أولئك الذين خرجوا من ديارهم وأبنائهم وأموالهم؛ فرارًا بدينهم من الطاغوت، بدءًا من شهر يوليو 2013، فتفرقوا فى بلاد شتى، فى قارات عدة، ولا يعلمون متى تنتهى الغربة، وهل يموتون فيها أم يُقتلون؟ أم يعودون إلى وطنهم سالمين غانمين؟

وهؤلاء ربما انطبقت عليهم بشارة النبى –صلى الله عليه وسلم- فى الحديث الذى فرَّق فيه بين أصحابه وأحبابه، الذين قال فيهم إن أجر الواحد منهم بأجر خمسين من أصحابه؛ معللًا ذلك بقوله: (.. لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون)، وهم مشمولون كذلك بالحديث الذى رواه أحمد: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، مأجورون –إن شاء الله- على ما أُوذوا وبذلوا وصبروا: (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: 41، 42].

لقد عزم أصحابُ النبى محمد –صلى الله عليه وسلم- على الهجرة، وهيأوا أنفسهم لها بعد إذن المعصوم لهم –وهو لا ينطق عن الهوى- فهو إذن الله وأمره، وهو –سبحانه- يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يضر وما ينفع، وقد خُطط لهذا الأمر باكرًا؛ بدءًا من إرسال السفراء حتى لم يبق فى يثرب بيتٌ واحدٌ لم يدخله الإسلام، وانتهاء بإسلام رءوس القبائل لا سيما السعدين: ابن معاذ (زعيم الأوس)، وابن عبادة (زعيم الخزرج)، وغيرهما من الزعماء المرموقين. أما يثرب المدينة فقد كانت حصنًا جغرافيًّا وملاذًا سياسيًّا للفارّين كما جاء فى الحديث الصحيح: (إنى أُريتُ دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين –وهما الحرّتان) محصنة بجبالها، آمنة بقبائلها وجماعاتها التى اختارت الإسلام فصارت متآخية متكافلة على غير عداواتها السابقة.

أما مهاجرو العصر –ثبتهم الله وربط على قلوبهم- فافتقدوا الأنصار، وافتقدوا (يثرب) الآمنة الحصينة؛ اللهم إلا أنظمة –شكر الله جهدها- آوتهم إلى حين. وهم على هذا الوضع فإن مصيرهم إلى قدر الله يفعل بهم ما يشاء؛ فتمر بهم الأزمة تلو الأزمة فتزلزلهم، وتربك حساباتهم، وربما استغلّ الشيطان الفرصة فتدخل لينزغ بينهم. رأينا ذلك أثناء انقلاب يوليو 2016 فى تركيا، وفى بدء الحصار الظالم على قطر، وقبل ثورة السودان وبعدها؛ وهم –أنجاهم الله- لا يملكون من أمرهم شيئًا؛ إذ القرار قرار الدول الحاضنة التى تُحارب من القريب والبعيد بسبب إيوائهم ونصرتهم، أما الدبلوماسية فلها قواعد وقوانين غير إنسانية، والإيواء له كلفته الإقليمية والدولية، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، الذى أفشل الانقلاب، وبدد الحصار، وفضح من ينتهجون نهج المشركين.

انتقل أصحابُ محمد –صلى الله عليه وسلم- من مكة التى تعسّر فيها كل شىء، وأُغلقت فيها كلُّ الأبواب، إلى يثرب التى ارتجّت فرحًا بقدومهم؛ ففتحت لهم المغاليق، وعرضت عليهم الأموال والعقار والزوجات، حتى شهد الله لمن استقبلوهم تلك الشهادة الخالدة: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9]. أما آباؤنا وأمهاتنا وإخوتنا وأخواتنا وأبناؤنا الذين خفّوا للسفر ما بين يوم وليلة على إثر مطاردة أو تعقُّب فقد حُرموا كل هذا؛ حيث انتقلوا إلى بلاد لا يتحدثون لغتها، ولا يعرفون عادة أهلها، ولا يجدون ترحيبًا من كثير من أبنائها –رغم إسلامهم-، وفى البلاد التى تتحدث لغتهم لم يكن سهلًا حصولهم على فرصة عمل، وفى هذه وتلك لم يأمنوا التقلبات السياسية، ولا التحولات الإقليمية والدولية، ولهم فى ذلك شواهد؛ ألم تسلِّم إحدى هذه الدول (عبد الحفيظ)؟ ألم تسلِّم دولة خليجية محايدة ثمانية من الشباب؟ ودولة آسيوية مثلهم؟ فتأمل كيف تكون مشاعر الباقين الذين وجدوا هذا الملجأ أو ذاك بعد لأى وجهود، ثم يُصدمون بتخلٍّ عن الوعود وبنقض للعهود؛ للأسباب التى ذكرناها.

