أفادت تقارير إعلامية، تداولتها مواقع فلسطينية وعربية، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس “أبو مازن”، عازم على إعلان قطاع غزة ( إقليماً متمرداً)، ومنحه حركة حماس ستين يوماً لتسليم كافة المؤسسات لحكومة موالية له، وهو ما يثير تساؤلات لدى المواطنين حول إمكانية تطبيق هذا الإعلان وانعكاساته على الانقسام الفلسطيني ومقدار ما يحققه من مصالح لخدمة الكيان الصهيوني.

وفي الأيام الأخيرة تصاعدت حدة التصريحات الهجومية والمتوترة التي يطلقها قادة حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية من الضفة الغربية المحتلة تجاه قطاع غزة وحركة “حماس”، والتي ترافقت مع الحراك الشعبي في القطاع الذي تدعمه “فتح” لإسقاط “حماس”.

وتساءل مواطنون، حول النتائج المترتبة على إعلان القطاع إقليماً متمرداً، الأمر الذي يجري تداوله منذ الانقسام الفلسطيني إبان عام 2007.

ورغم العقوبات القاسية التي يفرضها أبو مازن على سكان القطاع منذ أبريل من العام 2017، وتسببت بشلل الحياة الاقتصادية وتفاقم معاناة المواطنين، الذين يعانون من ويلات الحصار الإسرائيلي منذ 12 عاماً، يتجه عباس لاستخدام الورقة الأصعب التي هدد بها في السابق كخيار أخير ضد غزة.

ويعني إعلان غزة “إقليماً متمرداً” وقف دفع الالتزامات المالية من رام الله المتعلقة بالمياه والكهرباء للشركات الإسرائيلية نيابة عن غزة، ووقف جميع المساعدات المالية، بالإضافة إلى هذا فإن كل الذين يتقاضون أجورهم من رام الله سيتم وقف رواتبهم حتى يضاعفوا عامل الضغط على “حماس”، وأيضاً ستتحمل المؤسسات الأجنبية تبعات كل ما يجرى لها حال تعرضها لأي خطر لأن الرئيس لا يملك أي سلطة في غزة، وهذا تخويف ودفع لها إلى ترك غزة، وكذلك سيتم الإيعاز للمصارف أن تغلق فروعها في غزة حتى لا يتم تحويل الأموال.

حماس ترد

كانت الطامة الكبرى في تصريحات رئيس السلطة التي قال فيها: “بصفتي رئيسًا للشعب الفلسطيني، قررت اتخاذ الإجراءات الوطنية والقانونية والمالية كافة من أجل المحافظة على المشروع الوطني”، في إشارة لعقوبات سيفرضها قريبا على قطاع غزة.
الرد السريع والحاسم جاء من حركة حماس، عبر بيان رسمي نشره موقعها الإلكتروني، دعت فيه للذهاب إلى الشعب الفلسطيني “لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومجلس وطني؛ كي ينتخب الشعب قيادته ومن هم أهل لتحقيق الوحدة وتحمل المسؤولية ورعاية مصالحه”.

واعتبرت حماس أن “إصدار “عباس” الأحكام المسبقة” واتهامه المباشر للحركة في محاولة اغتيال “الحمدالله”، “في حين مازالت الأجهزة الأمنية في غزة تواصل تحقيقاتها دون تعاون من حكومته “يعد” حرفا لمسار العدالة وسير التحقيقات”.

وطالبت الحركة كل الجهات الإقليمية والدولية وجامعة الدول العربية “بالتدخل العاجل والمسؤول لوقف هذه التهور الخطير، وتحمل مسؤولياتهم في منع وقوع الكارثة على المستوى الوطني الفلسطيني الداخلي، والمترتب على سياسة “عباس” وقراراته بحق غزة وأهلها”.

شروط لا تنطبق

وفي هذا السياق، قال الخبير الدولي، عبد الكريم شبير، إن إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً، يعني في القانون الدولي، أن القطاع جهة متمردة على الشرعية والدستور الفلسطيني والقوانين المعمول بها في فلسطين، مشيراً إلى أن الإعلان يجيز للسلطة الحاكمة اتخاذ أي إجراءات ضد هذا الإقليم.

وأوضح شبير، أن شروط الإقليم المتمرد لا تنطبق على قطاع غزة، وأن أي إجراءات تؤخذ على غزة تشكل عقاباً جماعياً، الأمر الذي يعتبر محظوراً في القانون الدولي والإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين.

وأضاف: “يسمح الإعلان للدولة باتخاذ الإجراءات المالية والاقتصادية التي تراها مناسبة، والتي تشمل تقييد حرية الحركة وإغلاق المعابر، ومنع إصدار جوازات سفر، وإغلاق البنوك، ومنع تواصل دول العالم مع هذا الإقليم”، لافتاً إلى أنه في حال إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً، فإن ذلك سيشمل كافة مناحي الحياة في القطاع.

“إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً” خطوة عباس التي حذر الكثير من السياسيين والمحللين من اللجوء إليها، على اعتبارها إعلاناً صريحاً لفصل غزة وتعميق أزماتها، وضوءاً أخضر للاحتلال الإسرائيلي لاستهداف سكانها وتشديد الخناق عليهم؛ لكونها في نظر العالم “بقعة متمردة وخارجة عن سيطرة سلطة رام الله”.

إجراءات عقابية

ويبدو التساؤل الأبرز متعلقا بما يمكن أن يتخذه “عباس” من إجراءات عقابية تضاعف معاناة نحو مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع، يعانون أساسا من عقوبات اتخذتها السلطة على مدار الأشهر السابقة على توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس بالقاهرة، في أكتوبر الماضي. وجاءت تلك العقوبات، التي تقول السلطة إنها للضغط على حماس وليست موجهة للشعب الفلسطيني، كالتالي:

-تقليص رواتب موظفي السلطة في غزة بنسب تراوحت بين 30 و50% دون وجه حق، وبالمخالفة لأحكام القوانين التي تم بموجبها ترتيب الوضع الوظيفي.

-الاستمرار في فرض “ضريبة البلو” على وقود محطة الكهرباء في غزة، بما يرفع سعره لنحو ثلاثة أضعاف السعر الفعلي، الأمر الذي أسفر عن أزمة خانقة منذ نحو 3 أشهر، بمعدل 4 ساعات وصل، يليها 12 ساعة قطع.

-منع إدخال الأدوية للقطاع منذ أبريل الماضي، بحجة أن حماس تبيعها للمرضى وتتكسب من ورائها، وكشف الناطق باسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، أن 175 صنفًا من الأدوية والمستهكلات الطبية أصبح رصيدها صفر، وغاب 35% من الأدوية الأساسية والتخصصية، لاسيما 90% من أدوية السرطان، و40% من المستهلكات الطبية الهامة.

-تجميد التحويلات المالية للجمعيات الخيرية، ومنها تجميد حسابات 32 مؤسسة خيرية عاملة في قطاع غزة العام الماضي، فيما عمد بنك فلسطين الحكومي إلى إرجاع مئات الملايين من الدولارات إلى المتبرعين في الخارج.

-قطع رواتب أكثر من 277 أسيرًا، غالبيتهم من محرري صفقة “وفاء الأحرار”، ممن أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، سواء كانوا في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

-وقف توريد الكهرباء التي كان يرسلها الاحتلال، منذ يونيو الماضي، بعد طلب “عباس” من سلطاته تقليص نحو 40% من المبلغ الإجمالي الذي تخصصه السلطة الفلسطينية لكهرباء غزة.

-التصديق على قانون التقاعد المبكر للعسكريين، ليطال الأمر نحو 23 ألف موظف عسكري بالقطاع.

خيانة عربية

بدوره، يقول يحيى رباح عضو المجلس الثوري لحركة “فتح”: إن “الأوضاع في قطاع غزة لن تبقى على ما هي عليه، وسيكون للسلطة وحركة فتح خيارات موضوعة على الطاولة للتعامل معها، خاصة في ظل فشل كل جهود المصالحة ووصولها لطريق مسدود وإغلاق حماس لكل الأبواب”.

وفي تصريحات له ، يؤكد أن إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً هو من الخيارات التي باتت مطروحة بكل قوة في الفترة الأخيرة، وقد يلجأ قادة الحركة لاتخاذها وتنفيذها على أرض الواقع خلال الفترة المقبلة.

وكشف رباح أن كل خطوة سيتخذها عباس خلال الفترة المقبلة ضد “حماس”، ومن بينها إعلان القطاع إقليماً متمرداً، ستكون بمشاورات مع دولة عربية .

وسيلة ضغط على “حماس”

مسؤول ملف المصالحة في حركة “فتح”، عزام الأحمد، قال أن عباس، خلال اجتماع اللجنة المركزية الأخير الذي عقد في مدينة رام الله بالضفة، قد أكد بأنه مقبل على خطوة كبيرة ضد “حماس”، وسيعلن القطاع إقليماً متمرداً خلال أيام قليلة.

وكشف عضو في اللجنة المركزية لحركة “فتح” ، أن قرار إعلان غزة إقليماً متمرداً قد اتخذ بشكل رسمي، وحصل على موافقة أغلبية أصوات قادة “فتح”، موضحاً أن هذا القرار كان في السابق يلوح به كوسيلة ضغط على “حماس”، لكن على ضوء التطورات الأخيرة بغزة فسيرى النور خلال أيام، وقد يصدر خلال اجتماع اللجنة المركزية لفتح المقرر هذا الأسبوع.

ضوء أخضر لضرب غزة

وفي السياق ذاته اعتبر المحلل السياسي هاني العقاد، أن خطوة إعلان غزة إقليماً متمرداً ستكون لها نتائج خطيرة على الوضع الداخلي، وستزيد من عمق حفرة الانقسام والخلافات، وتقدم غزة على طبق من ذهب للاحتلال للاستمرار في عدوانه وتصعيده العسكري.

ويقول العقاد: “هذا الخيار هو الأخطر، وسيعرض سلطة عباس للانتقادات الكبيرة لكونها رفعت أي غطاء عن غزة سواء للحماية أمام العالم أو تقديم الخدمات للسكان، وسيكون أكثر المستفيدين منه هو إسرائيل، التي ستحاول توظيفه لخدمة مشاريعها”.

وأوضح أن هذا الإجراء يعد محاولة لنزع أي شكل من الأشكال القانونية والشرعية عن غزة، ومحاولة لتجريم أفعال السلطات الحاكمة بغزة أمام العالم، ومن شأنه أن يمنح العديد من انتهاكات الشرعية، مثل اعتقال الأفراد وإغلاق المؤسسات، وقد يؤدي ذلك إلى الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير هذا الإقليم وهذا متاح في القانون الدولي.

وتابع: إن الإعلان عن غزة إقليماً متمرداً سيعني الغطاء الإضافي لضرب غزة مجدداً من قبل الأعداء بشكل أقسى وأكثر من ذي قبل، وهذا يتطلب عبئا إضافيا على المقاومة وبالتالي إدخال غزة في دوامة جديدة من المواجهات العسكرية الدامية.

حرب ضد “غزة”

فى شأن متصل،كشفت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية، عن ثلاثة خيارات، ناقشها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (كابينت) للتعامل مع القطاع، وهي: “شنّ عدوان واسع، التوصل إلى تهدئة، ومسار اقتصادي بديل عن الحرب”.

وأوضحت الصحيفة، أن كابينت ناقش شن عمليّة عسكريّة واسعة في قطاع غزّة، لكن العمليّة لن تنبئ بتحقيق تغيير أساسي نحو الأفضل (بالنسبة لإسرائيل)، إنما باستمرار الوضع القائم “بعد دفعنا أرواحًا وضررًا اقتصاديًا”.

