اتفاقية تعيين الحدود مخالفة للدستور.. وكافة الدساتير المصرية أكدت على حظر التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة

بعض ما قدمه محامي الدولة كان له بالغ الأثر في التأكيد على مصرية الجزيرتين.. ومصر مارست السيادة الكاملة على الجزر قبل إنشاء السعودية
 
تنظر المحكمة الإدارية العليا، الاثنين، طعن الحكومة على حكم مصرية جزيرتي تران وصنافير، ومن المقرر أن تنطق المحكمة بالحكم في القضية التي شغلت الرأي العام طيلة الشهور الماضية، وبدأت الأزمة عقب تنازل مصر لجزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وخروج مظاهرات حاشدة في العديد من المظاهرات، والقبض على مئات المحتجين، وقضت محكمة القضاء الإداري بمصرية تيران وصنافير، وهو الحكم الذي طعنت عليه الحكومة، أمام المحكمة الإدارية العليا.
 
وأكد التقرير الصادر عن هيئة مفوضي الدولة مصرية الجزيرتين، وأكد أن الاتفاقية باطلة بطلانًا مطلقًا.
 
واستعرض التقرير نصوص من القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بطريقة قياس أو تعيين الحدود البحرية بشكل عام، والمتعلقة بالحدود البحرية للدول ذات السواحل المتقابلة بشكل خاص، والتي انتهت أيضًا إلى إثبات وقوع الجزيرتين ضمن الإقليم المصري.
 
وجاء الجزء الأكبر من التقرير متعلقًا بنصوص القانون والدساتير المصرية المتعاقبة، التي أكدت على «حظر التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة المصرية».

وأكد مفوض الدولة في التقرير على أن اتفاقية تعيين الحدود مع السعودية «مخالفة للدستور»، وأنها «أضحت هي والعدم سواء باطلة بطلانًا مطلقًا لاجتراء مبرمها على نصوص الدستور، ويكون القضاء ببطلانها هو مصيرها المحتوم مع ما يترتب على ذلك من الآثار أخصها وقف أي عمل من أعمال الإخلاء للجزيرتين أو تسليمهما، مع بقائهما كجزء من الإقليم المصري خاضعتين للسيادة المصرية».
 
أوضح تقرير هيئة المفوضين التقرير إن دستور عام 2014 المعمول به في الوقت الحالي نص في مادته الرابعة على أن السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ونص في المادة 32 على أن موارد الدولة ملك للشعب تلتزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها وعدم استنزافها ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، كما نص في المادة 35 على أن تلتزم الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية، وأن حق كل مواطن في التمتع بها مكفول.
 
وذكر التقرير أن المادة 86 تنص على أن الدفاع عن الوطن وحماية أرضه شرف وواجب مقدس، وأن المادة 97 تنص على أن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، كما تنص المادة 144على أن يشترط أن بقسم رئيس الجمهورية قبل أن يتولى مهام منصبه أمام مجلس النواب بأن يحترم الدستور والقانون وأن يحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه.
 
وتطرق التقرير في أكثر من موضع إلى نص المادة 151 من الدستور، والتي تنص على أن «يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية ويبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفي جميع الاحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة».


 
وقال تقرير الهيئة إن «الدساتير المصرية قد تواترت على الاعتزاز بعبقرية وتفرد موقع مصر وتاريخها على مر العصور، لما يتسم به ها الموقع من كونه شاهدًا على تطور التاريخ الإنساني لأعظم حضارة عرفها التاريخ، وإن كل حبة رمل من أرض هذا الوطن قد دفع ثمنًا للحفاظ عليها دماء طاهرة للمخلصين من أبنائها، فكان عهدُا على شعبها جيلًا بعد جيل أن يحافظ على هذا الوطن لا يفرط في جزء منه، وإن كانت أرواحم هي الثمن، وقد سطر هذا المعنى في دساتير مصر المتعاقبة، بدءًا من دستور 1923 وانتهاء بدستور 2014 القائم، غير أن الدستور الأخير قد صدر بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو، بما حملتا من أحداث أثرت تأثيرًا عظيمًا في كثير من المفاهيم الراسخة لدى الشعب المصري، الأمر الذي دعا واضعي الدستور ليكونوا أشد حرصًا في التأكيد على قداسة مكانة الوطن وترسيخ الحفاظ على وحدة الأرض، ولم يكتفي بذكر ذلك في ديباجة الدستور الحالي، بل أوردوه في أكثر من موضع بمواده».
 
