لم يلتفت نظام الانقلاب العسكري إلى دعوات واشنطن وبرلين والاتحاد الأوروبي الهشة، لاحترام حقوق الصحافة وحرية التعبير، إلا بقدر ما يسمح بذر الرماد في العيون، عبر قرارات بالإفراج عن العديد من الأسماء الرنانة التي تجذب أنظار الغرب، بينما في المقابل توسع في حملات الاعتقال والاختفاء القسري، على نحو ممنهج يضمن بوأد أي بصيص لكشف ممارساته القمعية وفساده الذي بلغ الزُبي.

ولم تكد قرارات نيابة أمن الانقلاب العليا، بإخلاء سبيل 206 من المعروضين عليها على ذمة 6 قضايا هزلية منفصلة، بينهم الصحفي المختطف حسن القباني، تخفف من أثار القمع عن كاهل أحرار الوطن، حتى كان في خلفية المشهد توجهات لاعتقال وتجديد حبس عشرات الصحفيين، من أجل تكميم الأفواه وإحكام الحصار على صاحبة الجلالة.

سياسة القمع

حبس الصحفيين بات روتينا يوميا وعادة انقلابية فاشية، حيث بات الصحفي الشاب يسري مصطفى نموذجا لإجرام العسكر، حيث جرى اعتقاله من مطار القاهرة، قبيل سفره إلى المملكة العربية السعودية حيث مقر عمله بالرياض، دون اتهام واضح، ليختفي قسريا لمدة 80 يوما في مكان مجهول.

وظهر الصحفي الذي عمل مندوبا برئاسة الجمهورية، في حالة يرثى لها، إلا أن افتقاد الأدلة وغياب الأحراز ولا منطقية الحبس، لم يمنع نيابة العسكر من تجديد الحبس 5 شهور على نحو عبثي، ودون أن تتم أي تحقيقات، وسط حالة خرس مخزي من جانب نقابة الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان.

ورغم الدعوات التي انطلقت على استحياء من أجل إخلاء سبيل يسري، إلا أن نيابة السيسي قررت التجديد للصحفي الشاب على ذمة القضية 441 لسنة 2018، والمعروفة إعلامياً بـ”الثلاجة”، كونها تضم العديد من الصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

واعتقلت قوات الأمن مصطفى، في 16 إبريل الماضي، ووجهت له اتهامات معلبة بـ”نشر أخبار كاذبة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد بقصد تكدير السلم العام، والانضمام إلى جماعة أسست على خلاف أحكام القانون والدستور”، والتي تضم أيضا الباحث مصطفى الأعصر، والصحفيين حسن البنا، ومعتز ودنان، والناشط الحقوقي عزت غنيم، وفاطمة موسى، وهاجر عبد الله، وشروق أمجد، وعبد الرحمن الأنصاري.

اتهامات معلبة

حالة يسري التي لم تعرف طريقها إلى منظمات حقوق الإنسان، ولم ينتفض لها الغرب، تزامنت مع قرار مماثل نيابة أمن الانقلاب، بحبس صحفي أخر في سلسلة ذبح صاحبة الجلالة، وهو أحمد شاكر بجريدة “روز اليوسف”، لمدة 15 يوما احتياطيا، ضمن القضية رقم 488 لسنة 2019، على خلفية اتهامات معلبة بـ”مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأفكار تلك الجماعة، ونشر أخبار ومعلومات كاذبة عن الوضع في مصر”.

وبعد يومين من الاختفاء القسري، ظهر صحفي المؤسسة الحكومية، في مقر نيابة أمن الانقلاب العليا، للتحقيق معه في الاتهامات الملفقة، بعد ساعات ظل خلالها رهين احتجاز في جهة غير معلومة، إثر اقتحام مليشيا العسكر منزله في مدينة طوخ، بالتزامن مع اعتقال 3 صحفيين، وإدراجهم على القضية ذاتها، وهم سولافة مجدي، وحسام الصياد، ومحمد صلاح.

وكشف مدير الشبكة العربية ومحامي المتهمين جمال عيد أن سلافة مجدي، والمتهمة في القضية بمشاركة جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة على فيسبوك، “تم الاعتداء عليها، وطلب محامو الشبكة عرضها على الطب الشرعي، وإثبات واقعة استعمال القسوة والاحتجاز بمكان غير قانوني”، وأنه “تم الاستيلاء على سيارات وموبايلات الصحفيين الثلاثة، لكن ذلك لم يثبت في المحضر”.

قناع المستبد

القضية التي أسالت الكثير من الحبر في لتحفظ ماء وجه ديمقراطية الغرب الهش، حملت في طياتها الكثير من الأكاذيب الفجة التي تثير الضحك الممزوج بالمرارة، والتي تضم عددا من الصحافيين والسياسيين والحقوقيين، على رأسهم خالد داوود رئيس حزب الدستور، وحسن نافعة وحازم حسني، وإسراء عبدالفتاح، وماهينور المصري.

وجاء القرار بمثابة إصرار من عسكر السيسي على توجيه رسالة مفادها، أنه لا تراجع عن القبضة الحديدية التي تسيطر على مكونات الوطن، خاصة بعدما مرت مداهمة ميليشيا الانقلاب، مقر موقع “مدى مصر” الإخباري، واعتقال عشرات الصحفيين، مرور الكرام، وتجاوز أثار ضجيج الغرب الذي يكون دائما بلا طحن.

ممارسات أمن الانقلاب تجاهلت تماما انتقادات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لتعامل السلطات مع الصحفيين، ودعوته إلى احترام حرية الصحافة، كما تجاوزت اتهامات منظمة العفو الدولية، لنيابة العسكر بأنها “أداة أساسية للقمع”، وهو ما يكشف تجاوز السيسي لمرحلة تجميل وجه النظام القبيح أمام العالم، وعدم الاكتراث بالكشف عن قناع المستبد.

وكانت منظمة العفو، اعترفت أن نيابة أمن الانقلاب “متواطئة” في حالات الإخفاء القسري، وانتهاك حق المعتقلين في الحصول على محاكمة عادلة، والحرمان التعسفي من الحرية، والتعذيب وسوء المعاملة، لآلاف احتجزوا لفترات طويلة لأسباب ملفقة، وانتهكت حقوقهم في محاكمة عادلة”.

وعلى ذات الدرب سار، مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، “فيليب لوثر”، بالتأكيد على أن نيابة الانقلاب وسعت تعريف الإرهاب في مصر، حتى بات يشمل المظاهرات السلمية والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، والأنشطة السياسية المشروعة.

Facebook Comments