“قول نعم تزيد النعم”.. عبارة شهيرة أطلقها بابا الأقباط تواضروس الثاني لحشد رعاياه للتصويت بالموافقة على “دستور الانقلاب” عام 2014؛ لتمهيد الطريق لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي نحو الاستيلاء على حكم البلاد، إلا أن الأيام الماضية شهدت تصريحات من تواضروس ومعسكر الانقلاب تطعن في “دستور النعم”، وذلك في إطار محاولات لتمرير “تعديلات دستورية” تسمح لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بمواصلة الاستيلاء على حكم البلاد حتي عام 2030.

طبخة سريعة

انطلقت بداية المسرحية من إعلام السيسي، الذي مهّد الطريق لوجود “تعديلات دستورية” في الطريق، ثم جاء دور “مطبلاتية برلمان العسكر” الذين تم اختيارهم على أعين المخابرات، حيث أعلن عبد الهادي القصبي، عضو برلمان الانقلاب، عن تسليم مقترحات التعديلات إلى رئيس برلمانه علي عبد العال، وذلك تمهيدًا لعرضها في الجلسة العامة، مشيرا إلى أنه “تطلعًا لاستمرارية الاستقرار واستكمال الخطط التنموية، يوجد مقترح مد فترة الرئاسة إلى 6 سنوات، وإضافة غرفة نيابية جديدة تحت مسمى مجلس الشيوخ”.

وبسرعة منقطعة النظير، التقط “عبد العال” الطلب وأحاله إلى اللجنة العامة لإعداد تقرير لعرضه على المجلس، تمهيدًا للتصويت عليه وسلقه بسرعة، إلا أن “عبد العال” لم يفوّت فرصة طمأنة المصريين، قائلا: “أطمئن الجميع أن هذا التعديل هو لصالح الوطن والمواطن، لأن التعديل ينطلق من مصالح الدولة العليا ومصالح الشعب المصري”، إلا أن العصابة كانت في عجلة من أمرها، حيث تمت الموافقة على تلك التعديلات خلال أيام قليلة، ثم سرعان ما تم الإعلان عن موعد الاستفتاء عليها.

وبالتوازي مع تلك الطبخة تم الاستعانة بشخصيات انقلابية للترويج لمبررات واهية لإجراء تلك التعديلات، وكان أبرز هؤلاء الانقلابي سامح عاشور، نقيب المحامين، والذي أكد ضرورة إجراء تلك التعديلات، قائلا: “الدستور الحالي ليس هو الأفضل ويمكن تعديله؛ لأن الدساتير يصنعها البشر من أجل تحقيق مصالحهم، لكنهم عندما يستشعرون أن هناك ما هو أفضل فيمكن أن يجرى التعديل”.

وأضاف عاشور: “الدستور اتعمل فى ظل مناخ ثورى، وكان مناخًا مشدودًا وفى ظروف معقدة كثيرا، وأنا قلت فى آخر جلسة من جلسات لجنة الخمسين إن ده مش الدستور المثالي، ومش هو ده أقصى أمانينا، ويمكن أن نحقق أفضل منه بعد ذلك، وقلت بعد ذلك إننا فى مرحلة انتقالية وده مش الدستور النهائي، إحنا فى حالة تمحور وتجدد وتطور، لخلق الدولة التى نستقر عليها”.

الكنيسة والتعديلات

ويرى مراقبون أن تأييد الكنيسة لتعديل “دستور النعم” يعود إلى تأييدها الأعمى لأي إجراء يتخذه السيسي بصرف النظر عن عواقبه، مشيرين إلى موقفها في عام 2014، حيث حشد تواضروس أتباعه من خلال تصريح مصور، قال فيه: “قول نعم تزيد النِعم.. كلمة نعم تحمل خيرات وبركات كثيرة.. في الحقيقة الدستور ده عندما نقارنه بدساتير أخرى كثيرة صدرت على أرض مصر خلال المائة سنة الماضية نجده يتمتع بسمات كثيرة، أدعو جموع المصريين مسلمين ومسيحيين إلى المشاركة في هذا الاستفتاء”، وبالفعل تم حشد النصارى في مشهد مثير للسخرية.

ويشير مراقبون إلى أن هذا التأييد الأعمى ظهر جليًّا في عودته لتأييد تعديل “دستور النعم”، قائلا: “يمكن تعديل نص الدستور لتصبح الفترة الرئاسية 6 سنوات بدلا من 4 سنوات، وأنه سيوافق على ما يتوافق عليه ممثلو الشعب في البرلمان؛ لأن الدستور نص بشري قابل للتعديل”.

وأضاف تواضروس: “الواحد بيحاول قدام كل موقف يتعامل معاه في ضوء صالح الوطن والكنيسة والحياة”. وتابع قائلا: “ما يتوافق عليه كل من يمثل مصر في البرلمان، ويشوفوا الصالح إيه أنا معاه، والأمور السياسية دي مابقدرش أحكم كل ظروفها.. لكن إذا كانت الحاجة تطلب كده مفيش مانع واللي عمل الدستور بشر ويمكن تعديله خالص”.

أسطوانة “دستور الإخوان”

وكعادة مطبلاتية السيسي في محاولة استدعاء “فزاعة الإخوان”، والتي لم تعد تجدي نفعًا مع المصريين الذين باتوا يعرفون الحقائق جليًّا، ويقارنون بين الأوضاع الحقوقية والأمنية والاقتصادية خلال فترة حكم الرئيس مرسي، والأوضاع المتردية منذ انقلاب السيسي، قال ضياء رشوان، نقيب الصحفيين المدعوم من الانقلابيين: إن “الدستور الحالي ليس دستورا جديدا، لكن اسمه التعديلات الدستورية على دستور عام 2012 وهو دستور الإخوان”.

وأضاف أن “التعديلات بدأت قبل فض اعتصامي رابعة والنهضة، وبالتالي كانت أجواء صعبة وكانت لجنة الخمسين تجتمع فى مجلس الشورى، وكانت هناك حراسة مشددة، وكنا من حين لآخر نجد مسيرات، وإحنا خارجين وبعضها وصل لأبواب مجلس الشورى”.

الخوف من المستقبل

ويرى المراقبون أن أحد أبرز الأسباب وراء إسراع السيسي في تعديل دستوره، يكمن في مخاوف السيسي من المستقبل، سواء فيما يتعلق بالأجواء التي يمكن أن تجري فيها “هزلية الانتخابات الرئاسية” المقبلة، فضلا عن مخاوفه مما قد تفرزه أية “انتخابات برلمانية” مقبلة، مشيرين إلى أنه يرى في تشكيلة برلمانه الحالي تشكيلة مثالية لتمرير ما يريد من قرارات.

ويشير المراقبون إلى أن تلك المخاوف لدى السيسي تعززها القرارات المرتقبة التي سيتخدها السيسي خلال الفترة المقبلة، والتي تتضمن إلغاء الدعم نهائيًّا وتسريح ملايين الموظفين بالجهاز الإداري للدولة، وبيع مزيد من الشركات والبنوك الحكومية، تنفيذا لشروط صندوق البنك الدولي؛ الأمر الذي سيزيد من السخط الشعبي ضده، ويجعل من الحشد الجماهيري للتصويت لصالحه في أية “انتخابات” أو “استفتاءات” أمرًا بالغ الصعوبة.

Facebook Comments