فى الحقيقة أن انقلاب العسكر فى 2013 كان مصيبة كبيرة على مصر والمصريين، وآثاره ليست فقط التى نراها الآن مما أصاب الناس من غلاء وبلاء، وما ابتليت به المحروسة من تخلف وتراجع على يد هذه العصابة الرعناء؛ إنما المصيبة فيما يجرى الآن من تقسيم تركة هذا البلد الأمين على أفراد تلك العصابة ومناصريهم من القوى العنصرية الأخرى التى لا تعرف إلا مصالحها..

لقد أطلقت ما يسمى (انتخابات الرئاسة) الألسنة بالتصريح بهذه القسمة؛ ففضلا عن المضطرب المنفرد بالحكم والذى لا ينافسه فيه أحد -وهذا قسم العسكر من التركة وما يستتبع ذلك من السيطرة على اقتصاد البلد بكامله- هناك متطفلون يدورون حولهم ممن أسميتهم (مناصريهم من القوى العنصرية الأخرى). وهؤلاء هم الأعجب شأنًا، والأحمق فعلاً لعلمهم أن تلك التركة هى تركة الشعب، لا يحق لأحد قسمتها، ولو فعل فهو لص، ولو استولى عليها استيلاء فذلك إلى حين، فسوف يستردها الشعب طالت المدة أم قصرت، أما من استولى عليها فسوف يلقى جزاءه الذى سيكون أيضًا بيد الشعب وتحت بصر أبنائه..

نسيت (القوى المدنية!!) أن هناك شعبًا هو صاحب القرار، ورب الأمر والنهى، فخرجت تتكلم بلسانه، وليس لها صفة، وقد تعدد متحدثوها وناشطوها، كلٌ يزعم ثوريته وفدائيته وجهاده وتضحياته، وأنهم وكلاء الشعب؛ فمنهم من ترشح للانتخابات ثم انسحب؛ ليكتب عنه الشعب بطلا، ومنهم من يهدد العسكر -ظاهرًا- بأنه سيحرض الشعب للوقوف فى وجوههم ومقاطعة انتخاباتهم. والحقيقة أنهم جزء من هذه العصابة، ردف لها، المحللون لجرائمهم وأفعالهم، وما تشهده مؤتمراتهم وندواتهم ليس سوى تمثيلية مفضوحة الغرض منها استكمال (ديكور) المشهد؛ لئلا يكون على العسكر حرج فيما فعلوا ويفعلون من قتل وذبح ومصادرة أموال وهتك أعراض..

والمؤكد أنه بعد انتهاء المشهد ولملمة السرادق، سوف يبحثون عن مغانمهم التى وعدوا بها لقاء ما أتقنوه من أدوار، والمؤكد أيضًا أنهم سوف يقومون فى الوقت ذاته بإتقان أدوار أخرى تخص الجانب الثورى فى شخصياتهم المضطربة، يخدعون بها الشعب، كالمنافق الذى يقلب عينيه إزاء الفريقين المتخاصمين؛ فكلما مالت الكفة إلى جانب مال معها، ولو كان ذلك مخالفًا مخالفة تامة لما صرح به قبل ساعة أو ساعتين..
إذًا نسى هؤلاء وهؤلاء -عصابة العسكر ومرتزقة السياسة- حق الشعب فيما سرقوه، وظنوا أنهم يفرون بسرقتهم، ولو عقلوا لعلموا أن التاريخ حافل بالحمقى من أمثالهم الذين جروا على أنفسهم البلاء من حيث لا يشعرون.. ففى لحظة تصور فرعون أنه ملك مصر وما عليها من بشر وحجر فقال: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51]، وقد ظن أن لن ينازعه أحد فى تلك التركة، حتى أتاه الله من حيث لم يحتسب، فاضطرب ملكه أولا، وعانى ما يعانى منه الظالمون ثانيًا، ثم أُغرق فلم يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا، فما نفعته جيوشه، ولا نفعه المنتفعون من قوى مدنية وغير مدنية، أما الأرض فقد أورثها الله من يستحقها؛ فما أُخذ بغير حقه إنما هو عمل غير صالح، والله لا يحب الفساد..

ليعلم هؤلاء وهؤلاء أن للشعب حقًا لا يتقرر بدون أبنائه، وفى قلبهم القوى الإسلامية التى تمثل هذا الشعب، وإن أرادوا التأكد من تلك الحقيقة فليراجعوا المحروسة بعد الثورة: لمن كان صوتها؟ ومن اختارت؟ ولو أتيح للمصريين اتخاذ القرار بعيدًا عن بطش الدبابة ورعونة العسكر لوضعوا تلك العصابة والقوى المدنية فى السجون، ولاختاروا ما اختاروه بعد الثورة، وهذه هى القسمة الحقيقية الشرعية كما أرادها الله، وكما تعارف عليه الناس فى دنياهم الآن..

نحن على ثقة تامة بأن ما يجرى فى بلدنا أمر عارض؛ لثقتنا فى عدل الله وحكمته، وليقيننا كذلك أن الحمق يردى صاحبه، وليس هناك أحمق من تلك العصابة وعبيدها.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments