تفتح الهزائم المدوية التي يتعرض لها الجيش (المصري) في سيناء على يد حفنة من المسلحين لا تزيد على عدة مئات، بحسب تقديرات رسمية، كثيرا من التساؤلات والألغاز حول دور الصفقات المليارية التي يهدرها السيسي على السلاح دون أن يتمكن من القضاء على  هؤلاء المسلحين؛ إذ كيف لجيش يحتل الترتيب التاسع عالميا، وفق آخر تصنيف لموقع "جلوبال فاير باور"، ويضم أكثر من نصف مليون ضابط وضابط صف ومجند، بخلاف ترسانة ضخمة من الأسلحة والطائرات والدبابات والصواريخ والمدرعات والعربات المصفحة والرادارات والأجهزة التكنولوجية الحديثة، أن يقف عاجزا أمام حفنة مقاتلين لا هم يتمتعون بنفس العدد ولا العتاد ولا حتى الاحترافية والتدريب في مؤسسات عسكرية كبرى!.

وكيف لقائد سياسي وعسكري ترقّى إلى درجة مشير في ظروف غامضة، يملك كل هذا الجيش بخلاف جيش آخر من المخابرات، وجيش ثالث من الشرطة، وجيش رابع من الجواسيس والعملاء، وآلة إعلامية ضخمة تضم مئات الفضائيات والصحف والمواقع، أن يفشل في مواجهة حفنة مسلحين ويشن 7 حملات كبرى دون أن يحقق شيئا يذكر؟!. ألا يوجب هذا الفشل وذلك الإخفاق الكبير محاسبة الطاغية عبد الفتاح السيسي؟ ألا يعد ذلك برهانا ساطعا على محدودية كفاءته وقدراته؟ ألا يمثل ذلك لغزا كبيرا حول صفقات السلاح المليارية التي أبرمها دون أن يحقق نصرا على حفنة مقاتلين لم يتلقوا العلوم العسكرية في الكليات الحربية ولا يتمرسوا على الحروب الاحترافية كما في الجيوش النظامية؟

الثالث عالميًا في شراء السلاح

احتلت مصر المرتبة الثالثة عالميا في استيراد الأسلحة في الفترة من 2015 إلى 2019، حيث بلغت وارداتها نحو 5.58% من السوق العالمية، بعد السعودية التي جاءت بالمرتبة الأولى 12%، والهند 9.2%، وفق أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). وتربعت فرنسا وروسيا على رأس الدول الموردة للسلاح إلى مصر بواقع 35% لكل منهما، في حين تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثالث بنسبة 15% للمرة الأولى منذ عام 1980، حيث كانت المصدر الرئيس للسلاح إلى مصر.

هذه الصفقات المليارية من السلاح تأتي في ظل تزايد معدلات الفقر التي بلغت "32.5%" وفقا للجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، وترتفع تقديرات البنك الدولي لمستويات الفقر بمصر إلى 60%، ما يعني أن هناك أكثر من 60 مليون مصر يعانون من الفقر، كما تأتي صفقة السيسي المليارية من السلاح في ظل ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 112.5 مليار دولار بارتفاع قدره 16 مليارا في 2019 فقط، كما ارتفع حجم الدين المحلي إلى ما يربو على "4.5" تريليون جنيه، وبذلك فإن السيسي يكبل مصر بهذه القروض والديون الباهظة؛ حيث اقترض السيسي ثلاثة أضعاف ما اقترضه كل حكام مصر السابقون.

لا تلبي حاجة الأمن القومي

أمام هذه الهزائم المدوية للجيش في سيناء بات الجميع على يقين تام أن صفقات السلاح المليارية التي أبرمها السيسي لا تلبي الحاجة والضرورة التي يمكن أن تسهم في تحقيق أهداف مصر الاستراتيجية وضمان حماية أمنها القومي؛ لأن نوعية السلاح والصفقات التي أبرمها لا تحقق هدفين رئيسيين:

الأول: القدرة على لجم الاستعلاء الإثيوبي في ملف سد النهضة وضمان حماية حقوق مصر المائية التي لا تمثل ضرورة للأمن القومي فقط بل تتعدى ذلك إلى تهديد الوجود المصري من الأساس.

الثاني: عدم تلبية هذه الصفقات للحاجة الملحة لإنهاء التمرد المسلح في سيناء وفقا لاعتبارات الأمن القومي وفق تصورات النظام.

"3"  أبعاد خطيرة

الأهم أن صفقات السلاح التي يبرمها النظام دائما ما تكون أقل حداثة من الأسلحة التي تحصل عليها تل أبيب، وهو ما يضمن التفوق الإسرائيلي باستمرار، وهو ما يتضح من خلال صفقات الطائرات، فالسيسي يحصل على الرافال بدون حتى الصواريخ الموجهة أو طائرات ميغ 29، بينما تحصل "إسرائيل" على طائرات "إف 35"، وهي من الجيل الخامس الأكثر تطورا وقدرة على المناورات القتالية.

الأمر الآخر، أن نظام السيسي يفتقر إلى عدو  تقليدي خصوصا في ظل التحالف والعلاقات الوثيقة التي تجمعه بحكومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين. وبحسب تحليل لمعهد "ستراتفور" الأميركي "لا تنبع الزيادة الهائلة في مشتريات الأسلحة كواحدة من أكثر الدول تسلحا في العالم كذلك من حاجةٍ مُلِحّة لردع خصومٍ تقليديين رئيسيين في ظل العلاقات الوثيقة التي تجمع بكل من "إسرائيل والسعودية".

الجانب الثالث والخطير هو أن زيادة مشتريات مصر من الأسلحة لا تنبع من ضرورةٍ عسكرية، صحيحٌ أنَّ البلاد متورطةٌ في مواجهةٍ عصيبة مع تنظيمات مسلحة في شبه جزيرة سيناء، لكنَّ معظم مشترياتها الأخيرة- التي تضمَّنت صواريخ أرض/جو وسُفُنا حربية كبرى- غير مناسبة إطلاقا للقتال في معركة سيناء.

وبحسب "ستراتفور"، فإنَّ قلةً من صفقات الأسلحة الأخيرة هي التي تُلبِّي احتياجات الجيش المصري في سيناء، حيث تشن القوات المصرية حملةً باستخدام قدراتٍ ومعدات عسكرية، معظمها كانت موجودة سلفاً؛ بل تعاني القوات المصرية التي تقاتل هناك نقصاً في الموارد. إذ تفتقر المشاة المصرية التي تضطلع بمعظم القتال في سيناء، بشدَّةٍ، إلى دروعٍ جسدية واقية متقدمة ومعدات قتال فردية متطورة، وسط ندرةٍ أكبر في المعدات والتدريبات والإمدادات الفعَّالة. فبالنسبة للمَركبات، ينشر الجيش المصري في سيناء دباباتٍ من طراز M-60A3، تُعَد قديمة وأكثر عُرضةً للتدمير، في حين أنَّ دبابات إم-1 أبرامز، الأكثر تقدُّماً بكثير والأشد تحصيناً، والتي تمتلكها مصر، ما زالت خارج المشهد. ومن المفارقات أنَّ النظام لم يشترِ حتى بعض المعدات الأكثر ملاءمةً للمواجهات في سيناء، مثل المَركبات المُدرَّعة المضادة للكمائن والألغام.

وبدلاً من ذلك، بدأت الولايات المتحدة مَنح القاهرة التي تعتبر من الدول الأكثر تسلحا في العالم المئات من هذه المركبات مجاناً أوائل عام 2016، في إطار برنامج التبرع بالعتاد العسكري الفائض عن الحاجة والذي أطلقته وزارة الدفاع الأميركية. ورغم هذه المساعدات الأمريكية أيضا لا يزال الجيش عاجزا أمام حفنة مقاتلين بما يعكس عدم كفاءة القيادة السياسية والعسكرية ومحدودية قدراتها.

"ستراتفور" يعزو هذه الزيادة المفرطة في صفقات السلاح في مرحلة ما بعد 30 يونيو إلى عوامل جيوسياسية أكبر من مُجرَّد حاجةٍ عسكرية، وأن الجنرال السيسي يملك نزعة نحو استعادة أمجاد العسكرية المصرية؛ بعد أن تضاءل نفوذ مصر خلال العقدين الماضيين؛ بسبب تزايد الثقل الاقتصادي لمجلس التعاون الخليجي، وعودة انخراط تركيا في المنطقة، وتحرُّك إيران لتعزيز وجودها بالعراق وسوريا ولبنان عقب الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين عام 2003م.

لكن المركز يتجاهل أمورا أكثر خطورة تتعلق بحجم العمولات والسمسرة على صفقات السلاح التي تدر أموالا طائلة للسيسي وكبار الجنرالات، بخلاف رشوة الحكومات الغربية من أجل اكتساب النظام مشروعية كونه جاء إلى الحكم عبر انقلاب عسكري مكتمل الأركان.

Facebook Comments