“خادم الحرمين”، مصطلح أطلقه ملوك السعودية على أنفسهم تحصيناً من الثورة ضدهم، وإضفاء للقداسة أمام ملايين المسلمين في أنحاء العالم، أما الطائرات الورقية التي يستخدمها الفتية الفلسطينيون المشاركون في حراك “مسيرات العودة الكبرى”، فرغم بساطتها وبدائيتها تمثل تحدياً أمنياً للصهاينة وللمغتصبين الذين يقطنون في المغتصبات – المستوطنات- التي تقع إلى الشرق من الخط الحدودي الفاصل مع القطاع، فهل بين مصطلح خادم الحرمين وتلك الطائرات علاقة؟

مصطلح خادم الحرمين الشريفين، يستمد وجوده من قيام هؤلاء الملوك برعاية بيت الله الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتبر ربط الملوك بالمقدسات حجر الزاوية في النظام السعودي، فالتعبير ينطوي على مرجعيات تتضمن الطاعة، التواضع، الإيمان، ومساعدة الفقير، إشعارا بملكيتهم لتلك البلاد وحمايتهم لها.

فضح صفقة القرن

وظهر مصطلح “خادم الحرمين الشريفين” بعد العام 1986 لمقارعة دعاوى الملك الأردني حسين بأنه المشرف على المسجد الأقصى في القدس وراعيه، ومع استمرار تداعيات دعم المملكة العربية السعودية لكيان العدو الصهيوني، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي أدت إلى إضعاف المقاومة في غزة تمهيداً للتنازل عن المقدسات في فلسطين، ضمن ما بات يعرف بصفقة القرن، عاد الحديث مرة أخرى عن إمكانية تنازل الملك سلمان بن عبد العزيز عن العرش لصالح ابنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والاكتفاء بلقب “خادم الحرمين”، وفصل لقب الملك عن المصطلح الذي بات لصيقاً بحكام آل سعود.

وتأتي قداسة مصطلح “خادم الحرمين” من رعاية ملوك آل سعود للمقاومة ضد العدو الذي يجتاح بلاد المسلمين، إلا أن تلك القداسة انكشفت عورتها عندما كشف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن انتشار الفكر الوهابي يعود إلى فترة الحرب الباردة، عندما طلبت أمريكا من السعودية استخدام أموالها لمنع تقدم الاتحاد السوفيتي في دول العالم الإسلامي!

هكذا فضح بن سلمان المستور وكشف أن مصطلح “خادم الحرمين” تم صكه في البيت الأبيض، ولدى سؤاله عن الدور السعودي في نشر المقاومة والجهاد ضد أعداء الأمة، والتي يتهمها البعض بأنها مصدر للإرهاب العالمي، رد بأن الاستثمار السعودي في المدارس والمساجد حول العالم مرتبط بفترة الحرب الباردة، عندما طلبت واشنطن من بلاده استخدام مالها لمنع تقدم الاتحاد السوفيتي في العالم الإسلامي، وقال نادماً وربما متنازلاً عن مصطلح “خادم الحرمين” : “فقدنا المسار والآن نريد العودة إلى الطريق”.

المقاومة هي الحل

وأمام فقد بن سلمان للمسار ورغبته في التنازل عن قدسية “خادم الحرمين”، يتشبث الفلسطينيون بمسار المقاومة كخيار لا بديل عنه، أمام مسارات أخرى ترعاها تل أبيب وواشنطن ، وتنفذها السعودية ، وباتت تتكشف الواحدة تلو الأخرى، وكان آخرها اتفاق القرن، الذي يقضي بالتنازل عن القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مقابل توسيع أراضي قطاع غزة تمدداً في سيناء داخل الحدود المصرية، وقيام دويلة مصطنعة فلسطينية عاصمتها أبو ديس بدلا من القدس المحتلة.

وخلال الأسابيع الماضية رد الشبان الفلسطينيون على الأمير محمد بن سلمان، بعد أن أقلعت طائراتهم الورقية، التي تم تجهيزها في قطاع غزة، ضمن الجمعة الرابعة لمسيرات العودة، تتحدى اتفاق القرن، الذي وقعه الرئيس الأمريكي ترامب، مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، وكان الطرف الثالث في التوقيع السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

ودأب الشبان على إرسال تلك الطائرات إلى مناطق غلاف غزة، حيث تم في إحدى المرات، تعليق كاميرا في نهاية الطائرة الورقية، واستطاعت تصوير مناطق الغلاف، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبحسب تقرير نشره موقع “وللا” الصهيوني، فإنّ الطائرات الورقية التي يتم تزويدها بزجاجات حارقة ذات حجم صغير تسببت حتى الآن في اندلاع سبعة حرائق طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محيط المغتصبات الصهيونية شرق غزة، مما أفضى إلى تكبد المزارعين خسائر كبيرة.

وأضاف أن الفتية الفلسطينيين الذين يتحكمون بحركة الطائرات الحارقة بواسطة خيط طويل يقومون بتسريح الخيط عندما يتأكدون أن الطائرة تحلق فوق المزارع الصهيونية أو الأحراش التي تقع شرق الخط الحدودي، وما يزيد الأمور تعقيداً أن اتجاه الريح يخدم أهداف الفلسطينيين المشاركين في حراك “العودة”، إذ أنّ الرياح التي تندفع للشرق توسع من دائرة الحرائق وتزيد من مساحات المزارع الصهيونية التي يتم إتلافها نتاج ذلك، فهل أرسلت الطائرات الورقية رسالتها إلى موقعي اتفاق القرن وعلى رأسهم الأمير محمد بن سلمان الذي بات يخدم الصهاينة ولم يعد خادماً للحرمين؟

Facebook Comments