ليس الإهمال الطبي المتهم الأول في جريمة تصفية الرئيس الشهيد محمد مرسي، بل يأتي قبله الإهمال السياسي، ثم الحقوقي، من أسراب المعارضة المصرية المهاجرة، لتبني أعشاشها، وأوكارها، فوق ربوةٍ فارهةٍ تحمل لافتة: مناهضة الانقلاب العسكري.

على أن الذين أقاموا حياتهم الجديدة، متصدّرين مشهد معارضة الانقلاب، قدّموا خدمةً جليلةً لهذا الانقلاب، حينما راحوا يؤسّسون مشروعاتهم على ضرورة التغاضي عن موضوع شرعية الرئيس الذي جرى الانقلاب عليه، وكأنه كان انقلابًا على لا شيء..على لا أحد، وذلك بتجريد الشرعية من الشخص الذي تجسّدت فيه، منتخبًا من الشعب، وتجريد الرئيس الشرعي من هذه الشرعية، عن طريق إطلاق مقولات أنيقة عن “شرعية المعنى وشرعية المسار” إلى آخر هذا الكلام الذي تبخّر، وتعبق به أرشيف النكتة السياسية.
التعامل مع الشهيد مرسي، قبل رحيله، بوصفه السجين، لا الرئيس الشرعي، كان مفتتح الطريق لتصفيته في أثناء سجنه، مثل مثل عشرات السجناء الذين تم قتلهم تعذيبًا وحرمانًا من العلاج، ومن أبسط مقومات الحياة، حتى بات الإعلان عن رحيل سجين في زنازين عبد الفتاح السيسي خبرًا روتينيًا، يتكرّر كثيرًا، مخلفًا وراءه عباراتٍ، مكرّرة أيضًا، من الأسى والأنين، انتظارًا لخبر جديد عن مقتول جديد.

أتذكر في غمرة مشروعات ما يسمى”الاصطفاف” كان كل شيء يمضي هادئًا ومنطقيًا ومبشرًا، حتى تأتي نقطة/ إشكالية الرئيس السجين وشرعيته، وهنا تتعطّل لغة الكلام، وتتحشرج مفردات الحوار في الحناجر، حتى ينفض السامر عن بيانٍ مائع هزيل، أقصى ما يقدّمه جملة عابرة عن ظروف سجن “الدكتور مرسي”، وحرمانه من أبسط حقوق السجين.
انعكس هذا الخجل، غير الأخلاقي، في مقاربة قضية مصر الأساسية “انقلاب بالقوة المسلحة على رئيس منتخب بشكل ديمقراطي”، انعكس على تعاطي الدوائر الدولية، سياسية وإعلامية، مع قضية الرئيس مرسي. وهنا تأتي شهادة الناشطة آية حجازي، المنشورة أمس، لتسلط الضوء على المعضلة/ المأساة الحقيقية، فتكتب تحت عنوان “قتل مرتين” ما يلي:
“عندما قتل الرئيس السابق مرسي إهمالًا في السجن تواصلت مع صحف عالمية. رد علي المحرّرون برد مرعب: لقد كتبنا عنه مرة، ولا ننوي متابعة الأمر أكثر من ذلك!
ثم تواصلت مع مقرّرة الأمم المتحدة للقتل العشوائي والخارج لإطار القانون والناشطة الحقوقية السيدة كاليمارد، كناشطة تؤمن بعملها، اهتمت كثيرا بشأنه ووعدت بالتحقيق في موته.
كنت سأواصل العمل من أجل التحقيق في موته وأخذ حقه، إلا أنني تراجعت وتنحّيت جانبا، بعدما تعاملت مع بعض ممن حوله، ووجدت منهم سلوكًا لا يوصف إلا بالاستهتار إن أحسنت الظن، أو شره للجاه والمصالح إن أسأته.

مرّت شهور على موته ونسيه العلم، ربما سوى السيدة كالامارد التي صدقت وعدها، وجاءت بتقرير من الأمم المتحدة ليذكّر بوفاته، ويعلن أنه على الأرجح قتل عشوائيا بأقل تقدير”.
تلك هي المسألة باختصار: الخفّة وعدم الجدية وحب الاستعراض والنزوع إلى الاستثمار الشخصي في القضية، إذ لم يتذكّر أولئك الذين استنكفوا أن يتأسس مشروع مواجهة الانقلاب على الدفاع عن حق الرئيس الشرعي وناخبيه، لم يتذكّروا أنه “الرئيس”، ويتنافسوا على جائزة أفضل خطبة عصماء عنه، إلا بعد استشهاده.
عقب تصفية الرئيس قلت “ها هو الرئيس، وقد تركنا في موتنا العميق وأكاذيبنا الأعمق، وذهب شهيدًا وشاهدًا على ثورة قتلها أبناؤها، كما شاركوا في قتله، حيًا، ويواصلون قتله، بوصفه معنىً ورمزًا، بعد رحيله، حين يصرّون على تلويك رواية إهماله طبيًا، سجينًا لا رئيسًا، افتئاتًا على واقعٍ ينطق بأنه شهيد جريمة سياسية منظمة، تقاسمتها السلطة والمعارضة معًا، فقد قتله القاضي المزوّر، كما قتله العسكري الخائن، والسياسي الأجير، والثوري المزيف، وإعلام المهنية الملوثة، وسفلة النضال الزائف.كما قتله عجزنا وصمتنا”.

والذي جرى أن مائة وأربعين يومًا مضت على استشهاد الرئيس، تخلّلتها فاجعة تصفية ابنه الأصغر عبد الله، مضت ومعارضة الانقلاب غارقة في مشروعاتها الأخرى، ناسية، أو متناسية، جريمة قتل الرئيس، حتى صدر بيان فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، فتذكّروا الموضوع، مجدّدًا، ثم ماذا؟ أغلب الظن أنهم سيعودون سريعًا إلى مقاعدهم في مجالس الكذب على الذاكرة غير البعيدة.
الواقع أن الرئيس قتله الحرمان الطبي المتعمّد، من سلطة الانقلاب، كما قتلته البراغماتية والصفاقة السياسية وانتهازية الاصطفاف التجاري، من أصحاب مشروعات الاستثمار في معارضة سلطة الانقلاب.
وللحديث بقية..
نقلاً عن “العربي الجديد”

Facebook Comments