وتابع التقرير «وقد جاء نص المادة 151 في جميع فقراته وخاصة الأخيرة (وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة)، ولما كان إقليم الدولة هو أعظم وأهم ما يملكه كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن، فقد آل المشرع الدستوري على نفسه أن يحصن بكل السبل مجرد المساس بأي جزء من أجزاء الإقليم المصري مبطلًا لكل معاهدة يترتب عليها ذلك».
 
وأكدت هيئة المفوضين أن «النص الدستوري إذا كان صالحًا للتطبيق بذاته على النحو المشار إليه يجوز للمحكمة أن تطبقه مباشرة استجابة للغاية الدستورية من إرادة بتلك الصيغة القطعية، والقول بغير ذلك يهدر كل قيمة دستورية لهذا النص ويجعل من حكمه معلقًا على نص أدنى إن وجد دون سند أو مبرر».
 
وبخصوص طرق التقسيم وتحديد الحدود البحرية، أوضح التقرير أنه في حالات الدولة ذات السواحل المتقابلة، الجزر المتكونة طبيعيًا تدخل في الإقليم البري للدولة الساحلية، وتعد جزءًا من أرضها وتخضع لسيادتها، شريطة أن تكون الجزيرة مرتبطة عضويًا مع إقليم الدولة، وغير بعيدة عن شريط الساحل «مع مراعاة أن الأوضاع التاريخية وسلوك الدولة يؤخذ في الاعتبار عند بحث هذه المسألة».

وأشار التقرير إلى أن «محكمة العدل الدولية أكدت على ذلك بأن قررت أن التصرف كسيد على الجزر وانصراف النية إلى ذلك مع سكوت الدولة المقابلة يمثل قبول ضمني لهذه الممارسات ويدخل الجزر المتنازع عليها في سيادة الدولة التي ظهرت بهذا المظهر».
 
كما أكد التقرير أن إثبات السيادة على الجزر في القانون الدولي يعتمد على «السيطرة الفعلية وممارسة وظائف الدولة أو مظاهر السيادة المتواصلة».
 
وفي هذا السياق، أكدت الهيئة أن كافة ما تقدم حول طريقة قياس أو تعيين الحدود البحرية للدول ذات السواحل المتقابلة مرهون بالاعتبارات التاريخية والظروف الخاصة والتي تحول دون الأخذ بطريقة خط الوسط في القياس، موضحة أن هذا المبرر التاريخي ستمثل في «ممارسة الدولة سيادتها فيما يجاوز حدود خط الوسط منذ زمن بعيد ودون اعتراض من الدولة المتقابلة».
 
وفيما يتعلق بمحتوى المستندات والوثائق المقدمة من طرفي النزاع، تبين لهيئة مفوضي الدولة أن الجزيرتين مصريتين، وقالت إن «كافة الوائق والاتفاقيات والقرارات الدولية التي ارتبطت أو تطرقت للجزيرتين قد أكدت بما لا يدع مجالًا للشك في مصرية الجزيرتين تاريخيًا وجغرافيًا وسياسيًا، كما أنها وإن تعاقبت على فترات زمنية متباسنة إلا أنها صدعت بالحق، وهي في ذلك تؤكد على سيادة مصر على كامل إقليمها بما فيها الجزيرتين».
 
واعتمدت الهيئة في تقريرها على عدد كبير من المستندات، كان أبرزها وثيقة صادرة عن بريطانيا العظمى عام 1892، تشير إلى وجود قوات مصرية على جزيرة تيران قبل هذا التاريخ،  و«ممارسة مصر لسيادتها الكاملة على هذا الجزء من الحدود البحرية ولا ينازعها فيه أحد»، واجتماع الأمم المتحدة رقم 659 لعام 1945، والذي يؤكد فيه مندوب مصر أن المصريين موجودون على جزيرتي تيران وصنافير منذ فترة طويلة، واتفاقية عام 1906 التي تم الاعتراف فيها بأن «الجزيرتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية».
 
