الصناعة المصرية انهارت فى عهد الانقلاب الدموي، الذى تسببَّ في انهيار كل شيء فى البلاد من الإبرة حتى الصاروخ، بل حتى القيم والأخلاق والفنون، فقد حلَّ الفساد والفحش والغش والسرقة والنهب والتفاهة والدونية على البلاد منذ انقلاب العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر، الشهيد محمد مرسى، في 3 يوليو 2013.

وفقدت مصر فى عهد العسكر مكانتها العالمية فى بعض الصناعات، مثل الغزل والنسيج، والسكر، والإسمنت، والحديد، والأدوية، والمنتجات الغذائية.. وغيرها، وذلك بسبب سياسات دولة الانقلاب التي لا تهتم بحاضر ومستقبل المصريين.

مصنع صلصة بالفيوم

إجرام العسكر امتدَّ لكل المجالات، حيث يعملون على تدمير كل شيء، من ذلك مصنع صلصة بمركز أبشواي بالفيوم، فقد كان حلم الأهالي؛ لأن المنطقة تشتهر بزراعة محصول الطماطم، ورغم إنشائه منذ أكثر من 25 سنة بمنطقة أبو جنشو، التابعة لمركز أبشواي، حيث تم تخصيص قطعة أرض تابعة لوزارة الزراعة بمساحة 8000 متر فى تسعينيات القرن الماضي، وتم وضع حجر الأساس، والبدء فى إنشاء المصنع، وبناء العنابر والمخازن، وانتظر الأهالي موعد التشغيل ليوفر عليهم مئات الكيلومترات من السفر لبيع وتسويق الطماطم، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.

وتم تقديم العديد من الطلبات إلى المحافظين السابقين ووزارة الزراعة لتشغيل المصنع، حتى أصدر مصطفى مدبولي، رئيس وزراء الانقلاب، قرارًا بتشكيل لجنة لمعاينة المصنع، ووضع الاقتراحات والحلول المناسبة من مجلس الوزراء برئاسة لواء يدعى هشام السوداني.

وفوجئ أهالي الفيوم بأن رئيس لجنة مجلس الوزراء الانقلابي يقترح تحويل المصنع إلى سوق للجملة والتجزئة لتتبخر أحلام أهل الفيوم في إنشاء المصنع.

وأصبح المصنع الآن مهجورًا، وكافة العنابر تسكنها الكلاب الضالة، وأصبح مصدر خطورة على المارة وسكان المنطقة.

الانقلاب العسكري

يقول أحمد هشام، المحلل الاقتصادي: إن هناك تغيرًا كبيرًا في شكل الاقتصاد المصري بعد الانقلاب العسكرى، وهذا التغير أصاب قطاعات أساسية ومنها الصناعة التي عانت كثيرًا في الآونة الأخيرة من تراجع الإنتاج المحلي، وكذلك تعثر وإغلاق المصانع.

وأضاف: طبقًا لهيئة التنمية الصناعية فإن عدد المصانع المسجلة والمرخصة رسميًّا هو 34383 مصنعا، ويحتل قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات الصدارة بـ8000 مصنع، في حين أن إجمالي الاستثمار في ذلك المجال يتخطى 300 مليار جنيه وفق موقع الهيئة، موضحًا أن المراقبين للمجال الصناعي يعلمون أن أغلب المصانع غير مرخصة (بير السلم) ومن الممكن أن يصل عددها إلى أكثر من 60 ألف مصنع، أي أن إجمالي المصانع من الصغيرة إلى الضخمة يتجاوز 100 ألف مصنع بطاقة إنتاجية تصل إلى ألف مليار جنيه.

وأشار هشام إلى أن القطاع الصناعي المصري بدأ يتراجع بشكل طفيف منذ عام 2009؛ بسبب تخفيضات مصر الجمركية وفق التزاماتها تجاه اتفاقية «الجات»، ولكن كانت حكومة أحمد نظيف تسعى للحفاظ على ذلك القطاع الذي يصل عدد العمالة الملتحقة به بشكل رسمي إلى 3 ملايين عامل، أي أن عدد العمالة يفوق ذلك بكثير، لو أضفنا القطاع الرسمي وغير الرسمي، لكن بعد ثورة يناير بدأ القطاع يشهد تراجعًا وصل إلى 400 مصنع مغلق، ثم ما لبث أن قل التراجع في عام 2012 ليصل إلى 322 مصنعا مغلقا، لكن منذ الانقلاب العسكري عام 2013 هناك زيادة ملحوظة في تراجع المصانع بشكل أصبح محل دراسة.

وأكد أنه وفقًا لشعبة صناعة النسيج، فقدت الصناعة 40% من مصانعها، ووفق هيئة التنمية الصناعية فقدت مصر في عام 2016 أكثر من 2000 مصنع، وهو المعلن رسميًّا من الجهة التي تمثل الصناعة في البلاد .

الغزل والنسيج

وبالنسبة لصناعة الغزل والنسيج أكدت قيادات عمالية بالقطاع، أن هناك مخططًا من العسكر لتصفية القطاع من خلال سياسة “التخسير” الممنهجة للشركات والتلاعب من قبل إداراتها وإهدار حقوق العمال .

