توصّل عمرو مجدي، الباحث في هيومن رايتس ووتش، في مقال له نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية في نسختها غير العربية، إلى أن الوضع السياسي القائم في مصر عنوانه “المؤسسة المجنونة”، في إشارة إلى استعداء السيسي وانقلابه للمصريين جميعًا من جميع الاتجاهات السياسية، واعتبار الجميع غير محصن أمام القمع بالاعتقالات أو أي أفعال يصفها بالجنون، بعدما قال ترامب معلقًا على احتجاجات 20 سبتمبر خلال لقائه السيسي في توقيت متزامن: إنه “غير مهتم”.

الرسالة واضحة

وخلص “مجدي” إلى أن رسالة الاعتقالات الأخيرة التي طالت الجميع بمن فيهم أقارب النشطاء، تقول: “لا أحد محصن.. وإذا كنت تعيش في الخارج، فلا يزال بإمكان الأمن اعتقال أخيك أو أمك أو والدك”.

وأشار إلى أنه منذ تولي السيسي السلطة في أواخر عام 2013، اعتقلت حكومته وحاكمت عشرات الآلاف من الأشخاص. لم تصدر الحكومة مطلقًا أي أرقام شاملة، لكن اعتقال أكثر من 3000 شخص في الأيام القليلة الماضية يدل على قدرة الحكومة على إثبات اعتقالات بحجم كبير.

وأوضح أنه في هذه الأثناء، يوجد عشرات الآلاف من المصريين في السجون أو يُجبرون على الابتعاد للمنفى، كما وجدت نفسي فجأة في بلدي غير آمن لقول ما أقول. لافتا إلى أن مطالبات لحلفاء السيسي في واشنطن وعواصم أخرى بأن يكون دعمهم مشروطًا بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وإطلاق سراح النشطاء المسالمين، وأي شخص آخر وضحت براءته في هذا الموقع، فربما يمكن الألم أقل.

وأضاف “عند الحديث عن الناشطين، أصبح من السهل الإجابة عن سؤال “من ليس في السجن في مصر في هذه الأيام؟”.

وبالمقابل قال عمرو مجدي: إن المصريين تغلبوا على طغيان مبارك وقد يفعلون ذلك بشكل جيد مع تكتيكات السيسي الوحشية.

محمد عبد اللطيف

واستعرض “مجدي” في النيوزويك قصة محمد عبد اللطيف، طبيب أسنان يريد ظروفًا أفضل للأطباء والمرضى، ولكن مثل غالبية المعتقلين، فهو متهم بأنه “إرهابي”.

موضحًا أنه صديق شخصي لعبد اللطيف الذي خاض معركة شرسة داخل نقابة أطباء الأسنان الرئيسية في مصر، فاز بمقعد في مجلس النقابة في عام 2012، متغلبًا على مرشح جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات كانت حرة بفضل انتفاضة 2011. وفي عام 2014، ركض عبد اللطيف مرة أخرى وأصبح مساعد الأمين العام للنقابة. (استقال في عام 2016، لأسباب شخصية.)

وأضاف “عبد اللطيف”- الآن في السجن- “ألقت قوات الأمن القبض عليه في منزله في الأول من سبتمبر؛ بسبب حملة “الأطباء المصريون غاضبون” على شبكة الإنترنت، حيث أيد مطالبته بسياسات حكومية أفضل لزملائه ومهنته”.

وأشار إلى مشاركة “د.عبد اللطيف” على الفيسبوك، وأنها كانت تتميز بالشجاعة، قائلا: “أن تحمل انتقادا للحكومة في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، من شأنه أن يجلب لك عواقب قليلة أو ربما لا شيء. لكن في ظل حكم عبد الفتاح السيسي، يمكن أن يكلفك نشر واحد حريتك لشهور أو سنوات”.