وأكدت هيئة مفوضي الدولة إلى أن ما ورد باجتماع الأمم المتحدة بشأن الاتفاقية التي وصفتها الهيئة بـ«المزعومة» بين السعودية ومصرفي عام 1950، والتي يستند إليها الطاعنين في ادعائهم بعدم مصرية الجزيرتين، والتي بموجبها احتلت مصر الجزيرتين لتسهيل مهمة حماية خليج العقبة وسهولة التعرض البحري للسفن الإسرائيلية، قد «خلت الأوراق من أي ورقة ذات اعتبار تؤكد على وجود هذه الاتفاية من الأساس، أو وجود مخاطبات بين الدولتين بهذا المعنى، ومن ثم لا يمكن التعويل على هذا الادعاء».


 
وإلى جانب المستندات والوثائق، استندت الهيئة على مكاتبات رسمية بين ممثلين الحكومة المصرية في الوزارات المعنية بشأن الجزيرتين، وأكدت أن «جميع المكاتبات المذكورة جاءت لتثبت وتؤكد السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير، وهي صادرة من وإلى أعضاء بالحكومة المصرية في العديد من الوزارات المعنية وفي أزمنة متفاوتة، أهميتها بما تمثل من قرينة على تلك الحقيقة التاريخية». كما نشر التقرير عدد من القوانين والقرارات ذات الصلة بالجزيرتين، ولفت إلى أن «تطبيق القوانين والقرارات على إقليم الدولة هو مظهر من مظاهر سيادة الدولة وفقًا لاحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، باعتبار أن القاطنين على هذا الإقليم من المخاطبين بأحكام تلك القوانين والقرارات، ولما كانت الجزيرتين وفقًا لاحكام القانون المصري هما محميتان طبيعيتين فمن ثم يجب أن تحظى بالحماية الدستورية وفقًا لحكم المادة 45 من الدستور القائم، إذ ألزم المشرع الدستوري الدولة المصرية بحمايتها، كما أن إنشاء أقسام للشرطة عليها يعكس مدى رغبة الدولة في فرض القانون عليها وتطبيقه وملاحقة من يخالف احكامه، وهو كما ذكرنا يمثل مظهرًا من مظاهر السيادة الكاملة».
 
وذكرت الهيئة أنها طرحت كافة ما تقدم به طرفي النزاع من كتب الفقه والخرائط ذات الصلة بالجزيرتين جانبًا، واستقر رأيها على عدم الاستناد على تلك الآراء الفقهية.
 
وعلى هدى ما تقدم، أكدت الهيئة أنه على مر تاريخ مصر العريق لم ينتقص شبر من أرضها، بل إنها توسعت وخاضت العديد من الحروب في داخل وخارج أراضيها للدفاع عن سيادتها وعدم الانتقاص من إقليمها، مؤكدة أنه «لا جدال في ممارسة مصر في جميع تلك العصور والفترات التاريخية لسيادتها الكاملة على كامل إقليمها بما فيها الجزيرتين مثار النزاع، وأن ما اطلعت عليه الهيئة من مستندات وخرائط تقطع بمصرية الجزيرتين دون أدنى شك أو ريب، بل إن بعض ما قدمه الطاعنون أنفسهم من مستندات كان له بالغ الأثر في التأكيد على ذلك».
 
وأضافت أن الثابت أن كل ما تقدم، بالإضافة إلى ما ورد بالتفصيل في حكم أول درجة، يشي بما لا يدع مجالًا للشك على اتجاه الحكومات المصرية المتعاقبة إلى ممارسة مظاهر سيادتها على الجزيرتين «باعتبارها أراضي مصرية خالصة»، بل أن مصر خاضت حروبًا عليها، فضلًا عن أنها وقعت اتفاقية سلام أفصحت إفصاحًا جهيرًا بمصرية الجزيرتين، وأضافت أن تيران وصنافير سبق احتلالهما من قبل إسرائيل في 1956 و 1967، وأنه حتى تاريخ تحريرهما لم تهب أي دولة للدفاع عنهما سوى مصر، صاحبة السيدة التاريخية الحقيقية على الجزيرتين ولم يثبت اعتراض المملكة العربية على ذلك طيلة تلك السنوات.
 
