ما أشبه الليلة بالبارحة، ففي عملية إرهابية غادرة استهدفت المصلين داخل مسجدين بإحدى دول العالم التي لا يعرف الكثيرون عنها شيئا، قتل إرهابي أكثر من 50 ساجدًا لتعود الذاكرة تلقائيا لما حدث في قرية الروضة بالعريش؛ حيث اقتحمت مجموعة من العناصر الإرهابية المسجد، وأطلقت النار على المصلين أثناء أدائهم شعائر صلاة الجمعة مما أسفر عن استشهاد 235 شخصا ما بين أطفال وكبار سن ورجال.

جريمة مكررة في الأساليب الهادفة إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى، لكنها غير مسبوقة في حصيلة ضحاياها التي تجاوزت 50 شهيدًا فى بلد غير معروف؛ حيث شكلت الجريمة التي استهدفت مسجدى نيوزيلندا منعطفًا خطيرًا في توسيع الإسلامو فوبيا، إذ إنه الاستهداف الأعنف من حيث عدد القتلى والمكان المستهدف، والتوقيت.

داعش والمهاجرون

المحلل السياسي محمد طلبة رضوان قال تعليقًا على الحادث؛ إن أوروبا بدأت منذ فترة موجة عنف وتطرف ضد المسلمين وسيمتد الخط لعمليات أخرى مماثلة يكون ضحيتها مسلمون أو مهاجرون فروا من جحيم إلى جحيم آخر.

في حين يرى مصطفى غيطي، الخبير في شؤون الجماعات المسلحة أن كل الدلائل، وبالنظر إلى الطرف المستفيد مما حصل في جريمة المسجدين تؤكد أن تنظيم “داعش” فى مظهره الجديد بأوروبا هو من قام به ضمن حالة استهداف المسلمين.

وقال إن داعش لا تقتل فى الشرق الأوسط فقط، بل يمتد جهلها وعنفها فى أوروبا أيضا، وهو ما حدث من قبل في لندن بصلاة التروايح وما حدث في الدنمارك ونيويورك.

وقال نديم حوري، عضو بمنظمة هيومن رايتس ووتش: إن المسلمين يحصدون نتيجة إهمال الدول الأوروبية لخطورة جماعات اليمين المتطرف.

وأضاف: إن تفشى ظاهرة العنف والإرهاب فى كافة دول العالم مؤشر خطير قد يكون فريستة المسلمون كأغلبية واقعة فى أوروبا.

وتساءل: هل هذا الهجوم مرتبط بما قاله الزعماء الأوربيون اليمينيون بضرورة الحد من انتشار الإسلام في أوروبا وهل مساندة زعماء دول عربية وإسلامية ستؤدى للقيام بعدد آخر من تلك الهجمات ضد المسلمين في أوروبا مع التهديد كذلك بظاهرة المهاجرين والحد منهم التي يتبناها عدد من الزعماء لاسيما فى الشرق الأوسط.

فاشية ديكتاتورية

ويخطئ من يظن أن الإرهاب لا يقوم به سوى مجموعة أفراد تحمل الجنسية العربية والدين الإسلامى، بل هو الأخطر عندما يكون حاملها ممن يتشدق بأنه أوربي فما كتبه الإرهابي قاتل المصلين في مسجدي نيوزيلندا أكبر دليل على الفاشية الإرهابية والديكتاتورية التى تعشعش فى أوروبا.

كان الإرهابي “برينتون تيرانت” منفذ جريمة الحادث قد كتب على سلاحه: “معركة بلاط الشهداء 732 والتي انتصر فيها الصليبيون على المسلمين الأمويين، كما كتب فيينا 1683 وهي المعركة التي خسرتها الدولة العثمانية، بالإضافة إلى كتابتة على الرشاش الذي حمله لقتل الساجدين 1189 تاريخ حصار عكا الذى فرضه الصليبيون على المدينة.

كما تكشف مقاطع ارشيفيه توجه الغرب نحو المسلمين؛ ففي عشية الحرب في العراق تحدث جورج بوش عن “حرب صليبية”. وكان مسرورا بنفسه جدا وبتلك الكلمة التي خطرت على باله، إلا أنه سرعان ما أسكته مستشاروه الذين أشاروا له بأن كلمة “صليبية” بالنسبة للعالم الإسلامي لها معان دلالية مليئة حزنا، وإثر ذلك لم يعد يستعمل العبارة في خطاباته اللاحقة.

