رغم هيمنة الجيش، بمباركة قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي، على كل القطاعات الاقتصادية الأساسية، ورغم حصوله على تسهيلات وإمكانيات كبيرة لا تتاح لغيره، إلا أن المشروعات التى يتولى الجيش تنفيذها تعانى من التعثر بل والفشل فى كثير من الأحيان .

وكشف مقاولون عن تعثر مشروع “دار مصر”، أكبر مشروع سكني يشيده الجيش للطبقة المتوسطة، مؤكدين أن المشروع الذي تشرف عليه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وبدأ تنفيذه منذ عام 2014، يعانى من تأخر التنفيذ وفق جدول زمني محدد، إضافة إلى مشكلة في معايير الجودة بالمشروع.

وقال مقاولون يعملون فى المشروع، إن “دار مصر” مشروع للإسكان المتوسط يُنفَّذ في 12 مدينة جديدة، ويهدف إلى إنشاء 250 ألف وحدة سكنية كاملة التشطيب، إلا أن أعمال البناء لا تزال متراكمة في بعض الأماكن، بسبب تأخر شركة المقاولات في صرف مستحقات الشركات المكلفة بتنفيذ المشروع. وأكدوا أن هناك عيوبًا كثيرة في الوحدات السكنية، إضافة إلى سوء التشطيب، وعدم اكتمال منظومة الخدمات.

يشار إلى أن كل مصانع الجيش وشركاته تحصل على إعفاء كامل من الضرائب والجمارك، بجانب إعفاء منشآت الجيش الاقتصادية من الضرائب العقارية المفروضة على سائر المنشآت؛ بزعم أن هذا يسمح لها بتقديم المنتجات والخدمات بأسعار أقل من نظيرتها.

كان موقع “ميدل إيست آي” البريطاني قد حذر من “مخاطر توسع الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية في مصر”. وقال الموقع فى تقرير نشره مؤخرا: إن “الاقتصاد العسكري المصري تطور إلى ما هو أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات .

وأكد أن العسكر “يهيمنون على نسبة تتراوح بين الـ50-60% من الاقتصاد المصري، ويستحوذون على 90% من أراضي مصر، ويسخرون الجنود للعمل مجانا في مشاريعهم فينافسون بذلك أصحاب المشاريع الأخرى الخاصة المدنية.

منافسة غير عادلة

وقالت صحيفة لوموند الفرنسية، إن إحكام الجيش المصري سيطرته على العديد من القطاعات الاقتصادية، منذ انقلاب العسكر بقيادة عبد الفتاح السيسي، تسبب في اختلال توازن الاقتصاد برمته، ودفع رجال الأعمال إلى الخروج عن صمتهم.

وأكدت الصحيفة- في تقرير للكاتبة هيلين سالون- أن السيسي والجيش لم يبديا تسامحا تجاه أي انتقادات لحقيقة ممارستهما السلطة دون تقاسمها، ومع ذلك تنتشر الادعاءات داخل أوساط الأعمال التجارية المصرية والأجنبية ضد الجيش، بصفته طرفا فاعلا يفرض منافسة غير عادلة، ويتغاضى عن المخاطر التي تواجهها بعض المشاريع.

وأشار التقرير إلى أن العديد من القطاعات ما زالت تخضع لسيطرة الجيش الآخذة في التزايد، بما في ذلك المياه المعدنية والأجهزة المنزلية ومحطات البنزين واللوحات الإعلانية ومصانع الإسمنت والأدوية والمنتجعات والمدارس الدولية.

وأوضح أنه رغم أن تدخل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد لا يعد حديثا، إلا أن السيسي يواصل الاندفاع والمضي قدما في هذه المسألة، حيث اكتسب الجيش في عهده ثقلا أكبر مقارنة بعهد المخلوع حسني مبارك، حيث حرص السيسي على تقديم الجيش على أنه المؤسسة الأجدر بالثقة؛ لأنها الأكثر فاعلية والأقل تكلفة وفسادًا، بحسب زعمه .

ولفت التقرير إلى أن السيسي منح ثقته للمؤسسة العسكرية، وكلفها بمشاريع ضخمة أطلقها مثل تجديد الطرق، ومضاعفة أرباح قناة السويس، وإنشاء عاصمة إدارية جديدة ومدن جديدة، وغيرها، وهذا انعكس سلبيًّا على البلاد.

احتضار مشروع

وقال التقرير، إن القرّاء المصريين تفاجئوا في الخامس من سبتمبر 2018 بالهجوم الذي شنته جريدة “الوفد” ضد الجيش، عندما وجّه رجل الأعمال محمد علي سرحان- عبرها- الحديث للسيسي قائلا “مشروع مستقبل مصر يحتضر”، داعيا إياه إلى إيجاد حل للانتكاسات التي تعرض لها الأربعون مستثمرا الذين شاركوا في هذا المشروع، علما أنه مدعوم من قبل السيسي نفسه ويخضع لإشراف القوات الجوية.

وأوضحت الكاتبة “هيلين سالون” أنه وفقًا لاتفاقية وُقعت في مطلع عام 2018، حُوّلت مئة ألف هكتار من الصحراء شمال القاهرة إلى أراض زراعية في غضون ستة أشهر فقط، وقطع السيسي وعدا بمد المستثمرين بالعقود في اللحظة الأخيرة، أي خلال حفل التدشين الذي يشرف عليه شخصيا، والذي كان من المقرر أن يُنظّم أواخر يونيو 2018.

