هاجر السوري "عمر الغبرا" إلى كندا في التسعينات ليتابع دراسته، وهناك درس وعمل وشغل عدة مناصب واليوم تم تعيينه وزيرا للنقل في كندا، وهكذا الشعب السوري مثل باقي شعوب المنطقة العربية بل والكرة الأرضية خلاق وموهوب، يبدع ويحقق الإنجازات في الخارج، ثم يأتي إعلام العسكر سواء في سوريا أو مصر ليطبل ويرقص للديكتاتور النجيب الملهم الذي لم يخلق الله على الأرض مثله أحد!
وبينما تعين كندا مهاجرا عربيا في وظيفة وزير، تتحكم الديكتاتوريات العربية في تلك المناصب وتحجزها للمحاسيب واللواءات وابنائهم وشبكة العائلات الحاكمة والتي تدير الثروات الاقتصادية، وشكر "الغبرا"، في تغريدة عبر حسابه الرسمي على “تويتر”، رئيس الوزراء الكندي على قرار تعيينه، مشيرا إلى أن الحكومة الكندية عملت على بناء نظام نقل أكثر كفاءة وأنظف وأكثر أمانا، خلال السنوات الخمس الماضية.

و"الغبرا" من مواليد السعودية ١٩٦٩، هاجر إلى كندا وهو في عمر ١٩ سنة، درس الهندسة وإدارة الأعمال، وتم انتخابه نائبا في البرلمان الكندي ثلاث مرات.
الحاكم الإله..!
الإعلام العسكري بمصر معروف بإطرائه المبالغ به للديكتاتور؛ لدرجة ترفع أي شخص لمنزلة قد لا يستحقها، ولدرجة تكوينهم قشرة زجاجية أو غلاف خارجي هش من الإطراء المزيف حول أي شخص، وسرعان ما يتقلب الحال بعدما يكتشف المصريون خيانته وديكتاتوريته فينقلبون ضده، ويستمتعون بتهشيم تلك القشرة وذلك الديكتاتور، حدث ذلك مع الانقلابي جمال عبد الناصر والمخلوع مبارك ويحدث الآن مع السفاح عبد الفتاح السيسي.
وهناك أسس مميزة يستخدمها الاعلام في صناعة الديكتاتور، فهذه الصناعة هي فن وعلم وهندسة يتميز بها إعلام الانقلاب، ومن بينهم منتج الأغاني الشهير نصر محروس، الذي طرح أغنية اسمها “عايزينك” تم إنتاجها عام 2014، إلا أن اللجان الإلكترونية للانقلاب أعادت تداولها على أمل أن ينخدع بها وبأخواتها، الشعب الذي يئن تحت وطأة الجوع والفقر والمرض والقمع والقتل والاعتقال.
ويقف الشعب المصري بعد عشر سنوات من ثورة يناير، على مفترق طرق بعدما انقض على ثورته العسكر في انقلاب دموي 3 يوليو 2013، وعلى مستوى العالم حكام الشعوب هم أجراء، والرؤساء خدم وموظفون لدى الشعب، لا يملكون حياتهم لأنهم أنفسهم ملك للجماهير التي اختارتهم والتي عليها أن تشغلهم وتوجههم.
مطاردون في المنفى

يأتي تعيين "الغبرا" بعد فترة من استعراض فيلم "مُطاردون في المنفى"، ضمن تحقيقات برنامج “المسافة صفر”، قصص بعض رافضي الانقلاب والمعارضين الذين غادروا مصر عقب الانقلاب العسكري، وكشف معاناة لجوئهم بين الدول بحثا عن الأمن.
وباتت الأنباء عن الترحيل إلى القاهرة كابوسا يقض مضاجع اللاجئين السياسيين المصريين بمختلف أنحاء العالم والذين غادروا بلدهم عقب الانقلاب العسكري عام 2013.
واستعرض الفيلم قصص بعض المعارضين لنظام السفاح السيسي الذين لاحقتهم المطاردة الأمنية أينما حلّوا، وسلّط الفيلم الضوء على دور الأجهزة الأمنية وبعض وسائلها الجديدة للإيقاع بالمطاردين من قبل عصابة الانقلاب في دول اللجوء.
وشهدت مصر هجرة عدد من المعارضين السياسيين من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، بعد الانقلاب العسكري منتصف 2013، وحصل بعضهم على اللجوء السياسي والحماية في بلدان بينها دول أوروبية، وغالبية المصريين في تركيا على سبيل المثال مهاجرون قسريا؛ بسبب ما يقع عليهم من ظلم واضطهاد من عصابة السفيه السيسي.
وعلى خلاف الكثير من البلاد الأوروبية فإن تركيا هي البلد المسلم الوحيد الذي شاء ألا يتأخر عن واجبه الإنسانيّ في إيواء المطاردين؛ من منطلق موروثه الحضاري الإسلامي أولا، وثانيا من منطلق تمسكه بالأعراف الإنسانية والمواثيق الدولية التي تقضي باحترام حقوق الإنسان.

