وصلت حالة الاعتذار والندم مؤخرا إلى حركة “تمرد” الطلابية، التي كانت إحدى أكثر المساهمين والمحرضين للجيش في الهجوم على الشرعيّة المنتخبة؛ حيث قام أحد قادتها بإعلان اعتذاره علنيّا بقوله إنه لم يطالب بدم ولا بإقصاء ولا بدكتاتورية جديدة ولا كان مع الردة على ثورة 25 يناير ولا طالب بحبس أحد ولا برر القمع ولا الفقر ولا الفساد ولا الدم “لقد عارضت حكم الإخوان وهذا حقي. غير ذلك لا شيء يمثلني مما حدث”.

اشتداد قبضة الظلم

لم يكتف الانقلاب بافتراس قادة وكوادر حركة الإخوان المسلمين ومحاولة إقصائها من المشهد السياسي، وبالتنكّر للأحزاب والتيارات والقوى التي ساندت حركته، وبتبرئة رموز نظام مبارك وإطلاق سراح مسؤولية الكبار، بل صنّع قوانين جديدة للتوقّي من أي ثورة جديدة عبر قانون منع التظاهر، ونفّذ انتقاماً مستمراً من المشاركين في الثورة، وفرض قانون الطوارئ.

ومع اشتداد قبضته على مؤسسات البرلمان والقضاء بدأ بإصدار أحكامه العنيفة، التي كان آخرها قرار قضائي اليوم بإعدام 75 شخصا في هزلية فض رابعة، وقراراته الاقتصادية القاسية، ومنها رفع أسعار المحروقات مؤخرا، ناهيك عن قراره بتسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهو قرار هزّ فئات واسعة من الشعب المصري التي اعتبرته تنازلا عن أراض مصريّة إلى السعودية مقابل المال.

أعطى إقصاء الانقلاب العسكري للإخوان أسبابا كبرى لانتشار التطرّف السلفيّ المسلّح الذي تحتقر تشكيلاته طرائق عمل الإخوان السياسية وتعادي الديمقراطية “الكافرة” وأساليب العمل السياسي المدنيّ من انتخاب ونقابات وأحزاب، وانعكس هذا بعمليّات إرهابية ضد قوّات الأمن والجيش والقضاء والسياحة والأقباط، وكان ردّ الجيش والأمن عمليّات يختلط فيها العمل الأمني بالإرهاب ضد مدنيي رفح وسكان سيناء وطالت عمليّات القتل سياحا مكسيكيين وطالبا إيطاليا وقادة ومسئولين وعناصر من الإخوان وناشطين مصريين وكثيرين لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل.

وعود السيسي

إضافة إلى هذا الخطّ الانتقاميّ القمعيّ المتشدد في داخل مصر فقد دخل الانقلاب في حلف إقليميّ مع دولة الإمارات العربية المتّحدة وبدأ تدخّلاً عسكريّاً مكشوفاً في ليبيا عبر دعم الجنرال خليفة حفتر، كما انعكس هذا التحالف المستجدّ الغريب في ساحات عربية أخرى وكان حصار قطر الأخير أحد تجلّياته المشينة.

استنبط الانقلاب معادلة لبقائه تتمثّل، داخليّا، باستيلاء الجيش على أركان السلطات وتجميد حركيّة المجتمع بالقوّة الغالبة والقوانين القمعية مستعيناً بخبرات أجهزة الأمن والتحالفات العابرة مع رجال الأعمال القادرين على الدفع، كما هو الحال مع طلعت مصطفى المدان بجريمة قتل مطربة لبنانية والذي حصل على عفو رئاسي بعد دفع شركته ما قيمته 4,4 مليار جنيه في مشروع فاشل للدولة، فيما تتوالى آلاف الأحكام المشددة للناشطين المحكومين في قضايا التظاهر والإضراب والنشر الالكتروني وغيرها من «جرائم» في عرف الانقلاب العسكري القائم.

أما المعادلة الخارجية لبقاء الانقلاب فتقوم على موضعه إقليميّا وعالميّا ضمن المنظومة الرائجة للعداء لأي تيارات تحمل طابعاً إسلاميّاً، حتى لو كانت ضد الإرهاب بكافة أشكاله وتؤمن بالانتخابات والتصويت وتناضل للحقوق المدنية، وقد أضاف السفيه السيسي ركناً آخر لانقلابه، يقارب تعامله مع قضية طلعت مصطفى، حيث يقوم بعرض خدماته السياسية والأمنية والسيادية لمن يستطيع الشراء.

تبخّرت وعود السفيه السيسي عن رخاء يعمّ بلاده خلال سنتين وأن مصر ستصبح قد الدنيا ودخلت البلاد استعصاء سياسيا واقتصاديا مريراً سيحاول الانقلاب إعادة تدويره إلى أن تتمكن النخب السياسية والمدنية وربما العسكرية؟ من تقديم آليّة تكسر هذه الدائرة المظلمة.

Facebook Comments