مع أول دفقة ثورية أطلقها الإخوة التونسيون فى 14 من يناير 2011؛ زُلزلت الأرض من تحت أقدام الطواغيت؛ إذ فى العام نفسه أزهق هذا الزلزال عددًا من الأنظمة العربية المستبدة، واستقر فى بلدان أخرى يصارع أنظمتها التى هرع الشرق والغرب لنجدتها، واضعين ما يسمى بـ(القيم الإنسانية) تحت أقدامهم لإنقاذ وكلائهم فى هذه البلدان المنكوبة.
وبعد ثمانى سنوات من الموجة الثورية الأولى، وقعت خلالها أحداثٌ وأحداث، وظهر ما كان مخفيًّا لعقود؛ أطلت علينا موجة ثورية ثانية، هبت نسائمها من الجنوب، بلدنا الثانى: السودان، ومن الغرب؛ جزائر الشهداء وقد ظن الكثيرون أن الشعوب ماتت وألا ثورة بعد ثورة 2011؛ فإذا بأبناء البلدين العزيزين يفجرون فينا روح يناير، وعظمة الثوار، ويستعيدون فى التوقيت ذاته (مطلع العام) أمجاد الشباب فى تونس الخضراء ومصر المحروسة، وليبيا وسوريا واليمن.
أثبتت الفعاليات الدائرة الآن أن هناك مخزونًا ثوريًّا عربيًّا لن ينضب؛ إذ لم يُسحب منه إلا بقدر، وأن هذا المخزون كاف لإزهاق الأنظمة الفاجرة التى تربّت على عين المحتلين وتسير على نهجهم ووفق خططهم. قد يُهيأ للبعض أن هذه الثورات جاءت صدفة أو بترتيب من الأنظمة نفسها أو من يقف وراءها لـ(إعادة التدوير) كما يزعمون؛ وهذا خطأ؛ فلو أرادوا (التدوير) ما لجئوا إلى تسيير المظاهرات التى تمثل خطرًا عليهم، فضلًا عن أن الثوار خرجوا ردًّا على تجاوزات فجة للنظامين؛ أى أنه خروج عفوى بعد طول ترقب وانتظار، وما كان له أن يبقى كامنًا على حكومات تجهر بالعمالة وبيع الأوطان.
المتابع لمظاهرات البلدين يرصد وعيًا بإدارة الثورة، وإدراكًا لما جرى لأخواتها من قبل وقد التفت عليها الثورة المضادة؛ فالثوار متمسكون بسلميتهم، لا يلتفتون لتنازلات الأنظمة الجزئية (المقسطة)، غير منشغلين بما يُلقى فى طريقهم من شائعات (الأجهزة السيادية!) التى تحاول شق صفهم أو إحداث ثغرات يفسدون من خلالها هذا الزخم الثورى الكبير، واعين لدور الدول المارقة فى إجهاض الثورات فى بلدان أخرى؛ لذا رأينا لافتات فى التظاهرات الجزائرية ترفع شعار (تسقط الإمارات) مجاورًا لشعار (لا للعهدة الخامسة).
وعندما يرفع المتظاهرون فى البلدين –كما رأينا- لافتات تندد بالنظام المصرى، أو تؤيد حق المصريين فى حكم ديمقراطى عادل، أو تحفز أشقاءهم فى بلدان أخرى على الثورة –فإنما يدل ذلك على أن الهمَّ واحد، والقضية مشتركة، وأن الشعوب العربية –جميعًا- تئن تحت مقصلة أنظمتها الفاسدة، وأنه لا بد من الثورة فى كل مكان من أرض الوطن العربى الكبير، أرض النبوات، ومهبط الرسالات؛ فالثورة الآن فى الجزائر وليست فى مصر، لكن الجزائرى لا ينسى إبان ثورته أخاه المصرى؛ ليقينه أن تحرير المصرى أو الليبى أو التونسى ضمانة لتحرره هو، وفى المقابل فإن بقاءهم تحت سلطة المستبدين تعطيل لثورته هو، وإفساد لمنجزات أبناء شعبه فى طريق التحرير.
انطلق قطار الثورة العربية فى يناير 2011 ولن يتوقف ما بقى ديكتاتور واحد من حكام أمتنا الضائعة، وحتى تتولى شعوبنا قيادة بلدانها بنفسها. ومع كل انطلاق لثورة جديدة نلمس إلى أى مدى صارت الشعوب واعية؛ فلم تعد تخدرها الوعود الزائفة، أو تخدعها التمثيليات و(السيناريوهات) المغشوشة، وقد عمَّ هذا الوعى الحضر والبادية، والمراكز والأطراف، والعلو والسفل، فالمظاهرات الجزائرية والسودانية موزعة على شتى الولايات وليستا متواجدتين فى عاصمة أو جهة بعينها، بل ترى الثوار فى كل مكان؛ ما يؤكد أن نداء التغيير وصل الجميع، وأن الجماهير باتت تلبى هذا النداء، وأن الثورة صارت فرض عين على كل من سمع أذانها.
وكما أثبتت الموجة الأولى من ثورة العرب حنينها إلى أصلنا وتراثنا وديننا؛ فقد أكدت الموجة الحالية هذا الأمر؛ لفظًا لمظاهر التغريب التى فرضها علينا المحتل المحلى خلال العقود الماضية؛ فالعرب من المحيط إلى الخليج أبناء الإسلام حرّاس العقيدة؛ فلا أقل من أن يربطوا خروجهم من أجل التحرر بساعة الانتهاء من صلاة الجمعة، وأن تكون المساجد هى نقطة الانطلاق الثورى، وإذا كان ثمة اجتماع لمختلف الفصائل والتوجهات فإنما يكون فى صف صلاة الجماعة.
تبقى الإشارة إلى أثر هذه الموجة على الأنظمة العفنة الباقية؛ إذ ألبستهم لباس الخوف والفزع بعد ما ظنوا أن جهودهم ضد ثورات الشعوب قد آتت أكلها وقد بذلوا الكثير والكثير لإفشالها؛ فها هو المارد يخرج من قمقمه ليصيبهم بالدوار، وليذكرهم بما وقع لإخوانهم الذين سبقوهم بالاستبداد، ولا حل أمامهم سوى التسليم بحق الشعوب ورغباتها وشروطها وفى هذا هلاكهم، أو التمادى فى الظلم والإجرام والتصدى بعنف لمحاولات التغيير وفى هذا هلاكهم كذلك؛ إذ مهما طالت المواجهة فى ظل هذا المخزون الثورى العظيم فستكون الغلبة –لا محالة- للشعوب المقهورة على هؤلاء الذين لا يرقبون فى مؤمن إلًّا ولا ذمَّة.
أما أكثر هذه الأنظمة فزعًا فهى تلك الممالك التى موَّلت الثورات المضادة ودعمت المستبدين، واستحلت الدماء، وتحالفت مع الأعداء وقد كانت تظن أن الثورة توقفت عند حدود مصر أو تونس وهى لا تعلم أن اليوم السودان والجزائر وغدًا المغرب والأردن، وبعد غد سيحل الدور عليهم؛ ولا غرو فى ذلك وقد بدأت أرضهم تمور بالثورة رغم ما يخططون وما ينفقون (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ..) [الأنفال: 36].

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments