توصل الكاتب الامريكي ديفيد كيارباتريك، مراسل صحيفة نيويورك تايمز الامريكية بالقاهرة إلى كشف تفاصيل نفوذ محمد بن زايد داخل أميركا وهيمنته على ولي عهد السعودية، وإلى انتفاء أي سبب واضح لهذه العداوة الشديدة والكراهية العميقة التي تبديها الإمارات للإخوان سوى شخصية محمد بن زايد وطريقة تفكيره وذلك بما رآه من قدرة أعضاء الجماعة في بلاده على التأثير على المسؤولين في الحكومة، فقد تشكلت لديه قناعة راسخة بأن الحركة تشكل تهديداً وجودياً على ملكه.

وقالت “صحيفة نيويورك تايمز” إن سياسات ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في المنطقة، من مصر إلى سورية فاليمن وليبيا والسعودية، ومنها إلى القرن الأفريقي، مشيرة إلى فشل هذه السياسات وقيامها على أساس العداء لإيران وجماعة الإخوان المسلمين.

لماذا الإخوان؟

وفي معلومة جديدة، على الأٌقل بالنسبة لمتابعي الشأن الخليجي، كشف كيارباتريك إلى أن “عداء بن زايد لجماعة الإخوان المسلمين التي أنشئت قبل 90 عاما “شخصي”. بدان منذ أن قام والده الشيخ زايد، بتكليف عز الدين إبراهيم – أحد أعضاء الإخوان الفارين من القاهرة في فترة عبدالناصر وكان أحد مستشاري الشيخ زايد- لكي يكون أستاذه الخاص، إلا أن محاولاته لتجنيده ارتدت سلبا.

وقالت الصحيفة ن لديه خوف من الإسلام السياسي، ولهذا يقول إن العالم العربي ليس جاهزا للديمقراطية؛ لأن الانتخابات يفوز بها الإسلاميون، وقال في لقاء مع مسؤول أمريكي عام 2007: “ترى النتائج ذاتها في العالم العربي كله.. الشرق الأوسط ليس كاليفورنيا”.

وقام ولي العهد باستئجار مؤسس شركة “بلاك ووتر” إريك برينس، لإنشاء قوة من المرتزقة، استعان فيها بعناصر من جنوب أفريقيا وكولومبيا، وسحق أي محاولة للنقد، واعتقل 132 شخصا لأنهم نظموا عريضة تطالب بالإصلاحات، ولاحق عددا من المتعاطفين مع الإخوان.

ودعم (م ب ز) كما يعرفه الإعلام الامريكي، في الشرق الأوسط الجيش في مصر للإطاحة بالإخوان المسلمين، وأرسل قوات إلى الصومال لمواجهة القرصنة ثم لمكافحة التطرف، وأقام قواعد بحرية في خليج عدن، مشيرا إلى أن الأمير تحدى حظر السلاح المفروض على ليبيا، ودعم الجنرال خليفة حفتر، وقام الطيارون الإماراتيون بغارات على طرابلس، وأقام قاعدة عسكرية في شرق ليبيا.

وكان موقع (Fanack) الهولندي ذكر في وقت سابق قال إن الإمارات تتزعم الآن “الحرب التي تشن على كل أشكال وأنماط ما بات يعرف بحركات الإسلام السياسي في الخليج وما بعد الخليج”، لافتا إلى أن الهدف الأول في هذه الحرب هو جماعة الإخوان المسلمين.

فائض القوة

ورأت “الصحيفة” أن المسؤولين في أبوظبي يعيشون وهماً بفائض القوة، بعدما ساعد في إحباط الانتقال الديمقراطي في مصر، ولم يمنع الحظر الأممي على توريد الأسلحة الإماراتية إلى ليبيا من دعم مليشيات خليفة حفتر، فيما يتجاهل تحمله جزءاً من المسؤولية عن الحرب في اليمن والأزمة الإنسانية الكارثية فيه.

وعن نفوذ محمد بن زايد أمريكيا كشف المحرر أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا أن استثمر بن زايد في العلاقات التي نسجها داخل الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة مع مسؤولين في الإدارات الأميركية المتعاقبة ومع اللوبيات الأكثر نفوذاً، فضلاً عن تقاربه مع إسرائيل والحديث عنها دائماً أمام الأميركيين بوصفها “حليفاً”، بما مكنه من توظيف وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ليصبح صاحب نفوذ قوي داخل إدارته حتى بدا أن الأخير يتبعه.

وقال محللون إن النفوذ مبدأه مالي، فالإمارات واحدة من أكثر الدول التي تدفع للمستشارين الامريكيين، بنو 21 مليون دولار في عام 2017، بالإضافة إلى ملايين الدولارات التي تدفع لمراكز الأبحاث.

الأقوى بالمنطقة

فيما واعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير مطول نشرته الأحد، أن أقوى حاكم في المنطقة ليس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بل هو ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، مشيرة إلى أنه أصبح يملك جدول أعمال خاصاً به، ويبدو أن ترامب بدأ يتبعه، مشيرة إلى أن هذا الأمر تبدى في أن الرئيس الأميركي “وافق” على مطالب ولي عهد أبوظبي، عبر إطاحة الاتفاق النووي مع إيران، ويفكر بتصنيف “الإخوان” جماعة “إرهابية”.

وعن كيفية بناء بن زايد لنفوذه داخل الولايات المتحدة، قالت الصحيفة إنه بعد أن كان على مدى عقود يسير خلف القيادة الأميركية ويتبع ما تمليه عليه، أصبح ينفذ حالياً ما يريده هو ولا ينتظر ضوءاً أخضر من أحد، فيما تنقل الصحيفة عن المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية بروس ريديل قوله إن بن زايد “يعتقد أنه مكيافيلي لكنه يتصرف مثل موسوليني في الحقيقة”.