وأضافت الصحيفة، أن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيف كوخافي، أصدر تعليماته بالاستعداد لشن عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة.

وأوضحت الصحيفة، أن الجيش الإسرائيلي، قد ينفذ هذه العملية العسكرية في قطاع غزة، الصيف المقبل، لافتةً إلى أنه ابتداءً من الصّيف المقبل، فإن “التعامل سيتغيّر من حرب الاستنزاف في قطاع غزّة”، في إشارة إلى مسيرات العودة وإطلاق البالونات الحارقة تجاه البلدات الإسرائيليّة المحاذية للقطاع.

ويرجّح الجيش الإسرائيلي، بحسب الصحيفة، أنه “عاجلاً أو آجلاً سيطرأ حدث ما سيؤدي إلى تصعيد في القطاع، سيضطر خلاله الجيش الإسرائيلي إلى خوض عملية برية عاجلة في القطاع لإيقاف إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون، بسرعة، على البلدات الإسرائيليّة”.

وقالت: إن هنالك احتمالاً أن يقود “حدث كهذا” إلى مواجهة شماليّ البلاد، “لذلك، من المفضّل أن يحدث ذلك في توقيت مريح لإسرائيل، وبدل أن تنجرّ هي إلى حرب، عليها أن تبادر وتعمل بشكل حازم وسريع”.

ماذا عن مواقف الدول والمجتمع الغربي؟

محمد إبراهيم المدهون -الكاتب والوزير الفلسطيني السابق ،قال :عربياً: لا شك أن النظام العربي الرسمي وخصوصاً دول ما يسمى بمحور الاعتدال ستكون أقرب لقبول هذا القرار وتطبيقه ولو بشكل غير معلن والظهور بمظهر الداعي للوفاق وإعادة اللحمة، والدليل هو مواقفهم من حكومة حماس، أما دول الممانعة فستكون في موقف مختلف ولكن حسب مصلحة كل منها وخصوصاً في ظل التطورات الأخيرة على الساحات المختلفة ومنها الإيرانية والسورية. أما الموقف الشعبي العربي كان ولا زال مع المقاومة ومحاربة الظلم والعدوان، وهي بالطبع ستكون كما هي دائماً مع غزة وخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي الحر.

أما دولياً: كان وسيبقى الموقف الدولي موقفاً منافقاً ومعادياً مع بعض الفروقات بينهم، لذلك لا يمكن في هذه الأزمة التعويل على مواقفهم، ولكن يمكن التعويل بعض الشيء على الرأي العام والمنظمات الإنسانية والحقوقية والإعلامية وكذلك الجاليات العربية والمسلمة التي لن تكون إلا مع الشعب الفلسطيني في حقه المشروع في المقاومة والعيش بكرامة.

وأضاف: “النظام العربي الرسمي وخصوصاً دول ما يسمى محور الاعتدال سيكون أقرب لقبول قرار إعلان التمرد وتطبيقه ولو بشكل غير معلن، أما دول الممانعة فستكون في موقف مختلف ولكن حسب مصلحة كل منها” فى حين أن الموقف الإسرائيلى: بالإمكان الحديث عن نظرتين إسرائيليتين لما عليه الوضع في غزة، أقصد سيطرة حماس، نظرة آنية قصيرة المدى تتعلق بترسيخ هذا الانقسام الحاصل على الساحة الفلسطينية، وما يستوجبه ذلك من عدم تبني خيار إعلان غزة إقليما متمردا، لأن من شأنه على المدى البعيد -حسب ما يقول مروجو هذا الخيار- إعادتها إلى شقيقتها الضفة الغربية.

أما فلسطينياً: واضح جداً أن الموقف الفصائلي الفلسطيني سيكون بكليته ضد هذا الطرح وخصوصاً فصائل المقاومة، وكذلك الحال للقوى الشعبية والنقابية والشخصيات المستقلة.