وقال هشام البنا، كيميائي في شركة سمنود للنسيج والوبريات: إن إدارة الشركة أهدرت الأموال التي ضخت فيها وقدرها 76 مليون جنيه لإعادة تشغيل الشركة، مقسمة إلـى 40 مليونا للإحلال والتجديد، و20 مليونا كخامات وأجور، وبعد مرور سنة على تسليم هذه الأموال لإدارة الشركة لم يتبق سوى 20.5 مليون جنيه، رغم أن الشركة لم تعمل سوى بـ2% من طاقتها، ولم تجر حتى الآن أي عمليات للإحلال والتجديد.

وأكد البنا أنه تقدم ببلاغ للنائب العام عن ما وصفه بعملية النصب من قبل إدارة الشركة مشيرا الى الإدارة أقرت حرمان العاملين من الحوافز , ما أثار غضب العاملين بالشركة.

وكشف عن أن إدارة الشركة أرادت بهذا القرار استفزاز العمال، لتصور لوسائل الإعلام أن الشركة رغم خسارتها تعمل وتصرف الرواتب للموظفين لكنهم “بلطجية”, موضحا أن مجلس الإدارة أصدر تقارير تفيد بأن الشركة تحقق خسائر 800 ألف جنيه .

سياسة “تطفيش” العمال التي تتبعها إدارة الشركة, يرجعها البنا إلى فساد الإدارة التي تريد إغلاق المصنع مرة أخرى.

تشريد العمال

ويتهم كمال الفيومي، القيادي العمالي بغزل المحلة، إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج بـ«تخسير شركات النسيج»؛ رغبة منها فى الاستيلاء على الأراضى المميزة لشركات قطاع الغزل، لذا قامت بالتعاقد مع المكتب الأمريكى لإعادة هيكلة قطاع الغزل والنسيج.

ووفقا لبيانات الشركة القابضة، فإن المكتب الأمريكى سيقوم بهيكلة الشركات بتكلفة ٦ مليارات جنيه، حيث سيتم تقسيم الشركات إلى مجموعات، كل مجموعة تضم ٥ شركات، وقد تمت دراسة أوضاع ٢٥ شركة من شركات الغزل والنسيج بغية تطويرها.

وقال الفيومى: إن خطة إعادة الهيكلة تشمل ١٠ شركات لإنتاج الغزول فقط، و١١ شركة لإنتاج الغزول والأقمشة والملابس الجاهزة، و٤ شركات لتجارة وحلج الأقطان، وتم استبعاد ٧ شركات من بينها ٥ شركات متخصصة فى تجارة الأقطان هى «إسكندرية التجارية وبورسعيد ومصر المساهمة والشرقية وشركة بورسعيد وشركة الجوت والأخيرتان توقفتا عن العمل منذ مدة».

وأكد أن قطاع النسيج وصلت خسائره إلى ٢٧ مليار جنيه، وفقا لبيانات قطاع الأعمال العام، منها ٢ مليار و٣٠٠ مليون جنيه إجمالى خسائر شركة غزل المحلة، مشيرا إلى أن خسائر الشركة القابضة للغزل وصلت إلى ١.٨ مليار جنيه فى العام المالى ٢٠١٢/ ٢٠١٣، مقارنة بخسائر بلغت ٧٠٠ مليون جنيه عام ٢٠١٢/٢٠١١.

ويضيف أن الشركة القابضة تنوى بيع أراضى شركات غزل «دمياط والإسكندرية» بدعوى توفير سيولة مالية لمكتب “وارنر” الأمريكى، وأن أراضى الشركات التى سيتم بيعها هى شركات «إسكندرية وبورسعيد ومصر المساهمة وشركة الشرقية وشركة بورسعيد وشركة الجوت»، وتبلغ مساحات هذه الشركات مئات الآلاف من الأمتار ومعظمها فى أماكن مميزة جدا، وتساوى مليارات الجنيهات.

ويلفت الفيومى الانتباه إلى أن الخسائر المقدرة الناتجة عن بيع هذه الأراضى لا يقدر بمال، فضلا عن تشريد آلاف العمال.

سياسة القروض

وقال طارق مرسي، عضو لجنة الصناعة والقوى العاملة بمجلس الشورى السابق، إن الصناعات الحيوية والمهمة وعلى رأسها صناعة النسيج تعاني من الانهيار في ظل غياب أي خطط حقيقية لإنقاذ ما تبقى من هذه الصناعات، وتوفير الدعم المادي الذي يساعدها في التطوير والنهوض مرة أخرى.

ويشير مرسي إلى أن مدينة شبرا الخيمة، التي تعد ثاني أكبر مجمع لصناعة الغزل والنسيج بمصر بعد المحلة الكبرى، شهدت إغلاق 825 مصنعا من بين 1200 بالمدينة، وحتى المصانع الموجودة قلصت من حجم إنتاجها نتيجة الخسائر التي تحيط بها.

ويضيف أن مصانع مدينة حلوان التي كانت تعد ثالث أكبر مجمع لصناعة النسيج  أغلقت هي الأخرى أبوابها، لصالح المصانع الخاصة التي تم إنشاؤها بالمدينة الصناعية في 15 مايو المجاورة لحلوان، وهي المصانع المنضمة لاتفاقية الكويز بين دولة العسكر وإسرائيل.

وأشار مرسي إلى أن نظام العسكر الذي توسع في القروض لبناء الكباري والمدن الصحراوية، والمشروعات الأخرى التي تخدم مصالحه فقط، كان أولى أن يوفر هذه القروض لخدمة تطوير الصناعات المصرية المميزة، مثل النسيج، خاصة أن هذه الصناعة كانت ستغطي قيمة القروض من إنتاجها، على عكس الطرق والكباري .

Facebook Comments