وتابع التقرير أن السلوك السعودي اللاحق تجاه الجزر يدل على تسليمها بمصريتهم، وأن المملكة منذ نشأتها عام 1932 لم تطالب يومًا بالجزر محل النزاع إلا عام 1990، ولم تثر نزاعًا دوليًا حولهما حتى الآن، كما أنها لم تعترض على الممارسة المصرية الواضحة والتي تقطع بمصرية الجزيرتين، فضلًا عن أنها لم تعترض على ما قاله مندوب مصر بالاجتماع المنعقد في الأمم المتحدة عام 1954، وما تضمنه من تقديم مصر مذكرة تؤكد فيها على أن مصر لها كامل السيطرة والسيادة الكاملة على جزيرتي تيران وصنافير منذ عام 1841، وتعليقه أنه «بانتهاء العلاقات بين مصر والدولة العثمانية أصبحت هذه الجزر حصرية مصرية»، مشيرًا إلى أن الأكثر أهمية من ذلك أنه في هذه الاتفاقية تم الاعتراف بأن الجزيرتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية، كما لم تعترض السعودية على دخول الجزر ضمن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، واعتبارها أراضي مصرية.

كما أن الأطلس التاريخي للسعودية والمرفق بطعن الحكومة، والذي تضمن تاريخ وجغرافية مراحل تأسيس السعودية، غير مثبت به أن الجزيرتين تقعان في الحدود البحرية للمملكة السعودية، ما أكدت الهيئة أن كل ذلك « يقطع بتبعية الجزر لمصر». وشددت على أن «مصر ثبت لها حقوق تاريخية راسخة على تلك المنطقة وما بها من جزر منذ زمن طويل، وفي مقابل صمت مطبق من السعودية مما يتحقق معه كامل شروط الموافقة».
 
 
كما أكد تقرير مفوضي الدولة أن كل ما استند عليه الحاضرعن الدولة في أوراق الطعن وملف أول درجة بأن السعودية طلبت من مصر وضع الجزيرتين تحت الحماية المصرية لمواجهة تهديدات العصابات الصهيونية أقوال متناثرة في بعض المؤلفات الفقهية، لا يمكن اعتبارها دليلًا لإثبات ذلك، مؤكدًا أن  الادعاء بأن هذا الاتفاق كان شفهيًا في حد ذاته يهدر ذلك القول، حيث أنه من غير المتصور عقلًا أن تتنازل دولة عن سيادتها على جزء من إقليمها بمجرد اتفاق شفهي. وأكد بانه لا يمكن التعويل على ما ذكره محامي الدولة بأن مجلس الوزراء أقر في محضر اجتماعه بجلسته المنعقدة بتاريخ 4 مارس 1990، برئاسة الدكتور عاطف صدقي، بسيادة المملكة العربية السعودية على الجزيرتين، وأوضح أن ذلك مردود عليه بأن دستور عام 1971 لم يعطي لرئيس الوزراء أو الوزراء أي سلطات في هذا الشأن، وقصرها على رئيس الجمهورية، الذي لم يصدر عنه في أي وقت أي قرار أو تصريح رسمي بهذا الشأن.
 
وشكك التقرير في دفاع محامي الحكومة بشأن صدور خطاب من وزير الخارجية المصري إلى نظيره السعودي يفيد بسيادة المملكة السعودية على الجزيرتين بناء على تفويض من مجلس الوزراء، في حين أن الثابت من مستندات دفاعهم أن اجتماع مجلس الوزراء المذكور قد انعقد بجلسة 4 مارس 1990، موضحًا أن الخطاب المذكور قد صدر بتاريخ 3 مارس 1990، أي بتاريخ سابق على الاجتماع، ما أكد التقرير أنه «يثير التساؤل حول مدى وجود هذا التفويض أو كيفية صدوره، الأمر الذي يغدو معه هذا الادعاء غير قائم على سنده متعينًا إهداره».
 