وكما توقع “قوبلت شجاعة عبد اللطيف بالوحشية المتوقعة. اقتحم رجال مسلحون يرتدون ملابس مدنية ورجال شرطة يرتدون الزي العسكري منزل أسرته، وصادروا جوازات سفر ونقودًا وأجهزة كمبيوتر محمولة. وتم اقتياد عبد اللطيف إلى مكان مجهول لمدة تسعة أيام”.

وأشار إلى أن التعامل الأمني بهذا الشكل مرتبط بوجود السيسي. أما الادعاء (النيابة) فقد أمرت باحتجازه ووجهت إليه تهمة “مساعدة جماعة إرهابية”.

وفي سؤال من والد طبيب الأسنان لأحد الضباط الذين داهموا منزلهم، عن أن حملة على الإنترنت حول ظروف الأطباء لا تبرر الاعتقال والمصادرة، قال الضابط: “ابنك يحرض علينا”، في إشارة إلى علامة التجزئة حول الأطباء الغاضبين.

رسالة الانقلاب

ويعلق عمرو مجدي بأن السيسي يحب تصوير الحملة التي لا هوادة فيها، والتي شنها ضد خصومه باعتبارها حملة تستهدف “الإرهابيين” و”المتآمرين”.

وأضاف مجدي، الذي هو طبيب بالأساس وتحوّل إلى ناشط في مجال حقوق الإنسان، “أعرف مدى تعسفية هذه الاتهامات الموجهة ضد المنشقين المسالمين. واحتجاز عبد اللطيف يجسد مثل هذا التعسف”.

وأضاف أن “عبد اللطيف” لم يكن الشخص الوحيد الذي تم اعتقاله مؤخرًا، ففي 20 سبتمبر، بعدما انتشرت عشرات الاحتجاجات المتناثرة في مصر في تحد علني نادر لقبضة السيسي الحديدية. على مدار الأسبوعين التاليين، ألقى رجال الأمن القبض على أكثر من 3300 شخص، وفقًا لجماعات حقوقية محلية. وقد نُقل الكثيرون من منازلهم أو تم القبض عليهم في الشوارع حيث أوقفت الشرطة المارة تعسفًا للتحقق من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي على هواتفهم.

“احنا بتوع الأتوبيس”

وربط تقرير نيوزويك بين شهية الاعتقال التي طالت أيضا ستة صحفيين على الأقل أثناء تغطيتهم للاحتجاجات، حتى إن بعضهم معروف بدعمه للسيسي. كما تم القبض على الكثير من الناس الذين كانوا صدفة في مكان الاحتجاجات، كما تم اعتقال العديد من المحامين الذين كانوا يحاولون مساعدة المحتجزين، وبين الفيلم المصري الساخر الشهير الذي أُنتج في عام 1979، “احنا بتوع الأتوبيس”، والذي يدور حول مشاجرة جامع التذاكر مع رجلين في حافلة كانا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ في السجن، حيث يتم احتجازهما وتعذيبهما لأسباب سياسية.

ومن بين من تم اعتقالهم أخيرا على سبيل المثال، د.حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، قائلا: “يبدو أن اعتقاله جاء بسبب تغريداته ومشاركته في البرامج التلفزيونية لتقديم تحليله السياسي”.

وأشار إلى تعرض بعض المعتقلين للإيذاء، ومنهم إسراء عبد الفتاح التي قالت إنها تعرضت للضرب المبرح والتهديد بالاعتداء الجنسي للتخلي عن الرمز السري للهاتف المحمول الخاص بها بعد اختطافها.

مضيفا أنه عندما انتقد وائل غنيم، الناشط المشهور في 2011، والمقيم الآن بكاليفورنيا، داهم الأمن منزل أسرته في القاهرة في 19 سبتمبر، واعتقل شقيقه الشاب حازم، وهو طبيب أسنان.

وعندما انتقد هيثم أبو خليل، مذيع تلفزيوني معارض في إسطنبول، الحكومة اعتقلت شقيقه الأكبر، عمرو، 57 عاما، وهو طبيب نفسي مشهور، في عيادته ونهب منزل والدته في الإسكندرية.

Facebook Comments