لم يخش أصحابُ محمد –صلى الله عليه وسلم- على أنفسهم لما هاجروا ما يخشاه سادتنا مهاجرو اليوم.. بالأمس كانت الخشية من أبى جهل ورفاقه فى مكة، من غشمهم وجهلهم وأذاهم. واليوم هناك ألف أبى جهل، بل هناك دولٌ وقاراتٌ تريد استئصال شأفتهم. بالأمس كانت هناك بقايا أعراف عربية تمنع الجور خصوصًا على الأهلين والضعفاء، واليوم هناك مباراة لإلحاق الأذى بهم. مئات من البنات هاجرن وحدهن وقد كان لا يُسمح لإحداهن بالنزول لشراء أغراض من البقال المجاور، ومئات من الشيب والعجائز والمرضى اضطروا للسفر بلا عائل ولا متاع وقد تركوا ما خفّ حمله وما ثقُل، ومنهم من شارف الموت فى طريق سفره؛ فهؤلاء وأولئك هم المجاهدون حقًّا، الذين وعد الله –تعالى- أن يكونوا فى ذمته وأمانه: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) [الحج: 58).

يُضرب المثل بـ(صهيب) الذى فقد ماله فى سبيل الهجرة، ويُضرب المثل بـ (ابن عوف) الذى فقد تجارته وسوقه. واليوم هناك ألف صهيب، وألف عبد الرحمن، وألف أم سلمة.. هناك من كانوا وزراء وسافروا وليس فى أيديهم سوى حقيبة سفر، وهناك مئات أصحاب شركات ومديرون وذوو مناصب ووجاهة، وهناك مليونيرات تركوا وراءهم كل متاعهم، وتعرضت أموالهم إما للمصادرة أو الهلاك، لكنهم –أخلف الله عليهم- اختاروا أن يكونوا مع الصادقين ولم يرضوا أن يكونوا مع المجرمين، ولو تلونوا أو نافقوا قليلًا لظلوا على ما هم فيه من المتع، لكنها المتع الذليلة، والحياة الحقيرة التى لا يقبل بها حر، ولا يرضاها مسلم صحيح الإسلام.

لقد رأيت واحدًا من هؤلاء وقد صاحبته عشرين سنة، وأعرف غناه وأُرستقراطيته كما أعرف صدقه ومروءته؛ رأيته على إحدى الشاشات فى الدولة التى هاجر إليها، باسم الثغر منشرحًا كأنه لم يفقد شيئًا من أطيانه التى لا تعد، وقد صودرت كلها، وعلمت أنه يعيش الكفاف، يعمل فى وظيفة بسيطة، وهو من شاهدته -من قبل- وخدمُ بيته يطوفون بين يديه يلبّون إشارته. وقرأت لأحد الأفاضل –قريبًا- يصف حال هؤلاء الأكارم قائلًا إن فى الحى الذى يقيم فيه فى تركيا نحوًا من سبعين أخًا من المهاجرين من رجال الأعمال ممن تخطوا الستين وليس لهم عمل، لكنهم راضون صابرون يأملون نصرة الإسلام ولو فنى عمرهم ونفد مالهم.

تمر ذكرى الهجرة لنذكر هؤلاء الإخوة بالخير، ولنقول لهم اصبروا وصابروا ورابطوا، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، نعلم أنكم تعانون، وأنكم تبحثون عن العمل فلا تجدون، ولقد هزّنا الإعلان الذى نشره النائب المحترم أستاذ الطب يبحث عن عمل لابنيه المهندسيْن؛ فشكونا إلى الله –تعالى- ضعف قوتنا وقلة حيلتنا، ورجوناه ألا يجعل للمجرمين عليكم سبيلًا؛ فإن لم يكن لكم أنصار فالله مولاكم وهو نعم المولى ونعم النصير، وإن كان المستقبل غامضًا أمامكم فالله (عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ…) [الأنعام: 59]، وهو الذى وعد، ووعده الحق: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 21].
دمتم أتقياء سالمين.

فيسبوك