وزار “بن زايد” أمريكا للمرة الأولى عندما كان قائداً لسلاح الجو الإماراتي، 29 عاماً، والتي جاءت بعد حرب الخليج في عام 1991 لشراء أسلحة متطورة لبلاده، وهو ما أثار قلق أعضاء في الكونغرس الأميركي .. لكن البنتاجون، الذي كان يحاول الحصول على حلفاء في الخليج، وصف، وقتها، محمد بن زايد بأنه شريك واعد!.

فرض رؤيته

ورغم أن الصحيفة لم تعط لتواصله الضخم مع الصهاينة في مؤامراته ضد المسلمين، أهمية في نفوذه داخل الولايات المتحدة بل ذكرت آثارا لذلك منها أن علاقته بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كانت جيدة وكانا “مقربان جداً”، لكن الربيع العربي، الذي أدى إلى فوز جماعة الإخوان المسلمين بالسلطة، فرّق بينهما. وأوضح المسؤولون للصحيفة أن ما زاد التباعد بينهما هو رفض أوباما القيام بعمل عسكري ضد النظام السوري، بالإضافة إلى اكتشاف محمد بن زايد أن الإدارة الأميركية تفاوض إيران نووياً.

وقال بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، إن تعاطف أوباما مع الربيع العربي ومفاوضاته مع إيران فتحا الباب أمام محمد بن زايد لانتقاده. وإزاء هذا التحول في العلاقة بين الرجلين، كشفت الصحيفة، في تقريرها، عن بدايات محاولات محمد بن زايد لاختراق الدائرة الضيقة حول ترامب، حيث استطاع، قبل الانتخابات الرئاسية في عام 2016، تأمين لقاء مع صهر الرئيس جاريد كوشنر.

وأشارت إلى أنه في ديسمبر 2016 (قبل تسلم ترامب الرئاسة) طلب ولي عهد أبوظبي لقاء أخيراً بأوباما ووافق الأخير على غداء عمل وداعي، لكن فجأة تراجع بن زايد من دون أي تفسيرات ليتبين أنه سافر سراً إلى نيويورك بدلاً من واشنطن بعد أن تم ترتيب اجتماع له مع جاريد كوشنر ومستشارين آخرين لترامب.

وأشارت الصحيفة إلى أن محمد بن زايد طلب من ريتشارد غارسون، الذي عمل مع ولي عهد أبوظبي لسنوات، وهو صديق لكوشنر، إتمام الاجتماع. ومن هنا انطلقت محاولات محمد بن زايد لتغيير السياسة الأميركية في المنطقة، إذ إنه تحدث إلى مستشاري ترامب عن خطر إيران ومحادثات السلام مع الفلسطينيين بحسب مسؤولين اثنين مطلعين على الموضوع.

مم يخشى؟

وذكرت الصحيفة أنه رغم هذا النفوذ الذي يحظى به إلا أن محاولته إظهار نفسه على أنه وسيط مع روسيا، وذلك في إطار محاولاته لإبعاد موسكو عن طهران، بحسب دبلوماسيين أميركيين. وهو ما ظهر في تقرير المحقق الخاص بتدخل روسيا في الانتخابات روبرت مولر، إذ إن أسماء خمسة أشخاص يعملون لمصلحة ولي عهد أبوظبي موجودة في التقرير. كما أن ولي عهد أبوظبي، والذي كان يزور الولايات المتحدة بانتظام، لم يدخلها في آخر عامين، وأحد أسباب ذلك تخوفه من احتمال سعي محققي مولر لمساءلته هو أو مساعدوه، وفق ما أكد شخصان مطلعان على طريقة تفكيره.

على الرغم من ذلك، يبدو أن نفوذ ولي عهد أبوظبي داخل إدارة ترامب أقوى من أي وقت مضى، إذ إن الرئيس الأميركي تبنى آراءه بشأن قطر وليبيا والسعودية، في تعارض مع نصائح مستشاريه في مجلس الأمن القومي ووزراء في حكومته. حتى إن الصحيفة أشارت إلى أن مقترحات بن زايد للسلام الفلسطيني الإسرائيلي والتي تغاضت عنها إدارة أوباما تشكل حالياً صلب المقاربة التي يدافع عنها كوشنر، في إشارة إلى خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية. ويقول دبلوماسيون غربيون يعرفون محمد بن زايد إنه مهووس بعدوين، إيران وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أدى إلى توجه ترامب ضد هذين الطرفين.

فرانكشتاين جديد

وأوردت الصحيفة الامريكية تصريحا للمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية والباحثة في معهد “بروكينغز” تامارا كوفمان وايتس إنه بتسليح أميركا للإمارات “خلقنا فرانكنشتاين صغيراً”. وفي إطار محاولاته لزيادة نفوذه داخل الإدارة الأميركية، فإن محمد بن زايد يتقرب من المسؤولين الصغار، إذ إنه يستقبلهم دائماً. وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن محمد بن زايد كان دائماً ما يبلغ المسؤولين الأميركيين أنه يرى إسرائيل حليفاً ضد إيران وجماعة الإخوان المسلمين. وبسبب ثقتها به، فقد باعت إسرائيل للإمارات معدات متطورة لتحسين فعالية طائرات “أف 16″، وأجهزة تجسس متطورة على الهواتف. وقد أصبح محمد بن زايد، بنظر مسؤولين في واشنطن، أفضل صديق لأميركا في المنطقة، ويمكن الاعتماد عليه لمواجهة النفوذ الإيراني.

Facebook Comments