غياب الأمن
ورغم أن بعض ممن لم يحالفهم التوفيق بالخروج من مصر، يغبطونهم على نعمة الأمن والحرية النسبية التي يتمتع بها هؤلاء المطاردون في البلدان التي فروا إليها، إلا أن كل مطارد منهم تقف وراءه قصة مأساوية، ويواجه مع وحشة الغربة التي أجبر عليها، مسلسلا متواصلا من المعاناة والتحديات.
وتختلف طبيعة التحديات والمعاناة، من شخص لآخر، بحسب عمره، ومهنته، وحالته الاجتماعية، وأيضا "القضائية"، ومؤهله الدراسي، فضلا عن طبيعة الدولة التي ساقته الأقدار للإقامة بها، ومدي تعاونها وعلاقتها بالانقلاب العسكري، سواء كانت إقامته في هذه الدولة باختيارها الشخصي، أو مجبرا على الإقامة بها.
يقول الناشط المصري المقيم بالخارج محمود النمر: "تبدأ معاناة المطارد قبل مغادرة الوطن"، مؤكدا أنه ظل فترة يطارده السؤال نفسه: " ما الذي يجبرني على ترك وطني وعملي وأهلي وزوجتي ونحن على موعد بعد شهور قليلة لاستقبال مولودتنا الأولى"؟

وتابع: " إنه غياب الأمن، بعد أن أصبح الخوف يحيط بنا في الشوارع والطرقات والبيوت، ولم يعد هناك مجال للحركة ولا العمل سوى انتظار دوري في القتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري". مشيرا إلى أنه رأى كيف عبثت محاكم الانقلاب العسكري بمستقبل العشرات من أصدقائه، وجيرانه، فضلا عن اختفاء الكثير منهم بالشهور دون أن يعلم أحد عنهم أي شيء، ثم يظهرون بعدها إما جثث هامدة ماتت تحت وطأة تعذيب أجهزة الانقلاب الأمنية، أو هياكل عظمية فقدوا غالبية وزنهم، وتغيرت ملامحهم من شدة ما تعرضوا له من التنكيل بهم، وإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها".
وأضاف: " ثم تأتي بعد ذلك المرحلة المعقدة لرحلة الفرار، فغالبية الأسماء بالتأكيد مسجلة في قوائم الممنوعين من السفر، وبالتالي ليس أمامك سوى أحد الخيارين، إما أن تخاطر وتسافر من المطار، وتتبع الإجراءات الأمنية في استخراج تصاريح السفر، أو تبحث عن طريق غير شرعي وتخاطر في دروب الصحراء وتصبح حياتك رهن مافيا التهريب".
رحلة معاناة

وقال: إنه بمجرد وصولك إلى بلد الإقامة، تبدأ رحلة أصعب من المعاناة، تبدأ بالتأقلم مع ظروف البلد خاصة إذا كانت بلدا غير عربية، ثم المرحلة المرة في البحث عن فرصة عمل، أو أي مصدر رزق يحقق لك على الأقل الحد الأدنى من المعيشة.
ولفت النمر، إلى أن المعاناة الأكثر ألما، " أن يتنكر لك الأصدقاء الذين تعول عليهم وسبقوك في المجيء شهورا أو سنينا، ورتبوا حياتهم على غيابك وأصبح حضورك زائدا، إلا ما ندر، فالكل يبحث عن كيف يكفى نفسه"، مؤكدا أن أصعب اللحظات قسوة على قلبه، ومرارة في حلقه لا تنتهي، عند سماع خبر ولادة ابنته " أول فرحته"، دون أن يكون بجوار زوجته، أو يحمل رضيعته، وهو لا يدري حتى هذه اللحظة متى يلتقي بها ويضمها إلى صدره.
وانتشر مؤخرا في إعلام العسكر بمصر الحديث عن فكرة "الديكتاتور المستنير"، وهو، بحسب عمرو أديب وأحمد موسى وخالد الجندي وغيرهم من الأذرع الناطقة، هو الذي يستخدم سلطاته، من أجل التنوير ونشر الأفكار الحديثة وأفكار التنوير في المجتمع المتخلف، مثل أتاتورك وجوزيف تيتو والحبيب بورقيبة وجمال عبدالناصر!
فمن وجهة نظر أذرع السفاح السيسي ودعاة الديكتاتورية المستنيرة في مصر، لا بد من حاكم قوي يسعى إلى تطبيق قيم المدنية والعلمانية بالقوة، حتى يقتلع الجهل والتخلف من المجتمع، وحتى يستطيع أن يواجه الأفكار المتطرّفة والإرهاب، فبعد سنوات من الديكتاتورية المستنيرة، يبدأ المجتمع في تقبّل أفكار التحضّر والرقي وقبول الآخر.
أما الديمقراطية وحقوق الإنسان فهي، من وجهة نظرهم، تؤدي إلى الفوضى، وتساعد على انتشار الفكر المتطرف والإرهاب؛ ولذلك من الأفضل تأجيل الحريات السياسية إلى أن يكون المجتمع متقبلا ذلك، بعد سنوات من التمهيد عن طريق الديكتاتورية المستنيرة، وزرع قيم التنوير بالقوة!

Facebook Comments