة وزارة الصحة من الدين العام، وميزانيات المستشفيات التابعة للقوات المسلحة والشرطة، مع العلم بتبعيتها إلى وزارتي الدفاع والداخلية، وقصر خدماتها على الضباط والأفراد المنتمين إلى مؤسستي الجيش والشرطة، وأسرهم، من دون غيرهم من المواطنين.

وكررت اللجنة ما فعلته في الصحة مع قطاعات التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، وذلك بإضافة حصتها من ديون البلاد إلى مخصصاتها، بعد أن كانت تبلغ اعتمادات تلك القطاعات مجتمعة نحو 206 مليارات جنيه في مشروع الموازنة، من أصل 6.2 تريليونات جنيه جملة الناتج القومي الإجمالي، بنسبة لا تجاوز 3.3%، بما يعادل ثُلث المخصصات الدستورية لتلك القطاعات المحددة بواقع 10%.

انقلاب 180 درجة

وفي تصرف عجيب بلع الوزير لسانه، بل انقلب على كلامه نفسه، مشيدا بمنظومته التعليمية، خلال المؤتمر الصحفي الذي واكبه إعلان نتيجة الصف الأول الثانوي، الاثنين الماضي، بحضور عدد من قيادات الوزارة ومديري المديريات والإدارات التعليمية.

وقال الوزير، في كلمته بالمؤتمر، إن ما جرى إنجازه في العام الدراسي 2018- 2019 نتاج مجهود كبير شارك فيه جميع قطاعات الوزارة وأجهزة الدولة المصرية، وبالتعاون مع عدد من الشركاء العالميين في توفير المحتوى الرقمي على بنك المعرفة وهم:York Press ،Walfram، Discovery Education، Eureka، نهضة مصر، بالإضافة إلى منصة إدارة التعلم LMS/ CDSM، فضلا عن تصميم الامتحانات الإلكترونية بالتعاون مع شركة Pearson من خلال: بناء بنك الأسئلة يقوم به "مركز التقويم والامتحانات" الذي يضم مجموعة من الخبراء المصريين في المناهج، نظام الامتحان الإلكتروني، نظام التصحيح الإلكتروني، ونظام تحليل ورصد الدرجات.

وأوضح أن عملية التطوير التي بدأتها الوزارة مع طلاب الصف الأول الثانوي تهدف في المقام الأول إلى مصلحة الطلاب، قائلا: "لا ينبغي اختزال عملية التطوير في "التابلت" فقط أو الشبكات بالمدارس ولكن التطوير هو الانتقال من الحفظ والتلقين إلى الفهم من خلال تغيير نوعية الأسئلة والتقويم لقياس مستويات فهم نواتج التعلم والتصحيح القادر على تقييم الإجابات المختلفة، وتوفير محتوى رقمي من مصادر عالمية".

وأشار إلى أن الوزارة تمتلك حاليا أكبر نظام امتحانات إلكتروني مصري 100%، لافتًا إلى أن الدولة تستثمر في وضع الشبكات الداخلية والسيرفرات بمدارسنا الحكومية وذلك بـ2530 مدرسة تضم 11336 فصلا دراسيا يوجد بداخلها 467 ألفا و912 طالبًا/ طالبة، وأنه جرى بناء بنوك أسئلة في المركز القومي للامتحانات والتقويم بالتعاون مع شركة pearson، وإعداد نظام التصحيح الإلكتروني وتدريب معلمين على مستوى الجمهورية على النظام الجديد للتعليم.

وتابع: "حصيلة العام المنصرم تؤكد أن مصر بدأت في تطوير المنظومة بشكل كامل، وهناك كتب جديدة وطريقة جديدة للتدريس والتعامل مع الطلاب منتشرة في كل المدارس الحكومية، وإن كانت بشكل أكبر في المدارس اليابانية، والنظام الجديد هدفه الرئيسي بناء الإنسان المصري ومبنى على مواصفات معينة موجودة في استراتيجية مصر 2030".

وتطرق وزير التربية والتعليم في حديثه إلى أوضاع المعلمين، قائلًا: "الوزارة تحارب من أجل المعلمين، ولن نستريح إلا بعد تحسين أوضاع المعلمين إداريا وماليا، والوزارة تحاول تنمية مواردها بالاستثمار في العديد من القطاعات، مشيرا إلى أن تحسين وضع المعلم على رأس أولويات الوزارة في الفترة المقبلة".

وأعلن عن إعادة هيكلة الوزارة إداريا خلال الشهور المقبلة، قائلا: "سيتم تغيير بعض القيادات في مختلف قطاعات الوزارة، وسنضرب بيد من حديد على كل من يتسبب في فساد أو ينشر شائعات؛ لمواجهة كل من يحاربون فكر التطوير ويهاجمون المشروع القومي على صفحات التواصل الاجتماعي".

وحول الاستعدادات للعام الدراسي الجديد، قال: "نسعى إلى القضاء على أزمة الكثافة داخل الفصول قريبا وندرس العديد من الحلول، فضلا عن تجهيز باقي المدارس إلكترونيا والتي يبلغ عددها 300 مدرسة خلال الفترة المقبلة".

وتابع طارق شوقي بقوله: "من الممكن أن توجد بعض المدارس التي لا يوجد بها كراسي، ويكون الوصول إليها عبر جذع شجرة، لكنها تحتوي على "سيرفرات" عالمية مكتملة تعمل بكامل كفاءتها"، متناسيًا إعلانه أكثر من مرة خلال امتحانات أولى ثانوي عن إلغاء الامتحانات الإلكترونية واللجوء للورقية بسبب وقوع السيستم.

Facebook Comments