وقالت الكاتبة، إن هذا القرار لم يُثر قلق المستثمرين لأن هذه الممارسة كانت شائعة في البلاد، كما أن القوات الجوية تعهّدت بأن هذه الأراضي ستكون على ذمة المستثمرين لمدة 49 عاما قابلة للتجديد، وبناء على ذلك لم يتردد هؤلاء في دفع أموال طائلة ناهزت 150 مليون جنيه مخصصة لشبكة الطاقة الكهربائية، ومبلغ تسعة ملايين جنيه لكل ألف فدان.

وذكرت أنه في بداية الأمر، سار التعاون بين المستثمرين ولجنة المراقبة التابعة للقوات الجوية على ما يرام، وقبل أسابيع قليلة من الافتتاح اختفى فريق اللجنة واكتشف المستثمرون في وقت لاحق أنه جرى تخفيض رتبة قائد سلاح الجو يونس المصري إلى وزير الطيران المدني، وأن أعضاء اللجنة الآخرين تعرضوا للاعتقال.

ونقلت الكاتبة عن مصدر مطلع على القضية قوله: إن “ضباط الفريق الجديد أفادوا بأن أسلافهم كانوا فاسدين، وألقوا اللوم على المستثمرين لأنهم بدءوا مشروعا بهذا الحجم دون توقيع عقد. مشيرة إلى قول محمد علي سرحان: “لقد أُصبنا بالصدمة حين علمنا أن عقودنا ستمكننا من تسهيلات لمدة خمس سنوات فقط، فى حين نحتاج إلى 15 سنة على الأقل ورغم مرور عام تعذّر التوصل إلى حل توافقي .

ضحية للسيسي

وكشفت عن أن الجيش يستفيد من الأرباح التي تأتيه من وجود ضباطه المتقاعدين على رأس الشركات العمومية، ومن سيطرته على الأراضي العامة، التي تمثل 94% من مساحة البلاد، مؤكدة أن وزارة الدفاع تتمتع بحق الرقابة على تخصيص هذه الأراضي للاستخدام المدني، وتسيطر على أكبر المناطق الاستراتيجية، بما في ذلك المناطق الحدودية والساحل وسيناء وقناة السويس، حيث تتركز أغلب الاستثمارات.

ونوّهت الكاتبة إلى أن “الشركات الخاصة العملاقة تشتكي من وقوعها ضحية للسيسي من خلال تبديد أموال طائلة في استثمارات فاشلة، وتعد الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات التابعة للقطاع غير الرسمي الأكثر عرضة للخطر”، مشيرة إلى أن هذه الشركات تحتج على الاضطرار إلى تخفيض هوامش الربح من أجل إطلاق مشاريع منخفضة التكلفة.

وتطرقت إلى أن المؤسسة العسكرية دخلت قطاعات جديدة عقب العجز المتعلق بأزمة الدولار وانخفاض قيمة الجنيه في نوفمبر 2016، ومن خلال الإشارة إلى الوضع الملح وخطر حدوث اضطرابات اجتماعية، تدخل الجيش لاستيراد المنتجات الضرورية منخفضة التكلفة، لافتة إلى أن المؤسسة العسكرية انتقلت من الاستيراد إلى الإنتاج في قطاعات متنوعة، وصرح مستورد (رفض الإفصاح عن اسمه) بأن “الجيش يقوم بكل الأنشطة من مزارع تربية الأسماك والفواكه والخضراوات واللحوم والزراعة وحتى الطباعة، وقد يتعين علينا سؤال الجيش عمّا لم يفعله بعد حتى نتمكن نحن من فعله؟

مشاريع عقيمة

من جانبه وصف ماجد مندور، محلل سياسي، مشاريع العسكر بالعقيمة، موضحًا أن السيسي يُعطي الأولوية لمشاريع البنى التحتية الواسعة النطاق بهدف حشد الدعم، غير أن هذه المشاريع تُعزّز قبضة القوات المسلحة على الاقتصاد ولا تُقدّم أي منافع اقتصادية ملموسة.

وقال مندور، فى تصريحات صحفية: إن الجيش منذ انقلاب السيسي نفّذ جملةً من مشاريع البنى التحتية الضخمة المشكوك في فوائدها الاقتصادية، معربًا عن دهشته من أنه رغم أزمة الديون المستفحلة، تبقى هذه المشاريع أولوية حكومية.

وقد تفاقمت هذه الأزمة مع بلوغ مجموع الديون ما نسبته 101 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول أواخر عام 2018، وكلفة خدمة الدين 31 في المئة من موازنة 2016-2017. ومن التحديات البارزة التي تطرحها أزمة الديون العبء الذي تتحمّله الموازنة بسبب استحقاقات تسديد الفوائد.

وأشار إلى أنه يُروَّج لهذه المشاريع بأنها أساسية لإنعاش الاقتصاد المصري، لكنها تؤدّي وظيفتَين مهمتَين. فهي توفّر للجيش فرصا إضافية لزيادة تدخّله في جوانب مختلفة من الاقتصاد المصري، موضحا أن التقارير تحدّثت مؤخرا عن نمو الشركات المملوكة من القوات المسلحة في عهد السيسي من خلال مشاركتها في مشاريع ضخمة للبنية التحتية. والمثال الأبرز في هذا الصدد شركة العريش للإسمنت التي شيّدت مؤخرا مصنع الإسمنت الأكبر في مصر بقيمة مليار دولار .

Facebook Comments