تظله مهابة أعيان الصعيد فقد أُوتي بسطةً في الجسم؛ قامة عالية معنى ومبنى، ينم وجهه بنظراته الصارمة عن الاعتزاز بالنفس والترفع عن الدنايا، ورغم ذلك فقد كان رقيق الإحساس لدرجة غير مسبوقة، فإذا فتحت أبواب قلبه تحس الأنس والمودة والأبوة الصادقة، وفي كل لحظة تستشعر منه الولاء الصادق العريق لدعوته وجماعته، إنه المرشد العام الرابع لجماعة الإخوان المسلمين.

وهب الأستاذ محمد حامد أبو النصر أحد الأربعة من مكتب الإرشاد حياتهم لدين الله فلم تفتر همتهم ولم تهتز عزيمتهم، وكانوا قدوةً صادقةً صالحةً لإخوانهم في التجرد وإنكار الذات والثبات على الحق.

حياتي كلها لله

عرفت جماعة الإخوان “أبوالنصر” جنديا شديد الالتزام، عندما يستدعيه المرحوم عبد العزيز عطية فيلبي مسرعًا سامعًا مطيعًا تعبدًا لله في بساطةٍ ووضوح.

كان قائدًا ساس السفينة برغم الأنواء التي واجهته بكل ثبات وصرامة وحزم، وقد وُلد السيد محمد حامد أبو النصر بمنفلوط محافظ أسيوط بصعيد مصر من أب مصري وأم سعودية، ومات والده وهو طفل صغير، وتولت الأم تربية وحيدها تربية جادة وهيَّأته ليكون ندا لعائلة الطرزي.

وهي عائلة وفدية كانت تسيطر وتهيمن على بلده منفلوط وما حولها، وتتولى الزعامة والريادة والتمثيل في المجالس النيابية، وحصل على البكالوريا، ونمَّى معارفه بالاطلاع وثقَّف نفسه بالقراءة وممارسة التعامل مع المجتمع المحيط فأفرزت هذه التجارب شخصية صقلتها التجربة والمعرفة وعلمتها الأحداث كيف تواجه الصعاب.

مع البنا

قرر الإمام الشهيد حسن البنا زيارة منفلوط، وكان من عادته إذا عزم على زيارة أي مكان أن يدخل إليه من خلال شخصية محترمة من أهاليالمنطقة تتسم بالوقار والالتزام، فالتقى به السيد أبو النصر وبايعه على العمل في مظلة جماعة الإخوان، وظلَّ على عهده حتى لقي الله.

وقد ظلَّ على عهده مع الإمام الشهيد، وتدرَّج في الجماعة حتى أصبح عضوًا بمكتب الإرشاد قبل أحداث 1954م.

وقد حاول جمال عبد الناصر، حينما احتدم الصراع بينه وبين الجماعة، أن يستميله إلى جانبه، مذكرًا أنهما أبناء محافظة واحدة تعمهم وشيجة أبناء الصعيد، ولكن خاب أمل عبد الناصر عندما أبى الأستاذ أبو النصر أن يجاريه فتوعده.

ولما كانت محنة 54 وحُوكم أعضاء مكتب الإرشاد كان نصيب الأستاذ أبو النصر الأشغال الشاقة المؤبدة، وبعد أن قضى فترة بليمان طره تم ترحيله إلى سجن جناح بالواحات الخارجة ثم إلى سجن المحاريق، وأخيرًا إلى سجن قنا؛ حيث أُفرج عنه عام 74 من سجن المزرعة بعد أن قضى عشرين عامًا لم يتزحزح ولم يتراجع عن موقفه.

كيد الشيطان

بعد أن رحل الإخوان إلى سجن المزرعة تمهيدًا للإفراج عنهم حاول المدعو فؤاد علام أن يستغل الفرصة، ويظهر أن للأمن دور في الإفراج عن الإخوان، وكان السادات قد أصدر أوامره بالإفراج عن الإخوان، فجمع الإخوان وطالبهم بالتعاون مع الحكومة، وإذا بالأستاذ أبو النصر يتصدى له قائلاً: الإخوان سيقلون للمحسن قد أحسنت وللمسي أسأت.

وكان يدير أعماله الواسعة، وهو داخل السجن، إذ كان سكرتيره الخاص يحضر إليه في فترات منتظمة، عارضًا عليه حساباته وأعماله، ولا ننسى موسم الرمان، فقد كانت الزيارة محملة بكميات كبيرة منه تكفي جميع نزلاء السجن.

وقد رزقه الله بثلاثة أبناء؛ ولدان وبنت، وكان مختلفًا مع والده الذي يطالبه دائمًا بالتنازل والتأييد، وكان في آخر أيامه رئيسًا لنيابة سوهاج، وقد حاول أن يدفن والده في منفلوط، ولكن كانت وصية الأستاذ أبو النصر أن يُدفن مع إخوانه المرشدين، وقد تمَّ له ذلك.

ربح البيع أبا النصر..

Facebook Comments