وأكد التقرير، أن إقدام الحكومة المصرية على إبرام اتفاقية تعيين الحدود مع السعودية، بما يترتب عليها من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير «مخالفًا للدستور»، وأكدت أن «الاتفاقية أضحت هي والعدم سواء باطلة بطلانًا مطلقًا لاجتراء مبرمها على نصوص الدستور، ويكون القضاء ببطلانها هو مصيرها المحتوم مع ما يترتب على ذلك من الآثار أخصها وقف أي عمل من أعمال الإخلاء للجزيرتين أو تسليمهما، مع بقائهما كجزء من الإقليم المصري خاضعتين للسيادة المصرية».


 
واستعرض تقرير هيئة المفوضين جزءا من مناقشات الاجتماع الثاني للجنة العشرة لإعداد المشروع النهائي للتعديلات الدستورية، بتاريخ 23 يوليو 2013، وأشارت إلى أنه تبين إثبات التي على ألسنة الأعضاء «بخصوص المادة الأولى من الدستور أن (مصر موحدة لا تقبل التجزئة)، والمأخوذة من دستور 1923 ومشروع دستور 1954، وأضيف عليها من دستور 1923 أن (جمهورية مصر العربية دولة مستقلة ذات سيادة موحدة لا تقبل التجزئة أو النزول عن شيء منها)، وبمقتضى هذه الإضافة يستبعد من نطاق المادة 145 أن لرئيس الجمهورية أن يبرم المعاهدات المتعلقة بالمسائل السيادية ويأخذ موافقة البرلمان، ونلغي من صلاحيات الرئيس النزول عن جزء من الدولة، وهذا ما كان مقصود في دستور 1923، أن يحرم الملك من أن يتصرف في أي جزء من الأرض في وضع هذا النص، فنحن لا نريد أن نعرض البلاد أن تكون سيادتها خاضعة لتركيبة رئيس الجمهورية أو ميوله أو اتجاهاته، فلابد لهذا الدستور أن يحفظ هذا الكيان، ولذلك أقول موحدة لا تقبل التجزئة أو النزول عن شيء منها أخذًا من دستور 1923».
 
وتابع أعضاء لجنة العشرة «وبخصوص المادة 145 من دستور 2012، والتي عدلت إلى المادة 151 من دستور 2014 (تنص المادة 145 على أن يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقتها الخارجية ويبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلسي النواب والشورى وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة، وتجب موافقة المجلسين بأغلبية ثلثي أعضائهما على معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة، ولا يجوز إقرار أي معاهدة تخالف أحكام الدستور)، وقد ارتأى أعضاء اللجنة أن تستبدل عبارة (وفقًا للأوضاع المقررة) لتكون (وفقًا لاحكام الدستور)».

وتابع التقرير بنشر جزء من كلمة أحد أعضاء اللجنة «أنا أوافق على المادة والثلثين أيضًا ولكن توجد نقطة قد أكون تقليديًا فيها بعض الشيء وهي (ألا يجوز إقرار أي معاهدة تخالف أحكام الدستور) أخاف من عملية الانتقاص من إقليم الدولة، أريد أن أقول (تنطوي على) (ولا يجوز إقرار أي معاهدة تخالف أحكام الدستور أو تنطوي على الانتقاص من إقليم الدولة) وأعرف أنها جاءت في المادة رقم 1 ولكن نريد التكرار عليها، فأنا أريد أن أؤكد في ذهن الناس وفي ذهن الحاكم أيًا كان أنه لا يجوز الانتقاص من الإقليم المصري أبدًا مهما كان، فتكون في المادة رقم 1 وفي هذه المادة أيضًا»، وأكمل «وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة أقترح في الجزء الذي بعد التحالف نقول وبالنسبة للمعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة يتعين استفتاء وموافقة الشعب عليها».
 
وتطرقت هيئة مفوضي الدولة إلى جزء من مناقشات لجنة الخمسين، بتاريخ 11 نوفمبر 2013، وفيه أن«الفقرة الأخيرة من المادة 151 تتحدث عن إبرام معاهدة وليس الانضمام إلى معاهدة أو التحفظ على معاهدة، هنا لا يجوز إبرام معاهدة تخالف أحكام الدستور النص واضح».
 
