أثارت المواجهات العنيفة التي شهدتها "تل أبيب" مساء السبت 11 يوليو 2020م وامتدت حتى فجر الأحد، مخاوف كبيرة لدى معظم الصهيونيين؛ ذلك أن أكثر من 10 آلاف صهيوني تظاهروا في ساحة "رابين" احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء تعليق الأعمال بسبب تفشي جائحة كورونا ما أفضى إلى ارتفاع البطالة التي تجاوزت نسبتها 20%، مع بقاء مئات آلاف أصحاب الأعمال والمصالح التجارية الحرة بدون عمل.

أسفرت المواجهات عن اعتقال 19 متظاهراً على الأقل وإصابة ثلاثة من عناصر الشرطة، بعد رميهم بالحجارة ورش غاز الفلفل باتجاههم. كما تظاهر المئات من اليهود "الحريديم" في القدس المحتلة، وكسروا الحواجز التي وضعتها الشرطة لإغلاق أحيائهم بسبب كثرة الإصابات فيها بفيروس كورونا. وطالب المتظاهرون حكومة الاحتلال بتحويل الأموال والدعم الذي وعدت بصرفه لأصحاب الأعمال الحرة في أكثر من مناسبة، منذ اندلاع جائحة كورونا في مارس الماضي، واندلاع الموجة الثانية منها في إسرائيل في الشهر الماضي، حيث تجاوز عدد المصابين بالجائحة حتى الآن 35 ألف مصاب، ناهيك عن تسجيل دولة الاحتلال، إصابات عالية يوميا.

وجاءت التظاهرة الاحتجاجية مع استمرار تراجع الاقتصاد في الكيان الصهيوني، خاصة في قطاع الخدمات الترفيهية والمطاعم والأعمال الحرة، بينما يفترض أن تقر الحكومة في جلستها الأسبوعية الخطة الاقتصادية الجديدة بحجم 90 مليار شيقل، وتمديد فترة دفع مخصصات البطالة حتى شهر يونيو من العام القادم.

ووفقا للمعطيات الصهيونية، فإن أكثر من 847 ألفا لا يزالون عاطلين عن العمل، إضافة إلى مئات آلاف أصحاب المهن والأعمال الحرة، خاصة في قطاع السياحة والمطاعم والملاهي، والسفريات، ممن فقدوا أعمالهم أو اضطروا إلى إغلاق محالهم بفعل تعليمات وزارة الصحة لوقف انتشار جائحة كورونا.

بموازاة ذلك، شهدت مدينة القدس المحتلة، خاصة في أحياء "الحريديم" اليهودية، مظاهرات صاخبة، حيث قام "الحريديم" بكسر وإزالة الحواجز الشرطية التي وضعت على مشارف أحيائهم بعد إقرار إغلاقها ومنع الخروج منها بفعل انتشار حائجة كورونا فيها بنسب عالية جدا. وقال موقع "يديعوت أحرونوت" إن مئات المتظاهرين من هذه الأحياء قاموا برشق عناصر الشرطة الصهيونية بالبيض والحجارة واستهداف الممتلكات العامة في المدينة.

الخوف من عصيان مدني
وتخشى تقديرات موقف صهيونية من أن تفضي تداعيات تفشي كورونا إلى عصيان مدني، وكانت صحيفة "هآرتس" نشرت تقريرا في 24 إبريل 2020م كشفت فيه أن جهات مختلفة في أذرع الاستخبارات الصهيونية العسكرية والعامة، بحثت وتداولت سبل مواجهة ومنع اندلاع عصيانٍ مدني على خلفية جائحة كورونا. وبحسب التقرير، فإن ضباطاً وجنوداً من إحدى الوحدات السرّية في جمع المعلومات، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، شاركوا في مداولات الطاقم الخاص الذي أسسّه مجلس الأمن القومي الصهيوني، بهدف منع تطور عصيان مدني، رداً على تفاقم الأوضاع الاقتصادية والنفسية والصحية للصهيونيين. وبحث كيفية "استباق ومنع مثل هذا العصيان، من خلال تفادي مخاطر هيجان اجتماعي واسع النطاق قد يسبب احتجاجات واسعة ضد الحكومة ومؤسسات الدولة". وتصدّر العامل الاقتصادي، خصوصاً في ضوء تجاوز عدد العاطلين من العمل نسبة 25 في المائة في الكيان الصهيوني، العوامل التي يمكن أن تدفع إلى حالة من العصيان المدني، ولا سيما العجز عن دفع إيجارات المنازل، وقروض الإسكان والفواتير المختلفة، أو فقدان القدرة على شراء الغذاء، أو في المقابل بفعل الخوف من نقص في المواد الغذائية.