وهو ما أكده الإرهابي الأسترالي الذي قتل المصلين في المسجد والذى قال إنه “معجب بدونالد ترامب لأنه رمز لإعادة بناء هوية الإنسان الأبيض”. فترامب وجورج بوش وعدد لا بأس به من زعماء أوروبا يتحملون مسؤولية دماء ضحايا هذا الهجوم الإرهابي.

مشاركون في الجريمة

حادثة مسجد الروضة ومسجدى”نيوزيلندا” جددت التبريرات الواهية التي دفعت مثل هذا الإرهابي لقتل المصلين، فحديث قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي دليل على نمط الحرب على الإسلام وتصديره للخارج مغلفًا.

السيسي وقتها قال: إن مصر تقود حربًا ضد الإرهاب بكل شراسة وقوة، والإرهاب سيلقى الهزيمة على أرض مصر المباركة.

كما اتهم من قبل المسلمين بالإرهاب؛ حيث قال في إحد أحاديثه: نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعب أوى لدرجة إن هي بتعادي الدنيا كلها، ثم أردف قائلا: يعني 1.6 مليار مسلم بيهدداو 7 مليار نسمه في العالم.

كما حرض على وجود المساجد في أوروبا بزعم أنها مفرخة للإرهاب.وافتخر وردد أكثر من مرة أنه التقى عدد من الرؤساء الأوروبيين ودعاهم لتوخي الحذر والانتباه لمثل هذه المساجد.

 

الإسلاموفوبيا والتبرير

وتعد ظاهرة “الإسلاموفوبيا” نوعا من العنصرية قوامه جملة من الأفعال والمشاعر والأفكار النمطية المسبقة المعادية للإسلام والمسلمين.

يُرجع مؤرخو الحقبة الاستعمارية أول استعمال لمفهوم “الإسلاموفوبيا” – الذي يعني “رُهاب الإسلام” أو الخوف المرضي من الإسلام- إلى بدايات القرن العشرين.

وهو ما برره السيناتور الأسترالي اليمينى المتطرف، فرايزر أنينج، في بيان عقب الهجوم الإرهابي الذي وقع على مسجدين في مدينة كرايست تشيرش بنيوزيلندا، الجمعة، والذي أسفر عن مقتل 49 شخصا.

وقال السيناتور، المعروف بعنصريته، في بيان نشره على حسابه في “تويتر”: “السبب الحقيقي لإراقة الدماء في نيوزيلندا اليوم هو برنامج الهجرة الذي سمح للمسلمين بالهجرة إليها”.

وأضاف: “لنكن واضحين، ربما يكون المسلمون ضحية اليوم. لكن في العادة هم المنفذون”.

تداعيات خطيرة

نبيل يعقوب الخبير في شئون الهجرة والمتحدث باسم مبادرة لتمثيل مصالح المهاجرين قال في تصريحات صحفية: إن “الهجوم مدروس ونفذ لتحقيق أهداف سياسية أهمها تمزيق مجتمع معروف عالميا بنسب كبيرة من التنوع والتعايش والانفتاح ولم يعرف عنه وجود توترات أو نزاعات داخلية، كما أن الهجوم يعتبر انعكاسا لظاهرة الإسلاموفوبيا المنتشرة في العالم عموما”.

وأضاف: لقد ساهم الإرهاب الذي تمارسه جماعات متطرفة مثل تنظيمي القاعدة و”داعش” سواء في الشرق الأوسط أو من خلال استهداف مدنيين في مدن وعواصم أوروبية خلال الأعوام الماضية، في تصاعد المخاوف من المسلمين والإسلام في الغرب.

ويرى أن الخطابات التي تنشرها الجماعات والأحزاب المتطرفة في الاتجاهين (اليمين واليسار) تلعب دورًا في ذلك، خاصة أن وسائل التواصل والإعلام المتاحة بكثرة اليوم تتيح لهذه الجهات نشر خطاباتها بسهولة واستقطاب متعاطفين جدد.

ويضيف أن “الخطير في هذا الهجوم هو أنه سيزيد حدة التطرف على الجهة الأخرى، إذ سيعطي حججًا أكبر للمتطرفين الإسلاميين لتنفيذ هجمات جديدة ضد أهداف غربية وتصوير الغرب كله على أنه العدو الأكبر والغرق في دور الضحية” ويوضح بالقول “إن ذلك سيسهل من استقطاب متعاطفين جدد وتجنيد من هم مستعدون لتصديق فكرة أنه يجب على المسلمين الدفاع من الغرب”.

رابط دائم