وفي هذا السياق، أكدت الهيئة أنه من جماع ما تقدم تضحي المادة 151 قاطعة في حظر التنازل عن جزء من إقليم الدولة، وأن هذا الحظر قد جاء لحكمة، وهي «ألا تتجرأ أي سلطة على الاقتراب أو المساس بجزء من هذا الوطن ولا ينفع في ذلك إجازة من مجلس النواب أو موافقة من الشعب، فالكل مقيد بهذا الحظر شعب وسلطات أمام الأجيال السابقة واللاحقة».
 
وعن القول بان اتفاقية ترسيم الحدود تقع في إطار أعمال السيادة، وأن  القضاء غير مختص بنظر ما يتعلق بهذه الأمال، قضت هيئة مفوضي الدولة بأن «نظرية أعمال السيادة هي نظرية قضائية ابتدعها مجلس الدولة الفرنسي تفاديًا للاصطدام بالسلطة الحاكمة في بداية عهده، باعتباره ناشئًا من رحم تلك السلطة، إلا أنها في مصر ذات أساس تشريعي يرجع إلى بداية التنظيم القضائي الحديث الذي أقرها بنصوص صريحة في صلب التشريعات المتعاقبة المنظمة للسلطة القضائية ومجلس الدولة على السواء، ومع تطور الأنظمة الديمقراطية تطورت تلك النظرية في اتجاه التضييق من قائمة تلك الأعمال التي تخرج من نطاق الرقابة القضائية، كما أصبح المرد في تحديدها للقضاء ذاته».

وأكدت أنه «لما كانت المحكمة الإدارية العليا وهي بصدد الفصل في الطعن المعروض تؤكد أنها لا تخرج بذلك عن نطاق ولاية القضاء المصري المعقودة للمحاكم المصرية وفقًا للضابط الشخصي المحدد لاختصاص، فطرفي الطعن مصري الجنسية، وإن ارتدى أحدهما ثوب الجهة الإدارية، فأحد أهم ضوابط تعيين ولاية القضاء المصري هي مدى خضوع المخاطبين بها للسيادة المصرية، إذ أن المسلم به أن ولاية قضاء دولة ما إنما تنبسط على كافة المتمتعين بجنسية تلك الدولة فيمكنهم اللجوء إلى هذا القضاء كماأنهم يخضعون له إذ لا قيد على ارتفاق الوطنيين بقضاء الدولة وخضوعهم له».

ما لفتت الهيئة إلى أنه «يدرأ بذلك كل قول يدعي باختصاص محكمة العدل الدولية بنظر النزاع المطروح، فتلك الأخيرة تتولى الفصل طبقًا لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول وتقديم الفتاوى بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إلى هيئات الأمم المتحدة ووكالتها المتخصصة وفقًا لمادة 34 الواردة بالفصل الثاني من النظام الأساسي لها، فمن ثم يخرج عن ولايتها نظر هذا النزاع».
 
وتابع التقرير أن «النزاع الدائر بين طرفي الطعن يدور حول ما أقدمت عليه حكومة جمهورية مصر العربية بتاريخ 8 إبريل 2016 بالاتفاق مع حكومة المملكة العربية السعودية على تعيين الحدود البحرية بينهما، والذي يترتب عليه خروج جزيرتي تيران وصنافير من السيادة المصرية، ومن ثم فإن مناط البحث يتعلق بمدى التزام الحكومة المصرية بأحكام الدستور والقانون فيما صدر عنها في هذا الصدد».
 
وأوضحت الهيئة أن المحكمة الدستورية العليا «اعترفت بحق جميع جهات القضاء في تفسير القوانين وفقًا لضوابط محددة وهي ألا يكون قد صدر بشأن النص المطروح أمامها تفسير ملزم من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستوية العليا، وبهذا قضت المحكمة الدستورية بتفسير النصوص التشريعية وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانونها لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى في تفسير القوانين، وتأسيسًا على ذلك فإن المحاكم لها الصلاحية الكاملة في تفسير النص القانوني المطروح أمامها بمراعاة الضوابط المذكورة ولا يمنع ذلك سريان الحكم ذاته على نصوص الدستور مادام النص الدستوري هو المراد تطبيقه بشأن النزاع».

Facebook Comments