نحو السيناريو التشاؤمي
وترتفع مستويات القلق وصولا إلى الخوف على مستقبل الكيان الصهيوني استنادا إلى أن تفشي الوباء أفضى فعليا إلى تعزيز عوامل التفكك والفوضى في مرحلة تتسم أساسا بالسيولة بعد التحالف الهش الذي تشكل بين بنيامين نتنياهو وإيني غانتس.
وكان معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني قد وضع عدة مسارات أمام حكومة الاحتلال للخروج من أزمة تفشي وباء كورونا "كوفيد ــ19"، وذلك خلال حلقة نقاشية عقدها في 12 مارس 2020م، تحت عنوان «كورونا.. الأمن القومي .. الديمقراطية». مع التأكيد على أن أداء الحكومة هو أحد العوامل الأساسية التي ترجح أحد هذه المسارات على الآخر.

الأول، هو المسار المتفائل (دولة مسيطرة)، والذي يتوقع نجاح الحكومة على احتواء العدوى وحصار الوباء عند مستوى من الإصابات يقدر بالمئات والوفيات بالعشرات، مع دخول الربيع والصيف وارتفاع درجات الحرارة باعتبارهما كفيلان بكبح الانتشار والأعراض. واستعادة العلاقات التجاريّة العالميّة في الربعين الثاني والثالث لهذا العام، واستعادة السياحة، مع انخفاض طفيف في الناتج المحلي الإجمالي.

الثاني، هو المسار المتشائم (دولة مريضة)، وتوقع استمرار الجائحة لأكثر من ستة شهور ما يؤدي إلى عدم قدرة معظم الدول على احتواء العدوى، مع تباطؤ النمو في الاقتصاد الأميركي أو نمو سنوي سالب، واعتبر المعهد العبري هذا أكبر تهديد لإسرائيل. لأنه سيفضي إلى آثار مدمّرة على الناتج القومي الإسرائيلي ونمو سنوي سالب.

الثالث، هو المسار الكارثي (دولة غير فعّالة)، وفيه يتوقع خروج المرض عن السيطرة، وانهيار الخدمات العامة، مع تلاشي الثقة بالحكومة والسلطات؛ ما يؤدي إلى انهيار قدرات صمود الأمن القومي أمام التحديّات الاستراتيجيّة.
وبعد مرور أربعة شهور بات الكيان الصهيوني محاصرا بين سيناريوهين: المتشائم إذا امتد الوباء لأكثر من ستة شهور، والكارثي إذا خرجت الوباء عن السيطرة وفقدت الحكومة قدرتها على احتواء العدوى ومنع انتشارها.

ويزيد من أجواء الإحباط واليأس بين الإسرائيليين، تقديرات مخابراتية تفيد وفقا لصحيفة "معاريف" العبرية في تقرير لها نشرته الجمعة 24 إبريل 2020م، أن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي ترجح أن تستمر أزمة كورونا في الدولة العبرية حتى نهاية 2021م، وهي التقديرات التي شارك فيها فريق مكون من 400 محلل وخبير في الاستخبارات العسكرية يعمل على مسح وتحليل كل المعلومات المنشورة حول تفشي كورونا في العالم. وسبق لرئيس هذا الفريق وهو ضابط برتبة عقيد أن حذر قيادته من مغبة أن تتحول (إسرائيل) إلى إيطاليا ثانية" وذلك في وقت لم تكن تتجاوز فيه حصيلة الوفيات الناجمة عن كورونا في إسرائيل بضع حالات.

Facebook Comments